-
8 - 12 - 2012, 12:09 AM
#11
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
--------------------------------------------------------------------------------
.. تابع
يبتعد الرجل، ويبقى صدى صوته، تقول، الليل يستر كل شيء عدا الأصوات، فهذه الذبذبات تتسرب إلى الآذان مع الهواء، فلو أن امرأة شهقت في عراء الليل، لأسمعت من به صمم.. تبتسم أنت، تعود أدراجك إلى السرير بعد شعورك بالتعب من الوقوف، تقفل الزجاج، وتسدل الستارة، تعدل الوسادة، تسند ظهرك، تتذكر سيجارة كنت قد خبأتها منذ فترة، شعرت بالشوق، إلى رائحة الدخان، على الرغم من أنك، لم تدمن التدخين، لكن في ساعة وله، تشتاق إلى الدخان، تفتح العلبة، وتأخذ سيجارة، تأخذ شهيقاً عميقاً، يتغلغل الدخان في رئتك، حتى تنتابك دوخة طفيفة ثم بعد استراحة قصيرة تستعيد أنفاسك. تمز مزة أخرى لكن بتأنِّ، وعيناك ملتصقتان في السقف.. عاودك السؤال، لماذا أراد أبو سيف أن يهول من شخص صاحبه.. أهو حقاً يستحق ذاك التهويل؟ وهل سيستطيع أن يقدم لي شرحاً وافياً عن هذه الساحرة.. تصمت قليلاً.. تأخذ مزة، ثم تخمد السيجارة في المنفضة، تنظف يدك من الرماد، تقول: كيف سيكون شكله، وجهه، هيئته، قامته، طويل أم قصير، سمين أم نحيف، قبيح أم جميل؟ وتقول: عادة ما يكون هؤلاء، أشبه بالأشباح، يكونون قبيحي المنظر، لأنهم، يهملون أنفسهم، ولكي يعطوا أنفسهم هيبة ومهابة، فإنهم يطيلون اللحى ويكثفون الشوارب، ويجحظون أعينهم ويكونون دوماً جاهمين، واجمين، عابسين، لا يبتسمون، إلا في حالات الضرورة، وإن ابتسموا فإنها تكون باهتة وجامدة. تقول: إذا كنت أنا، أوقن تمام اليقين، أن كل هذه التصرفات ليست إلا تهويمات وإيحاءات، وخدع بصرية، لا أساس لها في الواقع، تقول مرة أخرى: إذا كنت واثقاً بأنها خرافة فلماذا أتعمد البحث في تفاصيلها، وأجهد نفسي، وأعرض نفسي لمتاعب أنا في غنى عنها.. ثم تعود ثانية لتذكر نفسك بالبحث الذي نذرت نفسك من أجله.. لا.. لا بد من التعب، بل أشعر بيقين أنني سوف أقف عند نقاط مهمة، في مسألة أم داس، وعلاقتها بأمور كثيرة.. إذاً يجب أن أعود إلى صديقي في أقصر وقت، لأذهب بصحبته إلى ذلك الكاهن.. أريد أن أعرف سر هذا الرجل، كما أريد أن أتقصى السر الأكبر.. أم داس.. آه، تقول وأنت تتأوه: كم لعبت هذه الشيطانة اللئيمة، بالعقول، وكم أمرضت وأماتت.. أجل كانوا يموتون خوفاً لمجرد سماعهم صوت خشخشة من خلف الجدران، أو قبل ذلك، خلف جريد الخيام المتداعية.. الأطفال بالذات كانوا يتبولون في فراشهم.. تقول: أنا كذلك كنت أتبول، وأمي كانت تنهرني، وتمقت هذه العادة السيئة، لكني لم أذكر قط أنها أخبرت أبي بأمر هذا التبول.. تقول: بعض الأمهات عظيمات تستحق الواحدة منهن أن يبنى لها تمثال في شارع عام.. كانت تعرف أمي، لو علم أبي بالأمر، فإنه لن يستطيع فهمه على أنه تبول لا إرادي، لكنه سوف يشبعني ضرباً، ويوسعني زجراً ودون فائدة.. الآباء طبيعتهم الخشونة، والأمهات الليونة. لذلك، يحن الأبناء إلى الأمهات أكثر من الآباء..
تقول: يجب أن أنام، تحاول أن تطفئ النور، أطفأته، وسحبت الملاءة القطنية حتى غطت وجهك، تريد أن تغيب عن العالم، لا تريد أن ترى شيئاً. تعود منذ زمن، عند النوم لا بد أن تغطي وجهك، تقلبت كثيراً، نفخت متذمراً، النوم لا يأتي بالسهولة المعتادة لكثير من الناس.. تقول: الليل سبات، وراسي لا يسبت، ولا يخفت.. أحب اليقظة كثيراً، لكنني أيضاً أحب أن أرتاح.. يجب أن أرى أبا سيف غداً، وليس في استطاعتي تأجيل الأمر إلى يوم آخر..
تقول: لم أنم إلا ساعات قليلة، لم تتجاوز الثلاث ساعات.. نهضت مفزوعاً، أسناني تصطك، وركبتاي ترتجفان، وشفتاي ترتعشان، وجسدي كله أشبه بسمكة مقذوفة على الرمل، أحاول أن أمتلك لساني، أو أن أمسك بشيء ما جامد كي أخفف من الانتفاضة العارمة التي عمت جسدي، لم أستطع فعل أي شيء، كان الحلم مفزعاً، مرعباً، شكل جهنمي تراءى لي، على هيئة طائر ضخم، بمنقار طويل وحاد، رأيته يقترب من وجهي، ويرفرف بجناحيه العريضين، وكأنه يريد أن يخطفني.. حاولت أن أتحاشاه بيد أنه كان يطوق المكان أكثر مما يطوق بدني النحيف، احترت ماذا أفعل، لجأت إلى الملاءة، خبأت جسدي تحتها، خبأت وجهي، انكببت على وجهي، وغطست في بحر الوسادة القطنية، كان ينهق كالحمار، ولا يزغرد كالطيور، كان يحرحر كالوحش الضاري، يقف على ظهري، شعرت بثقله فقدت أنفاسي، صرخت دون جدوى، كان يصفعني بأحد جناحيه كي ألجم فمي، همدت ولم أتحرك، عيناه أشبه بجمرتين متقدتين، أنفاسه تخرج من جوفه ساخنة كالجحيم، مخالبه كمسامير الحديد، ماذا أفعل.. قلت لم أفعل شيئاً سوى أنني سكنت كالذبيحة على مقصلة الإعدام، وبانتظار ما سيسفر عنه هذا الغزو الغاشم، أسرفت في النحيب الداخلي، كطفل مختون، أكظم حنقي كي لا أستفزه بنظرات استجداء، لكنه لم يكن يأبه لمحاولاتي في استعطافه.. بعد مضي فترة، رأيت مجموعة من طيور أخرى، تهيم في فضاء الغرفة، وتصدر زمجرة مرعبة، أسمع صفقات أجنحتها العظيمة فأنكفئ مختبئاً في جلدي المقشعر لا أحد سواي في الغرفة وليس بجواري من أستعينه، لبثت متحيراً كي أستطيع التخلص من هذه الورطة.. بينما العدوان يزداد شراسة. بعد فترة وجيزة، تغيرت صورة الطائر الضخم، وبرز أمامي بهيئة كائن قبيح المنظر، يرتدي عباءة، يخرج من أطرافها شعر كثيف، يداه بطول قدميه، أو أقل بقليل، لكنهما تنفردان كجناح نسر جبلي، يقف عند رأسي، وتخرج من عينيه، شذرات من لظى وحميم، شفتاه غليظتان متدليتان، وأنفه ضخم، بحجم حبة الباذنجان، وجهه أسود فاحم، يحمل بإحدى يديه فأساً حديدية.. قلت عندما استيقظت صرت تبحث عن الشبح المرعب، تلفت كثيراً، بحثت عن نفسك قبل أن تبحث عن الصورة المفزعة.. عدت إلى الفراش، استلقيت، حاولت أن تسترجع المشهد المروع، وعيناك تغرقان بالدموع.. عدت إلى علم النفس.. حاول أن تفسر، أن تحلل، أن تصل إلى تيمة الحلم، وجدت نفسك تعاني من خوف شنيع لم يسعفك على التقصي.. فتحت الدرج، شعرت بحاجة إلى حرق أي شيء.. أشعلت السيجارة، دخنت، زممت العقب بعنف وبشراسة، وبمحبة أخذت الدخان إلى صدرك، سحبته امتلأت رئتاك جيداً، ثم زفرت، طردت الدخان بتنهيدة عميقة، كررت بانتظام أخذ الدخان، شعرت بأنك بحاجة إلى كأس شاي دافئ، لكن قدميك لا تحملانك، بعد الحلم، وبعد الاستيقاظ، ترهل جسدك برداً، ونزف العرق من مسامه، غزيراً، أسندت ظهرك إلى الوسادة، تأملت السقف وحلقت في فضاء الغرفة التي كانت ممتلئة، بالضجيج والصور، المخيفة.. قلت.. هذه سلبية من سلبيات الوحدة، العزلة قد تلهمك الهدوء والسكينة، لكنها لا تنقذك من أحلام الليل عندما تباغتك.. قلت لو أن امرأة حافية تنام هنا، لو أن امرأة تجاور جسدي الآن، لنهضت، وأعانتني بكأس شاي ساخن وأسعدتني بهدهداتها، وقبلاتها، وتمسيدها على جبيني..
تغمض عينيك على صورة مثلى لحلم اليقظة.. قلت، كم هي الفجوة واسعة، بين حلم النوم وحلم اليقظة.. الشيء الذي تستحبه النفس لا يأتيك، وأنت قد أرخيت أعصابك، واستسلمت لعدم النوم، أو الأشياء اليقظية حتى، كالوحش الضاري يداهمك، ليلاً، ليقضي على آخر رمق في حياة هدوئك..
تقول: أحياناً أشاطر أبا سيف رغبته الجامحة، في حب النساء، لأنهن كائنات نبيلة، عندما تكون بجوارك كأنها تنعش مسام الجسد، وتطرد الشياطين، وتقودك إلى نعيم الجنات الخالدات.. تصمت قليلاً.. تقول: ليس فـيّ ما يخيف وما هو إلا مجرد حلم.. ثم تستعيد ذاكرة مجونك.. لكن الحلم لا يأتي من فراغ.. الحلم وسيلة للتعبير عما يقطن في اللاشعور.. إذاً أتكون هذه هي أم داس، التي أبحث عن تاريخها ولم لا؟ قد تكون ولكن ما يهمني الآن أن أعرف الأشياء الغامضة عن هذه الشيطانة.. تتراءى لي مجرد رموز مبهمة، لا تعنيني في شيء.. أي حلم مرعب يمكن أن يجلب صوراً بهذه الهيئة.. والأحلام في كثير من الأحيان تتشابه، ثم تضيف.. لا ضرر.. عليّ أن أمتلك ناصية الشجاعة، وأمضي قدماً لعلي أكتشف أشياء لم تكن في خلد الآخرين.. لا شك في أن الرجل الذي تحدث عنه صديقي سوف يعينني على الفهم.. أنا أفكر في أن أجد حلاً لمعضلة الجهل الملازم للخرافة.. تتشجع.. تنهض، تذهب إلى مطبخك الصغير، وتصنع الشاي تعود إلى السرير، تضع الكأس على الكوميدينو، وأنت تلهج.. يجب أن أذهب اليوم، فلا أوان، للتأجيل..
…
تقول عنها صومعة، لما دخلت الصومعة، كان الصديق يرتدي بيجامة قطنية مخططة بالأزرق والأبيض، بياقة عريضة عقدت بزر عند أسفل الرقبة، استقبلك بود مشيعاً إياك بابتسامة لطيفة.. شعرت بالإحراج قليلاً لما لقيته من حفاوة الصديق، وبشاشة وجهه المشرق، بنداوة صباحية، اكتسحت محياه المزخرف بالفرح.. ويبدو أنه كان، يتحين فرصة مجيئك إلى منتجعه، بحضور الحسناء، هيفاء العود، لدنة البشرة..
قلت: ما اسمها؟
قال: اسألها..
قلت: ما اسمك يا جميلة..؟
قالت بصوت عذب.. ماسة..
أحسست بأنها تنام على صدرك وهي تنزل الجفن الناعس على مقلة شعت بنضارة الشباب الأنثوي اليافع..
تلعثمت.. انعقد لسانك.. كان لا بد أن تمضي في الحديث معها، حتى تكسر حاجز الصمت، وتهزم خجلك.. لكنك، شعرت بأن الكلمات تتيبس على شفتيك الناشفتين، حاول أن تستنجد بصديقك، بيد أنه بدهاء الأخ المجرب تلهى في صناعة الشاي، تاركاً إياك وحيداً في صلب المعركة الوجدانية تقاسي مرارة عجزك.. بينما كانت الحسناء تفتل خصلة شعرها، متلمظة رعونة الفتيات، ذوات الأصول الشيطانية العريقة. تتنحنح أنت، تلعق شفتيك المصفودتين بأغلال الوجل المريع، تتلفت بينما جلس الصديق يراقبك من بعد عن كثب ويرسل إشارات مبهمة إلى الحسناء التي اقتعدت مسنداً كملكة متوجة..
قلت في سرك.. بؤس الشرف الوضيع..
أيعجز أربعيني مثلك عن مداعبة حسناء صغيرة، ولو بكلمات تفضي عناق الصمت المريب؟ لماذا أتصلب هكذا كالمتهم؟ ولا أستطيع أن أنبس بكلمة تفتح باب حوار على أقل تقدير تنتشلني من وهدة الارتباك. قدم أبو سيف كأس الشاي، لك، وللحسناء، وأخذ كأسه، وانزوى قريباً من الحسناء.. قال مشاغباً مشاعرك: ما رأيك، في هذا الطير؟
ابتسمت أنت، ازدردت ريقك بصعوبة، قلت بلهجة مرتبكة، رائعة.. وصمت منتزعاً نفسك من خيط بؤسك ثم رفعت الكأس، متشبثاً به وكأنك تريد أن تفر من موقفك العصيب..
قال الصديق.. ماسة من أذربيجان.. مسلمة..
لم تفه بكلمة، لكنك قلت في نفسك، ونعم المنتج الإسلامي، عالي الجودة.. قطع الصديق حبل أفكارك.. قائلاً.. ماسة، خريجة علم البيولوجيا، جاءت إلى هنا في زيارة قصيرة، من أجل التعرف إلى حضارة بلادنا، تعرفت إليها صدفة في أحد المتاجر، وبسرعة فائقة تعمقت العلاقة.. نظرت إليه مستخفاً بكلامه، وهززت رأسك محيياً الفتاة، ورشفت من كأسك، وقلبك يخفق مضطرباً، وودت لو أنك لم تأتِ في هذا الوقت، أحسست بأنك جئت في الزمن الخطأ، كما تحث خطاك دائماً إلى الأماكن في الأوقات غير الملائمة..
قال الصديق: تقول إن لديها صديقات كثيرات في بلادنا، وهن يزرن بلادنا بين فترات متعاقبة، تمضي الواحدة منهن أسبوعين أو ثلاثاً، بعد أن تتبضع، وتملأ حقائبها بمشتريات نادراً ما يجدنها في بلادهن..
وخزك قلبك.. فهمت مغزى حديثه، لا بد أنه يريد أن يعلق شباكك بواحدة منهن، أو أنه يريد أن يفهمك ألا تضع عينيك على رفيقته. وتزيح عن كاهله، مغبة شكوكه.. قلت بلهجة جادة: بلادنا بخير بل وصارت مقصداً لجميع الشعوب.. هذه حسنة من حسنات الانفتاح، مع غض النظر عن السيئات التي لحقت بهذا الاكتساح الرهيب للقيم.. يهز رأسه برماً.. يقول: أي قيم يا سيدي، وعلى من هذه الترهات، نحن بحاجة إلى تحسين النسل، وإضافة محسنات بديعية، على أجساد نسائنا، ألا تجد في هذه الحسناء ما يثيب الذين انفتحوا، ويرفع عنهم وزر أخطائهم.. ويرشف من كأسه، متسلطاً، وبعجرفة يستطرد قائلاً: انظر إلى الهيئة البريئة، انظر إلى المكانة العالية لوجه يحترم الأصول الحضارية لشعوب ناضلت من أجل استقلال المرأة وحريتها..
تتمتم.. تقول في لهجة ضارعة: لكنهم أيضاً ضحية لبطش شعوب أخرى.. أليس كذلك؟
يقول محتجاً: لا.. لا تفكر بهذه الطريقة العشوائية.. الاستغلال شيء وممارسة الحياة بعفوية شيء آخر..
وكانت الحسناء، تستمع إلى الحوار بلا مبالاة، كونها لا تفهم اللغة العربية، ولكنها تستشعر من الحديث أنك لم تكن راضياً كل الرضا عن وجودها في حضرة الصديق، لذلك كانت تشبعك بنظرات استرابة على الرغم من ابتسامتها الباهتة المتربعة على خدين، ناصعين..
سألت الصديق: هل له أن يصحبك إلى الكاهن..
قال، متململاً: لا أعتقد أننا سنجده اليوم.. فقد جئت في اليوم الخاطئ، حيث إنه في كل يوم خميس يذهب لزيارة أهله في عمان..
أيقنت أنك لم تأتِ في الوقت المناسب، وأن حدسك لم يخنك عندما قلت إنك دائماً تأتي في الوقت الخطأ..
قلت: إذاً يجب أن أعود إلى حيث أتيت..
الصديق أمسك بيدك، راجياً قائلاً: انتظر حتى الغداء.. ثم يردف غامزاً ألم تعجبك هذه الجلسة الشاعرية..
قلت: لا شكراً.. دعني وشأني، سأذهب الآن وأعود في وقت آخر..
يقول: وقت آخر.. متى بالضبط؟
غداً.. أليس الوقت مناسباً..
يهز رأسه.. لا غداً لن نجده.. ألم أقل لك إنه ذهب إلى عمان، والرحلة إلى هذه البلاد تستغرق يومين، بمعنى أنه سوف يعود بعد غد..
حسناً.. بعد غد ستجدني في الوقت الملائم.. وكنت تنظر إلى الحسناء وكأنك توجه الحديث إليها، حيث إنه قال إنها سوف تغادر غداً إلى أذربيجان.. اصطحبك حتى ولوجك الفسحة الخارجية من المزرعة، وكان يضغط على يدك معتذراً، مودعاً بحرارة، وكنت تملص أصابعك من أصابعه، متخلصاً من الحرج، وسوء الطالع، والانكسار الذي داهمك، إثر عودتك، خاوي الوفاض، إلى جانب أنك كنت تتمنى تحاشي مثل هذه المواقف التي تعتبرها أوقاتاً عصيبة، تغرق بإحساس الضيم، بما يعقبه من تأنيب ضمير، وانشغال مشاعرك بآلام العجز.. ابتعدت عن محيط المزرعة، لكن صورة الحسناء تطاردك بنظرات الإذلال، ولا بد أن الصديق سوف يشرح للحسناء ظروف فرارك وأنت خالي اليدين، ولا بد أنه سوف يسبغك بأسوأ الأوصاف لينبري هو أمامها الفارس المحض، الصنديد الذي لا يساويه مخلوق.. أجل سيقول عنك ذلك، وهذه صفة الرجال الماجنين، عندما يكونون في حضرة النساء، اليافعات الناضحات بشهوة الحضارات القديمة، المعطرات، برغبات هائلة تنثال من أنوفهن المفتوحة على رائحة الجنس.. تمضي في الطريق، في اتجاه الشارع العام، تحت اللظى، ممتقع ممتحن، تخفي حثالة الكلام الذي سمعته، والذي سيقال عنك في غيبتك.. تفكر في صديقك الذي حنط المشاعر القديمة، واستبدلها بقائمة من العواطف البلاستيكية المهجنة، والمصفدة بشكل لا يدع مجالاً لانثنائها أمام أي موقف أو حالة من حالات الإحراج.. فكرت ملياً في هذا الصديق، الذي خرج من كومة ركام أخلاق. واعتلى تلة أخرى، ووقف على رأسها ليؤذن في الناس، مبشراً إياهم بميلاد عصر جديد.. زمن يختصر المراحل، كما يختزل القيم ليضعها في حفنة ضئيلة، وقميئة، لا تفرج إلا عن رغبة واحدة.. شهوة ذكورية عارمة، حازمة، حاسمة، كاسرة، في ذروة فجورها، وانهيالها باتجاه الأنثى.. أنثى الركوب، والسطوة الغامضة، وأنت في الحافلة، تمر على المحلات التجارية الصغيرة، المعقودة في صفوف متراصة، وكأنها في طابور مدرسي تمر على الأشجار المعمرة، البساتين، ولكن رأسك معلق في مشنقة الصديق، الذي فجر الكرة الأرضية في وجهك، ومنحك الرجوم والشظايا.. لم تكن مفاجأة أن تعرف أنه رجل نسائي بالدرجة الأولى، ولكن ربما لأنك، صعقت حين قارنت نفسك بالصديق.. ستأتي بين السماء والأرض، لا فرق بين رجل وآخر، في كل المواثيق، إلا أن الصفة الفارقة هي ما يفعله رجال، ويعجز عن فعله رجال آخرون، هكذا شعرت، وكأنك وقعت في قعر بئر سحيقة، طوتك الظلمة والوحشة، والشلل، حين حاولت أن تعالج عجزك، بكلمات مختصرة، فلم تعبأ بك تلك الحسناء، لأنها أنثى، والأناث ساحرات، في فهم معاني الرجال.. من أول وهلة، عرفت أنها تحتقرك، وتقلل من شأن حضورك، فلم تلق بالاً لوجودك، بل انشغلت في حساب الوقت ومتى ينتهي موعد زيارتك المشؤومة.. بقدر ما كنت تحب صديقك، بقدر ما كنت حملت ضده كرهاً، شعرت بأنها مصيدة لاختبار قدراتك، وفخ المراد منه، استعراض عضلات الصديق، الذي دائماً ما يتباهى، بمصائده الزاخرة بالصيد الثمين.. قلت.. ولكن، يجب أن أمرن نفسي على مثل هذه المواقف مادمت قد قررت الاستعانة به، للمعرفة..
يتبع ..
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى