أغار من غسان تويني
بقلم عقل العويط




كتاب جديد لغسان تويني في المعرض الفرنكوفوني وفي المكتبات ("فلندفن الأحقاد والثأر"، دار "البان ميشال"). هو ليس كالكتب، لأنه غسان تويني، ولأنه مرآة. لكن التشبيه بالمرآة ليس كافياً لرؤية البورتريه كاملاً، أو للكشف عن المخبّأ وراء أمّ العين. فالوجه البيّن من هذه المرآة، هو الغواية حصراً، بل مدعاة سرّها المنطوي على مراياه العميقة المتتالية، حيث موشوراتٌ متراكمة من الأسرار والأفكار والمشاعر. لهذا السبب بالذات، تجعلنا مرآة هذا الكتاب في المرايا، ويُدخلنا الوجه المرئي في رحلة الوجوه غير المرئية. وإذا اختار الواحد منا أن يذهب في تلك الرحلة، أو إذا "تورّطت" نظراته في عشق مراياها، فهناك، ذهابٌ "متورّط" و"متواطئ"، ولن يكون ثمة رغبة في العودة سريعاً. ففي تلك الرحلة لذّة تتوالد من لذّة، وشغفٌ يتوالد من شغف، وتأويلٌ يتوالد من تأويل.
قرأتُه البارحة. في ليلة واحدة. وقد كان ذلك ليلة الأربعاء – الخميس. فمثل هذه الكتب، على كل حال، لا يمكن النجاة منها، أو التملّص من ربقتها. وآنذاك، لا يكون ثمة رغبة في النجاة، ولا في التملّص، ولا حتى في الإرجاء.
قرأتُه البارحة. الكتابَ قرأتُه، في ليلة واحدة. هي ليلة كالليالي التي لا يريد لها المرء أن تنتهي. لا لشيء، إلاّ لأن الدخول في المرايا يضاعف المرايا، فلا ينتهي من رؤيتها، وإن أراد، ولا يعرف كيف يكمل تعداد وجوهها ومعانيها، وإن ظنّ أنه يعرف.
أهو الفخّ، أم الحكاية، أم التشويق، أم الغواية، أم التراجيديا، أم العرفان، أم الشغف، أم ماذا؟ ربما هذه كلّها، معاً، وغيرها، فليس من سبب واحد محدد، دون غيره، يدعو الى قراءة مثل هذا الكتاب في ليلة واحدة. فكل الأسباب تحضر معاً، لتكون الليلة المبذولة موازيةً لبذل الليل مع جسد مراياه. ولا حدود.
ليس لي، هنا، أن ألخّص للقرّاء الأصدقاء فصول الكتاب، محطاته، والحكايات. لسببٍ واحد، هو أن الإخبار الصحافي سيفوّت على القارئ الحصيف سيلاً من المتع والمعارف والأفكار والمشاعر والأسئلة، لا أريد له أن يفوّتها. فتلخيصي للكتاب – السيرة، لن يمكّن القارئ من أن "يتورّط" بما "تورّطتُ" أنا به، من انخطاف المشاعر.
هكذا، من فرط تقديري لهذا القارئ، ورغبتي في أن يحصّل ما قد حصّلته في تلك الليلة، لا أريد له الاّ أن يوغل في "التورّط" الى آخره. لا بدّ لهذا القارئ من ليلة كاملة، كتلك الليلة، من أجل أن يفوز بالربح كلّه، لا منتقصاً ولا مجزوءاً.
دعوتي الى قراءة هذا الكتاب، ليست فعلاً تسويقياً وترويجياً له، كما يفعل الناشرون، عادةً، عند نشرهم كتباً ذات مردود مادي وصدى إعلامي. إنما هي دعوة حميمة الى السفر في ثقافة التاريخين العام والخاص، فضلاً عن السفر في حياة غسان تويني، التي باتت جزءاً من الضمير اللبناني والعربي الحديث. فالذين يعرفون هذا الرجل جيداً، والذين لا يعرفونه جيداً، قراءةُ هذا الكتاب ستجعلهم أكثر قدرةً على معرفة التاريخ، ومعايشته، من خلال الاختبار الفردي الهائل، والأنسنة العالية المتعددة الوجه والمرمى، التي فيه.
سيرة شخصية؟ أكيد. لكنْ، غير ذلك أيضاً. ففي مرايا السيرة الذاتية هذه، سِيَرٌ، ولا بدّ، عمومية، ثقافية، أدبية، تاريخية، وطنية، فلسفية، لاهوتية، سياسية، حزبية، مهنية، صحافية، بعضها تراجيدي، بعضها لا، يتساقى بعضها من بعضها، فلا يعود يجوز فصل الواحدة عن الأخرى لئلا يجفّ الندى عن وجوهها، فتتشظى المرايا تشظياً، لن يكون في صالح حسن الرؤية ولا في صالح حسن الأخذ.
هل أكون أمدح غسان تويني، وأكون أقرّظ الكتاب؟
ليش لأ! وعلى الملأ، وبالحبر الملآن. فكل الأسباب تحضر عندي دفعةً واحدة، في ليلة واحدة، لتوجيه التحية، من باب أَوْلى، الى غسان تويني شخصياً وخصوصاً. ثم، في ما بعد، يأتي دور هذا الكتاب. أقول: كل الأسباب متوافرة، الآن، لتوجيه التحية الى هذا الرجل، بل هي متوافرة في كل وقت. ولا سيما بالنسبة اليَّ، شغّيلاً حرّاً، وبلا قيد، في ثقافة مهنته، وتحت سماء "النهار"، بالشغف الذي يجعلني أغار من غسان تويني، للسبق الذي يحرزه فيه. ولا يُجارى.
لا يزال هذا الشيخ الفتى يذهب الى غاياته بأفئدة الفتيان وعقول الحكماء، وهو يواظب على فعل ذلك، منذ خمسين سنة، بل ستين، والأكيد منذ خمس وستين، وربما أكثر بنيّفٍ قليل من السنوات. يطرق صخر المهنة الأصمّ، فلا الإزميل يتراجع ولا الصخر يهون اقتياده الى السهول والمنبسطات إلاّ بعد كثير شغف وطول أناة ورهطٍ كثيف من تعلّم وعلم وحنكة ودراية وثقافة وذكاء.
وهذه بعض صفات هذا الشيخ الفتى.
وأنا، بكل صراحة، أغار منه. الغيرة، هذه الغيرة بالذات، غيرة الشغف، أليست سبباً كافياً لأرفع القبّعة لغسان تويني، قبّعتي وقبّعة "الملحق"؟!
ماذا بعد؟ كل شيء، بعد.
ولن ننسى الأمانة، أمانة "الملحق"، وهو ابن "النهار"، وكلتاهما صناعة قبل أن يكونا مهنة فحسب. كصناعة الأدب والثقافة. بل أيضاً وخصوصاً: كصناعة الحرية.


* نقلا عن النهار اللبنانيــة،،