الحلقة 17 من السراب| الجماعات الدينية السياسية: المنهج السلفي وأنواع جماعاته
24 - أبوظبي
أصدر مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الدكتور جمال سند السويدي، مؤخراً كتاب "السراب"، وتتمحور فكرته الأساسية حول "السراب السياسي" الذي يترتب على الوهم الذي تسوقه الجماعات الدينية السياسية لشعوب العالمين العربي والإسلامي.
ويكشف الكتاب، عبر فصوله السبعة، حجم التضارب القائم بين فكر الجماعات الدينية السياسية وواقع التطور الحاصل في النظم السياسية والدولية المعاصرة، خاصة فيما يتعلق بمسألة التنافر بين واقع الأوطان والدول وسيادتها القانونية والدولية من ناحية، ومفهوم الخلافة الذي تتبناه هذه الجماعات من ناحية ثانية، كما يكشف هذا الكتاب علاقة الترابط الفكرية القائمة بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المتطرفة التي ولدت في مجملها من رحم هذه الجماعة، وفي مقدمتها القاعدة وداعش.
الحلقة 17
الباب الثاني: حالات تطبيقية
الفصل الرابع: الجماعات الدينية السياسية: السلفيون
ثانياً: المنهج السلفي وأنواع الجماعات السلفية
يرى بعض الباحثين أن للمنهج السلفي قواعده وأحكامه ومميزاته، التي تميز السلفية عن غيرها من المناهج والتيارات الدينية الأخرى، ومن هذه القواعد والأحكام ما يأتي:
• ضـرورة أن يكون الاستدلال واضحاً بآيات من القرآن الكريم، وأحاديث صحيحة من السنة النبوية الشـريفة.
• أن تُعطى الأولوية للنصوص، ويقصد بها آيات القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة عن الرسول ﷺ وطالما ثبتت صحة النص والثقة به، فلا يجوز إخضاعه للتبرير العقلي. وبموجب هذه القاعدة فإن ترجيح العقل على النقل (النص) مرفوض تماماً في المنهج السلفي، وفقاً لقاعدة أن يكون صـريح المعقول موافقاً لصحيح المنقول، وهي قاعدة صنَّف الإمام أحمد بن تيمية كتبه كلها عليها، وتعني الاعتماد على نصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة بشكل رئيسـي وأساسـي ورفض الاجتهاد في ظل النص الصـريح.
• احترام السلطة الدينية ورموزها، وتوقير الخبرة المتواصلة التي يتمتع بها كبار السن من الشيوخ والعلماء.
علاوة على ذلك، تتمثل السمات الأساسية الجامعة للفكر السلفي عموماً في مجموعة من المبادئ كما يأتي:
1. التشديد على مفهوم التوحید في العبادة، وينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الألوهية، وهو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة قولاً وعملاً، ونفي العبادة عن كل ما سوى الله كائناً من كان، ويمكن أن يعرَّف بأنه: توحيد الله بأفعال العباد، وهذا النوع هو الذي وقع فيه الخلل، ومن أجله بعثت الرسل، وأنزلت الكتب، وخلق الخلق، وشـرعت الشـرائع، وفيه وقعت الخصومة بين الأنبياء وأقوامهم.
وتوحيد الربوبية، وهو إفراد الله تعالى بأفعاله كالخلق والملك والتدبير والإحياء والإماتة، ونحو ذلك. وتوحيد الأسماء والصفات، وهو إفراد الله عزّ وجلّ بما له من الأسماء والصفات، عبر إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو ما أثبته له الرسول ﷺ من الأسماء الحسنى والصفات من غير تحريف لها أو تأويل لمعناها أو تعطيل لحقائقها أو تكييف لها، مع تنزيه الله عن كل عيب، ونفي ما نفاه عن نفسه من صفات النقص.
2. التأكيـد المستمـر على طاعـة أولي الأمـر بصـورة مطلقـة، طالما التزموا شـرع الله.
3. التنويه بفضائل الصحابة، وفضائل سائر أئمة العلم.
4. نبذ البدع والخرافات والشبهات.
5. أهمية الجهاد واستمراره، وأن المقصود منه هو نشـر الدين الإسلامي، وفقاً لأصوله الصحيحة، وهذا وفقاً للفكر السلفي.
6. عدم الخوض في القضايا السياسية الشائكة.
7. تفويض أولي الأمر في التنظيمات والترتيبات الإدارية، وتشكل طاعة ولي الأمر منهجاً رئيسياً للفكر السلفي التقليدي، الذي ينطلق من القاعدة التي تقول "إن الله ليزع [يردع] بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، أي بمركزية مفهوم ولي الأمر.
كما يمكن إبراز أهم السمات المنهجية للسلفية فيما يأتي:
1. العناية بعقيدة السلف، ونقد عقيدة الخلف، بمعنى العودة إلى أصول العقيدة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشـريفة وما كان عليه السلف الصالح من قول وفعل، ونبذ البدع والشبهات التي ظهرت وكثرت بمرور الزمن فحادت عن طريق السلف، وأدخلت من الدين ما ليس فيه. وهذا هو جوهر دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب بحسب ما يرى أتباعـه.
2. ترجيح التفسير الأثري للقرآن العظيم، ويُقصد به تفسير القرآن الكريم بالنصوص الإسلامية الأولى ذات الطابع المصدري، وهي: القرآن الكريم والسنة النبوية الشـريفة.
3. ترجيح مذهب الإمام أحمد بن حنبل في مجال العقيدة والفقه، والميل إلى آراء مدرسة الإمام أحمد بن تيمية، وهما من أصول المنهج السلفي ومراجعه.
4. العناية بالعلوم الشـرعية، مثل القرآن الكريم والسنة النبوية الشـريفة والفقه والحديث.
5. نشـر فكر الإمام محمد بن عبدالوهاب، ومنه محاربة البدع في الدين ومظاهر الشـرك بالله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. إلخ.
علاوة على ما سبق، فهناك من الباحثين من يرى أن ثمة قواسم مشتركة عامة بين السلفيين، تتمثل في مجموعة من الجوانب نوضحها فيما يأتي:
1. يمنح السلفيون مسألة التوحيد موقعاً متقدماً ومهماً على المستوى الفكري؛ وهذا لا يقتصـر على الموقف من غير المسلمين فقط، بل على الموقف من رفض مظاهر الشـرك لدى بعض الفرق الأخرى أيضاً، مثل: الطواف حول قبور الأولياء واعتقاد عصمتهم، أو التوسل بالنبي ﷺ وبالأولياء، وسن قوانين وتشـريعات منافية لأحكام الشـريعة الإسلامية.
2. يحظى الجانب العقائدي بأهمية كبيرة في مواقف السلفيين المختلفة؛ فهم من الناحية التاريخية يمثلون أهل السنة والجماعة، وبصورة أكثر تحديداً أهل الحديث، وهي إحدى المدارس السنية الإسلامية، وقد اتسمت بالاهتمام بالحديث النبوي والفقه واستنباط الأحكام من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشـريفة، وهذا هو جوهر اهتمام المدرسة السلفية، التي يبرز من أئمتها الإمام أحمد بن حنبل، وهي مدرسة تشكلت عبر القرون الماضية؛ في إطار الرد على فرق وجماعات أخرى مثل: الشيعة والخوارج والمعتزلة والأشاعرة وغيرها.
3. تقديم النص على العقل؛ إذ يشدد السلفيون على أولوية النص (القرآن الكريم والسنّة النبوية الشـريفة)، بحيث تكون الغلبة للنص في حال حدوث تعارض بين "صـريح النص" و"صحيح العقل"، وهذا الأمر يبدو مغايراً لتيارات أخرى مثل المعتزلة، وهم الذين يقدمون العقل على النص، وكما هي الحال عند أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد.
4. تكريس مفهوم "الاتباع لا الابتداع"؛ ومعناه يتلخص في تأكيد أهمية اتباع الرسول ﷺ، والتزام فهم الصحابة وتصـرفاتهم في أمور الدين، وعدم الابتداع في الدين والإتيان بما ليس فيه؛ واستحداث أمور من شأنها التأثير سلبياً في الفهم الصحيح للدين وإطاره السليم؛ لأن الدين الإسلامي تم وكمل برسالة الرسول محمد ﷺ خاتم المرسلين، لقوله تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾، ومن هنا فلا مجال لما يعتبر ابتداعاً في الدين من وجهة نظر التيار السلفي.
وإحدى الإشكاليات، حسب رأيي، هنا تكمن في ضبط المفاهيم والمصطلحات، فهناك دلالات سلبية واضحة لمفهوم الابتداع، وربما يكون جانباً من هذه الدلالات واقعياً وصحيحاً من الناحية الفقهية، ولكن التماس المفاهيمي الحاصل بين الابتداع ومفهوم آخر هو الاستحداث أو الاجتهاد يحدث اللبس والخلط المفاهيمي ليس على المستوى الفكري والعقائدي فقط، بل على مستوى الممارسة والتطبيق أيضاً، ولا سيما أن الاجتهاد قد يكون مسألة ملحة على الأقل لجهة إبراء ذمة الدين والانتصار له في مواجهة أي اتهامات بالجمود ومقاومة التطور والتحديـث.








رد مع اقتباس
