-
8 - 12 - 2012, 12:16 AM
#11
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 51
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
تجلس على سطح صخرة، تتأمل البيوت الحجرية والطينية، المستندة على أضلاعها المتهالكة، والأزقة الصخرية تبدو لك كأفواه خنادق من زمن جلفار القديمة..
تقول: في هذا المكان قال أحد كبار السن إنه شاهد أم الدويس، تحمل فأساً عملاقة، وتسحق بها الجدران، التي تمر من حولها، تصدر صوتاً مرعباً، مدوياً، كانت تحاول أن تتكالب في الأماكن المهجورة، تلبد خلف الحفر الصخرية، ولما تلمح كائناً بشرياً، ذكراً أم أنثى، فإنها تزأر كالوحش، وأحياناً تتحرك بسرعة، لم يقل الرجل إنها فتكت بأحد، لكنه وصف هيئتها بأنها رهيبة، ومن يراها من الناس، كان يصاب بالشلل، كمن يعذب بصعقة كهربائية.. ويضيف الرجل العجوز أنه لما رأى أم الدويس، احتشد خنجره الذي كان يخبئه في حزام بطنه، واستعد لأي طارئ، لكنها لما سمعت بهدير صوته المجلجل، انسحبت نحو اتجاه آخر، واختفت. لا أدري إن كان صحيحاً ما كان يقوله، أم أنه من نسج خياله، فكبار السن كالأطفال، تتراءى لهم الخيالات كالواقع، ويصرون على أنها وقائع ولا بد من تصديقهم.. أنا الآن، في منتصف النهار، وهي لا تظهر في النهار، ولا أعلم إن كانت أم الدويس امرأة عملاقة وداهية بحق، فلماذا تختفي بالنهار، وتتمثل بالليل، أليس هذا جزءاً من أوهام الذين يرونها. سمعت صهيل الفتيات، التفت، مررن من حولك، كن قادمات من فوق، من جانب السفح الجبلي، من أبهة الفندق، هابطات كالنجوم السماوية، باتجاه المنحدر..
قلت: لسن من هنا.. بادرت بالنظر، تمعنت، أيقنت أن العيون الخضراء ليست منتجاً محلياً.. لا ضير العباءة، لباس شمولي، بل خيمة عالمية، تخبئ أجساداً، وتخفي أحلاماً.. استمرأت النظر إلى العابرات، الممطرة، ونثر قلبك بقطرات من نزف داخلي مكتوم، معصوم، من الانجراف، باتجاه غايات لا تستطيع ذكرها الآن..
نهضت صعدت ظهر صخرة، ثم نزلت ملأت قلبك بالشهيق، وعيناك ترصدان العراء البعيد، مجموعة من الحافلات تتجه نحو الفندق، رجالاً ونساءً، بحقائب صغيرة، تقع على الأكتاف. يهبطون بسلام من أدراج المركبات الفخمة، ويلجون باب الفندق الزجاجي، ثم يختفون في الردهات العميقة..
تستدعي أنت وعيك أو أنك تستدعي شيئاً من المخبوء، تتذكر هذا المكان، الذي لم يكن يسرد غير حكاية الضفدع الذي عض إصبع الطفل المشاغب، أو العقرب التي لدغت ساق امرأة، لاهية في قطع الأعشاب من أجل حيوان أليف ينتظرها في الحظيرة. أو قصة الرجل، الذي انقطع به حبل تسلق الجذع، فوقع صريعاً من قمة نخلة شاهقة..
اليوم، تخلع الصحراء نعليها، وتلبس حذاءً صقيلاً، بكعب ارتفاعه أكثر من عشرة سنتيمترات، وقمصان نسائية، مربوطة عند الصرة، لافتة النظرة إلى تضاريس بدت سهلة الاكتشاف من دون عناء، أو بناطيل محززة عند الردفين، لاصقة بالسيقان، إلى حد الاختناق..
تضحك.. تقول يبدو أنني أهذي.. ما هذه الهلوسات، المعربدة في رأسي، حتى بت أشعر بفوضى عارمة، تعشش في داخلي..
قلت يجب أن أعود، يجب أن أغادر المكان إن كنت سأظل أمارس الاستدعاء الهمجي لتفاصيل يجب أن تندثر..
عدت وجلست على الصخرة إياها، تأملت نزول وصعود الرجال والنساء، والحركة الدؤوبة، والجلبة التي أحدثت تواً، فجلجلت في عراء الجبل حتى بدا لك الأمر، أنها قيامة، عين خت.. أدركت الآن أنك محاط بعالم من الموتى، وآخر يتناسل وعياً مختفياً.. تمثلت لك المساحة الشاسعة، الممتدة، من الكثبان الرملية الذهبية حتى عيون الماء هذه، المحفورة في الزمن كنقش أسطوري، لا يختف باختفاء المريدين، بل إنه يزدان بعزلته بخزف، الصمت وخلود الأشياء الصامدة..
تشعر بآلام في قاع القدمين، إثر تشققات النعال الذي ترتديه، بهت لونه بعد أن لفته سحابة من الغبار المتلاطم على نسيجه البلاستيكي، تشعر بالتعب والإرهاق، كنت تود أن تزور صاحبك في المساء، لكنك عدلت عن رأيك، فكرت أن تؤجل الزيارة ليوم آخر، ولا تدري لماذا أوغرت العيون صدرك بالبؤس، لا تدري لماذا أنت مترع بأحزان تجاذبت فجأة، في صدرك..
قلت يجب أن أقطع المسافة نفسها مشياً على الأقدام، لا وجود لأي مركبة هنا تقلني إلى البيت، المكان يبدو كأنه محاط بأسلاك شائكة فلا تطؤه الحافلات غير الباصات التي تقل ضيوف الفندق.. تقذفك بعض سيارات النقل الكبيرة، بهديرها، وغبار عجلاتها، لكنها لا تفيدك في شيء، هذه المدرعات كتل حديدية، لا تجد فيها غير السائقين المنكوين بحرارة الحديد، المتقلب على نيران اللهب، سرت بخطوات متباطئة، قطعت مسافة، عند رأس الشارع توقفت، مرت حافلة الفندق، بيد أن سائقها ضغط على دواسة السرعة، وكأنه يريد أن يغيظك.. غضنت جبينك، ورمقته بنظرة ساخرة، قلت: لن أستجديك، قدماي أولى بحملي إلى حيث أريد.. مشيت، مفرطاً في التأوه، مشيت، وقاع قدميك، يفشي تململه، لقلبك، وقلبك ينز بالخفقات، وأنت تتجلد..
…
كان قرص الشمس يوشك على طمس أسراره، وينضوي في المجهول، وكنت أنت قد تلقفك السرير، واحتوتك الملاءة، وشهقات تعبك، تشق سكون الجدران، الوادعة.. حاولت أن تأخذ قسطاً من الراحة، ثم تستأنف نشاطك الليلي، المعتاد.. قراءة كتبك المتراكمة بجانب السرير..
يتبع ..
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى