|
|
تهجير الأزمات
استطاع نتنياهو أن يقوم بتهجير الأزمة بين تل أبيب وواشنطن حول تجميد الاستيطان، بفضل ما ترسخ من الاستراتيجية الأمريكية شبه الثابتة إزاء الدولة العبرية، فالإدارة الغاربة لم تأخذ معها كل شيء، وثمة ظلال لها لا يصعب تقصيها في مفاصل الإدارة الأوبامية، يضاف إلى ذلك رهان نتنياهو على رخاوة الموقف العربي وقابليته للمط أو الانحسار، تبعاً لما تمارسه الولايات المتحدة من ضغوط، ويبدو أن التعويل المبالغ فيه على الرئيس أوباما كان بسبب فائض الشخصنة وأدبياتها في العقل السياسي العربي، وكأن هذا الرجل مطلق اليد، يترجم على الفور ما يقول إلى أفعال حاسمة، وهذا ليس تقليلاً من شأن أوباما أو رغبته الفعلية في التغيير الذي كان شعار حملته الانتخابية الأشبه بأيقونة، لكن الظروف الموضوعية سواء تعلق الأمر بأمريكا أو بالعرب لها سطوتها ونفوذها، ولا تهب عواصفها تبعاً لأهواء القباطنة خصوصاً عندما تكون زوارقهم شراعية، والسيدة هيلاري كلينتون ليست مجرد سيناتور أمريكي يدلي بدلوه في هذه المسألة، إنها وزيرة خارجية الرئيس أوباما، وكان عليها في مجمل مواقفها من تجميد الاستيطان أن تقول لنتنياهو إن من يضع الشروط كعراقيل في دواليب السلام هو إصراره على المضي قدماً في توسيع الاستيطان والانتهاك اليومي للمقدسات بدءاً من الأقصى.
هنا، كالعادة توضع العربة أو الدبابة بمعنى أدق أمام الحصان، ويصبح من يملي الشروط شاعراً بالضيق منها عندما تصدر عن طرف آخر، ولكي لا نلقي بالحمولة كلها على كاهل أوباما ووزيرة خارجيته، فإن اختبار الموقف العربي الآن هو ما سيضع النقاط على الحروف، ففي اجتماع وزراء الخارجية العرب وبالتالي ما سوف ينقلونه إلى السيدة كلينتون، ستكون الرسالة قد وصلت على نحو مزدوج إلى تل أبيب وواشنطن.
فإذا لم يشعر نتنياهو الحالم بريادة ثانية للصهيونية لفرط راديكاليته بأن هناك من يقول له إن المفاوضات ليست زبدة تتوغل فيها سكاكينه بسلاسة، فإنه سوف يمضي إلى ما هو أبعد، لقد اشترط من قبل على الفلسطينيين أن يعترفوا ويقروا بالدولة اليهودية المنقاة من الشوائب، ولم يفكر للحظة بأن دولته هي الشائبة الفعلية في سياق عضوي ونطاق قومي متجانس بكل المقاييس، لكن هذا الحالم بالريادة الثانية لا يرى من المشهد غير ما يريد، ولا يسمع سوى صدى العبرية التي يثرثر بها. لهذا فالمفاوضات بالنسبة إليه هي مونولوج ينجزه مع نفسه، وليس ديالوجاً أو حواراً متكافئاً مع الآخر، ذلك ببساطة لأن سايكولوجيا الغالب تسكنه حتى النخاع ويعتقد بأنه يفاوض الفلسطينيين وهم في أضعف حالاتهم، وكما لو أنه جالس يتدفأ في غرفة آمنة، والآخرون يقفون في العراء تحت المطر بانتظار إيماءة لهم بالدخول.
إن معظم ما يقال الآن حول الشروط وحذفها هو أشبه بضرب أصفار بأصفار، والحقيقة رغم عُرْيها وبساطتها مسكوت عنها، لأنها تتطلب شجاعة في تحديد موقف من هذه المراوغات الهادفة إلى كسب الوقت بالمجان وليس شراء الوقت كما يترجم المعلقون هذه العبارة عن الإنجليزية.
وحين يقول نتنياهو إن الأزمة الآن بينه وبين الفلسطينيين فقط، فذلك لكي يبلغ العالم بدءاً من الرئيس أوباما وإدارته بأن تفاهماً ما قد تم حول الاستيطان وأن الولايات المتحدة لحست أقوالها مع الاعتذار عن هذا التعبير الذي فرض نفسه.
* نقلا عن دار الخليج،،