غزة بكل اللغات
خيري منصــور
دار الخليج
تاريخ الغزلان لا تكتبه نيابة عنها الضباع والذئاب وحتى النمور، ولو قدر للأباطرة وأكلة لحوم الأطفال أن يكتبوا التاريخ كله ممهوراً بتواقيعهم، لما كان العالم الآن على ما هو عليه، لكن أعمدة الرخام قضمها الزمن ولم تتوقف الشمس عن الشروق فوق الأطلال وما تبقى من خرائب . إن ذكرى مرور عام أو عقد أو قرن أو حتى ألفية على مجزرة كبرى كالتي أوقعها الاحتلال الصهيوني بغزة وأهلها تتجاوز الشموع والدموع لتفتح التاريخ على مصراعيه، بحيث يمتد خيط الدم من البواكير الأولى حتى هذه الأيام التي لا يذيب جليدها غير الأسى الإنساني النبيل، وما يقدمه بعض البشر من براهين للدفاع عن استحقاقهم للحياة وعبور كل هذه الجدران والحواجز نحو المستقبل الذي يحاول اللصوص والقتلة التمدد إليه لاحتلاله، مثلما تمددوا أخطبوطياً نحو الماضي لإعادة إنتاجه وتزوير وقائعه بحيث يلبي أساطيرهم الملفقة من برادة حديد الدبابات ولحم الأطفال الممزق .
لم يكن ذلك العدوان على غزة أول عدوان وحشي في التاريخ، فغزة هي حفيدة مدن وبلدان نزفت من الدم ما يكفي لأن تطفو وتنجو من الغرق، مثلما ستكون عدة مدن وأمكنة أخرى في العالم على موعد محتم مع نزعة العدوان التي لا تشير أية قرائن إلى إمكانية استئصالها في المدى المشهود .
في ذكرى ذلك العدوان الذي تحول إلى ندبة عميقة في جبين هذا الكوكب لا يوحد الإيطالي والفرنسي والبريطاني والأمريكي والإفريقي والعربي سوى كلمة واحدة، تبقى بكامل فصاحتها وعريها على كل الألسنة رغم اختلاف اللهجات والايديولوجيات وألوان الوجوه . غزة هي كلمة السر في هذا الهزيع الأخير من ليل الاحتلال، حيث يجري تجنيد نخب ضالة ومهارات معروضة للبيع أو الإيجار لتسويغ الظلم، والدفاع عن حق الجنرالات في سحق عظام الأطفال الرضع، الذين تحولت مهودهم المضمخة بالدم والحليب إلى توابيت طائرة تحولت أمام الفانتوم والأباتشي إلى غربان .
هذه الذكرى رغم كل ما يحيط بها من تناقضات في المواقف أو تصفية حسابات سياسية وايديولوجية هي الدليل الساطع والمضاء بكل سخاء الشمس على أن التاريخ لا يكتبه أو يمليه القتلة، وأن للعصفور وزهرة الياسمين وقطرة الماء فيه نصيباً يجترح من يدافعون عنه من أقصى المستحيل، مثلما يجترح الموت عندما يفيض وتصبح الأرض كلها قبراً جماعياً قيامة يتجلى فيها الشاهد والشهيد وينال أبالسة الخوذ والفولاذ وسكاكين ذبح الأطفال ما يستحقون من الرجم .
لقد كبر الأطفال الذين ذبحوا في غزة عاماً آخر، لكن خارج التقاويم والأحوال المدنية وجوازات السفر، فهم لم يتوقفوا عن النمو لأن دمهم سقى شجراً وعشباً ودخلوا في الدورة الأبدية للحياة، ومقابل هؤلاء الموتى الأحياء ثمة أحياء موتى تعج بهم الشوارع والحوانيت، فالمعيار الذي نحتكم إليه للحكم على الأحياء والموتى ليس اللهاث وراء الرغيف، لأن الإنسان عندما يقذف من علياء الحرية إلى قاع الضرورة يصبح مجرد أمعاء تسعى كالثعابين .
إن غزة تختبرنا كبشر أولاً وكعرب ثانياً مثلما اختبرتنا قانا من قبل، ومثلما تحول كيلومتر واحد هو مخيم جنين إلى خندق يستوعب العالم بأسره، وإذا كان صهيلنا متقطعاً ومبحوحاً فلأن اللجام أمضى من السكين . . وبالرغم من ذلك، فإن لغزة عرباً تحصنوا ضد نسيانها .