.. تابع

تهز رأسك.. تتوقف وتشعل السيجارة، ثم تزفر الدخان يختلط بالضباب، تذوب أنت في تمازج اللونين، تقول: الأشياء الخرافية عندما تصبح واقعاً تبدو قميئة، ومزرية ومرعبة.. يتصور أن المزرعة ستجلب له السعادة، ويتخيل الذي يقطن في محيطها ينعم بالحياة الهانئة. وأنت تتسلق الأرض الحجرية، تغمرك الفكرة، معتمرا ضباب الصحراء، وكأنك تجوس في كون هلامي فياض، وتفيض بك الأرض، المفروشة بالصلابة، واختلاجات العشب، ونشيج الحيوانات الباحثة عن ثمرة الجنة..

مغامرة، قلت متحداً مع وجودك: مغامرة أن يتعرى داخلك، وسط مكونات الطبيعة التي تحللت من أردية الكون، المخادعة، وتصير في النهار تحت بياض الأرض، التي استقبلت أشعة الشمس اللاهبة باستسلام، وتلحفت بغشاء شفاف من العشب الصحراوي، الأشبه بشعر رأس رجل، أصلع إلا من شعيرات متناثرة عند قمة الجمجمة.. تقول إنك، خلي القلب وأنت تجوس الصحراء الواعدة، بعراء مهيب، تقول إنك شيء باهت من هذه الأشياء، الشاحبة، المعطرة بتواريخ مجهولة، وكأنها قطعة أثرية، بلا معنى.. الذين، استوطنوا هذه البقعة الجغرافية كانوا أبطالاً، بحق، بواسل إلى درجة التفاني من أجل إحياء رميم التراب، المتعافي من رهط الطبيعة القاسية، الصخور وحدها هنا التي تتلاقح عن يقين رغبة في البقاء، والصمود، بجرأة، كنساء هذا المكان اللاتي كن يخضن معارك البقاء، ويجلبن على رؤوسهن عطاء الأرض اليابسة من أجل لقمة تسد الرمق.. تتذكر الرجل، الذي أخذ أجرك وحملك مشكوراً بسيارته عندما تلمظ بشهوة يافعة وهو يسمع كلامك عن صديقك ومزرعته المترامية، في جغرافية المكان المتناهي إلى فحولته.. تتذكر رضابه الذي سأل، متوجعاً، متألماً من دون قناعة تذكر، وكذلك، تتذكر عمال الحفر، الذين يحلبون التراب ليجلبوا الحصى مختلطاً مع العرق، واللهاث المريع. تقول: يظل الوهم رغبة قابعة في الصدر، تمتد جذورها إلى ما لا نهاية، والخوف من الفناء، مساحة ضوئية، ضالعة في التأثير منذ الأبد. يسلبك التذكر، وأنت رحى تدور حصاتها دون توقف، تطحن دقيق القلب، وتنفض عرقاً، ثم تقدح الروح، بمسحل الحلم الفتاك، عندما داهمك أبو سيف بأفكاره الجديدة، امتعضت، ولم تتوسم فيه خيراً، لأن يقينك يقول: مادامت المرأة لم تزل تهيم بين أضلعه كالجرادة الجائعة، ويطعمها هو من نزيف نزواته بلا توقف، فلا داعي للوهم، ولا أمل في أن يخرج الرجل من شرنقة عبثيته التاريخية.. عندما نظرت إلى عذاب، ولمحت الشعاع الكينوني يفيض من مقلتيها، شعرت بأن الرجل لم يزل في غي السنوات العجاب، ولم يزل يستحم بعرق الشهقات السادية.. هذه المرأة العملاقة، تجرد مساميرها الحادة، لتنغرس في روحه، فتبقيه كما هو وإن حاول أن يتباهى بدنيوية جديدة مغايرة..

عند باب المزرعة، تقف، الوقت نصف النهار تقريباً، تنادي بصوت متعب، من حنجرة مضخمة بالبصاق.. تبصق أنت، ولا تدري، لماذا تقذف بصقتك بعنف، أهو تذمر، أم تمرد، بالفعل لا تدري، ولكن، شيء ما كتم على صدرك، وشعرت بالضجر يتسلل إلى صدرك. وتتصفد بالاختناق.. يأتي الخادم مسرعاً، يصفق ساقيه النحيلتين، السمراوين، المعفرتين بالغبار، وطين التعب، يقف أمامك ناظراً إليك بعينين ذليلتين، تشفق على حالته، تتضامن معه عاطفياً، تبتسم، ويشيعك بابتسامة باهتة.. تقول: لا أشك أبداً في أنه يكرهني في داخله، كما أنه يكره سيده..

فهو لا يحب أبا سيف.. الذين يجلسون في القاع، يحقدون على الذين يتربعون عند القمة، أياً كانوا، من يحرث الأرض بأظافره لا بد أن يرمق من يستخدمه بعين الشرر، فقد قال الشيخ ضاوي: إن أم الدويس لعنت زوجها وأرادت أن تنتقم منه لأنه فكر في اغتيال ابنائها، كونهم جاؤوا مشوهين.. الانتقام حيلة من يسقط تحت سياط الظلم..

استقبلك الصديق بترحاب جم، احتضنك، ولف ذراعيه حولك، في لقاء حميم.. وكذلك فعلت وأنت تشعر بالطمأنينة..

رغم المسافة التي تشق ندبها بينك وبين الصديق، إلا أنك تشعر بالسعادة، وتدخل إلى قلبك مشاعر هادئة، لما تجد نفسك في حضرة أبي سيف.. لم يحضر أحد عنده اليوم.. ازداد شعورك بالأمان، وهو يجلس قبالتك بملابسه الداخلية.. القميص القطني والإزار الأزرق المخطط بالأحمر والأبيض.. لم يسألك عن رغبتك، بل سارع على الفور ليعد الشاي الذي تفضله على الطعام والشراب.. ساورك الظن وأنت تتأمل هيئته الواجمة شيئاً ما، أنه قد تشاجر مع إحدى عشيقاته.. ولما قدم لك كأس الشاي، قلت متسائلاً: وجهك شاحب.. أتشعر بوعكة..

همهم ضاحكاً.. لا بالعكس، أنا في أتم العافية.. يبدو أن ضوء الشمس، الذي ضرب عينيك، بدل اللون الزاهي بالشاحب..

لكنك لم تغير رأيك.. صمت غير مقتنع بما يقوله، لكنك لم تبادر في مناقشته، فقد لا يعنيك الأمر كثيراً، في المجادلة حول قضية قد تبدو تافهة، المهم أنه يشعر بالعافية، حتى وإن كانت ظاهرية..

تتلفت.. تنظر في أركان الغرفة..

يفاجئك قائلاً: التي تبحث عنها سافرت إلى بلدها..

ترفع حاجبيك، وكأنك مشغول بشأنها.. سافرت.. لم..؟

يقول: وهل يهمك الأمر كثيراً..؟

تقول، متبجحاً: لا، بل مجرد استفهام..

يقول: هي في الأصل جاءت إلى هنا بتأشيرة زيارة..

تقول مازحاً: وأنت تصطاد كل اللاتي يأتين بتأشيرة زيارة كونهن يمثلن بضاعة طازجة لم تدنس بأيدي الغير.. أليس كذلك..

يهمهم.. مبتسماً.. لا.. أظن أنك تبالغ، هي الصدف التي تخلق مثل هذه اللقاءات، وكما تعرف صاحبك تمتع بمشاعر رقيقة ولا يهون عليه ترك عابري السبيل، بلا ملاذ..

مستفيداً من رابطة العلاقة التاريخية المديدة. تقول معنفاً إياه: ألا تجوز عن تصرفاتك الشنيعة: أيعقل أن تمرغ عمرك في الرغبات الطائشة..

يجلجل ضاحكاً.. قائلاً بعبارة تهكمية: أليست أفضل من أن أهيم في البراري بحثاً عن وهم، لا جدوى من نتائجه، سواء أكانت سلبية أم إيجابية..

تمتعض قليلاً.. تغضن حاجبيك، مبتئساً، قائلاً بلهجة جافة: الوهم الذي تتحدث عنه هو الحقيقة التي يجب أن نضعها نصب أعيننا، أنت لا تبالي بكل هذا لأنك مأخوذ بعلاقات جنسية عابرة، وتعيش هنا في برجك العاجي، متسكعاً بين أجساد النساء، وتضاريسهن التي تشبه بعضها..

يقول واجماً: لا تظن بصاحبك هذا الظن السيئ، أنا لست دونجوانياً، ولا أنا زير نساء، كل ما أفعله هو مجرد إسعاد نفسي والأخريات بقدر الإمكان..

تقول محتداً.. تسعد نفسك على حساب ضعف من لا حيلة لهن غير بيع لحومهن..

يلوح بأصبعه: لا يبعن لحومهن، بل يقدمنها طواعية وعن طيب خاطر.. ثم يستطرد: يا أخي، لماذا لا تريد أن تفهمني، أنا لست مستغلاً، ولا طاغية.. أنا إنسان طبيعي، وأشبهك في كثير من الصفات، فقط الأسلوب..أسلوبي الفج هو الذي يجعلك تنفر من تصرفاتي.. المرأة يا سيدي زينة الحياة الدنيا، المرأة التي تخشاها أنت، هي المحتوى والمضمون..

يرتعد بدنك.. تشعر بأنه، يقصم ظهرك، بكلمة «تخشاهن»، تشيعه بنظرة عتاب، تتفحصه.. وتشع من مقلتيك دمعة، حبيسة.. تقول بصوت متحشرج: أنا لا أخشى النساء، وإنما أتحاشاهن، لأنني أخاف من تلويث الذات..

يضرب كفاً بكف.. قائلاً بحسرة: تلويث الذات.. وهل هن كلاب..؟

قلت: لا.. لم أقصد ذلك، ولكن اللهاث خلف الجنس تلويث للفكرة التي أسعى إلى تحقيقها..

يقول برماً: يا أخي.. أتعبت نفسك، وأتعبتني.. ما هذه الفكرة الجهنمية التي تريد أن تفجرها في وجه العالم.. ألم تتعب من البحث أم أن علم النفس شوه الأشياء في عينيك إلى درجة أنك لم تعد قادراً على معرفة الحقيقة؟

تقول، منبجس القلب: علم النفس لم يشوهني كما تدعي، بل إنه فتح أمامي مجاهيل كثيرة، قد لا تعيها أنت..

يتدخل ضارعاً.. صدقني.. أنا أحبك كثيراً، وأتفق معك حول مفاهيم كثيرة، لكن كل ما أريده، أن تخرج قليلاً من هذه العتمة التي ورطت نفسك فيها، ثم يضغط على مخارج ألفاظه قائلاً بحدة: اخرج يا أخي.. اخرج..

تتورط أنت في حواره، تحاول أن تنسحب، تتقهقر قائلاً: اسكب لي كأساً ثانية..

يسكب، وعيناه تحملقان في وجهك، ثم يقول: لا تجزع، أعرف أن هذا الكلام يسري في صدرك مسرى السيوف الحادة، ولكني أردت فقط أن أمازحك..

تبرد قليلاً.. تفتل شاربيك، تتأمله، تفكر فيه، وأنت تعرف أنه يعيش حياته هنا، وفي صدره غليل النيران، ولم يختر منفاه هنا إلا لأنه رفض التعاطي مع الآخرين بالشكل الذي يريدونه، لكنه اختار أيضاً الطريق الخطأ.. تعرف أنه مثقف جليل، لكن إحباطه ألزمه العزلة الطوعية، ولأنه لم يعبأ، بالعقائد كثيراً، استحال إلى شخص ماجن، إنما سجيته ليست كذلك. قلت متسائلاً: ألم تقل لي إنك لفظت الماضي التليد الذي كنت جزءاً منه.. هل مازلت على العهد أم لا..؟

يخفض بصره، يزم شفتيه، ثم يرفع رأسه قائلاً.. صدقني أنا كائن آخر، أنا الآن أشعر وكأنني انسلخت من قوقعة ودخلت في رحاب واسع.. الفتاة التي مقتها، كانت سبباً في خروجي من الظلمة إلى النور.. أنا الآن، أشع بنور وضياء لا تتصور مدى حجمه وتأثيره في نفسي..

شعرت بالفرح.. قلت: ولم إذاً تجادلني..؟

قال في اهتمام بالغ.. لكن يجب أن تفهم، الخرافة التي تعتني بها، أنا لست مقتنعاً بها، ولن أقتنع..

عندما حلف لك بألا تغادر مكانك لتبقى معه هذه الليلة، انتابك شعور بالفرح، حاولت أن تتملص مجاملة، لكنك، تحت وصاية إصراره، أحسست بأنه يستجيب لرغبة داخلية، لديك، فنزعت القندورة، والمعصم، وقذفت بالعقال أيضاً، واسترخيت.. لازمك شعور بأنك لتمضي ليلة شاعرية، في خميلة صاحبك، وزقزقة العصافير، الحالمة بحثاً عن ملاذاتها، وحفيف الأوراق، المشاغبة وهي تترنم، بأيقونة الوجود الكلي.. تقول: إن الأشجار والأحجار، والأرض والكائنات الحية الأخرى، تتوحد ليلاً، تنسجم، وتعود إلى جبلتها الأولى، وتفتح الأرض، دفاتر التاريخ تتلو صفحاته على كائناتها التي تكونت من نفس معادنها.. في الليل، تتستر أشياء وتشهق أشياء، ويسيل رحيق الحياة، على ترائب الأرض المخلدة وتتذكر الأشجار، أشجار الغاف بالذات، يد قاطعي أغصانها، وحارقي حطبها، وكذلك همسات النساء اللاتي اختلين بعشاقهن، ساعة غفلة من الملأ، والطيور، تبدو حارسة، مجلجلة، متلجلجة وهي تسبح في الفضاء، تتبعها عيون النجوم المشعة، والناس بعضهم من غط وبعضهم ربما يبدأ سهرته في الساعات المتأخرة من الليل، لا متأملاً، ولكنه متزمل بما طوقته به دنيانا المليئة بالأحداث والتصاريف المحزنة..

جلست وطلبت من صاحبك أن يسقيك شاياً.. في هذه الليلة سيكون هو الخادم، النادل، والساقي الذي لا يكف عن إروائك بالسائل الأحمر الذي تحبه..

تقول إنك، انشغلت بكلام أبي سيف، ولمحت في عينيه بريقاً، يخطفك إلى أماكن بعيدة، وشاهقة، رشيقة، قلت لا يمكن أن ينبع من هذا المعدن إلا ما هو نفيس، أبو سيف حتى وإن كان نزقاً، إلا أنه ينتمي إلى فكرة سامية، وراقية، وهذا ما يجعلني أحبه، وأحس بالدفء وأنا أقابله، ولا أستطيع أن أقول إنني أحب هذه الأماكن الموحشة، كما يحبها هو، لكني أحببتها فعلاً، كونه يقطن فيها..

أبو سيف، صديق عمر، تربينا معاً، في الطفولة، وأيام الدراسة المدرسية، وفي الجامعة أيضاً، لكنه اختار الدراسة الجامدة، العلمية، ولم يكن، يعبأ بالنظري، بل كان يقول، هذه دراسات لا تؤكل عيشاً.. كان يضحك مني عندما يجدني أحتضن كتاباً في الفلسفة، ويسخر قائلاً: نعم يا فيلسوف زمانك، إلى ماذا توصلت.. أتريد أن تخترع نظرية جديدة في الكون؟ أتريد أن تفجر العالم باكتشاف جديد غير الذي جاء به داروين.. ويضيف.. بالتأكيد، ستقول إن أصل الإنسان، حمار، لأنه ليس لدينا هنا قرود، إنما الحمير تملأ الصحارى، وكذلك البيوت، ثم يجلجل ضاحكاً، لم أكن آخذ كلامه على محمل الجد.. لم أكن أمتعض منه، لأنني أحبه وهو أيضاً يشاكسني لمجرد إثارة جو من المتعة..

وتقول، ما يحزنني الآن هو هذه المسحة الغامقة من الحزن، التي تشوب وجهه، على الرغم من أنه يحاول أن يغطي ذلك بالابتسامات الباهتة، والنكات أحياناً، إلا أن نبرة الصوت التي أسمعها، لا تخرج من صدر منشرح، بل تندفع، كالحميم من جوف يختزن آهات وأنات.. تشرب الشاي، ويجلس أبو سيف قبالتك، يشيعك بنظرات ترحيبية، وأنت سعيد بجبوره، سعيد بقضاء ليلة بعيداً عن تلك الغرفة، الصامتة الجامدة، صحيح تشعر بوله، وشيء من الغربة الداخلية، لكن أحياناً.. تقول: إن هذا الإحساس يشيع لذة في النفس، كما هو الألم.. تستدرك: طبعاً أنا لست مازوخياً، ولكن طبيعة بشرية تتخللها أحياناً بعض التناقضات، والغرائبية..

يقول صاحبك: اشرب الشاي، وتكلم معي.. لا تنشغل بالشاي وتدعني أنظر إليك، كما ينظر الإنسان إلى تمثال حجري..

تضحك.. تقول: أحياناً الصمت أبلغ من الكلام، الصمت فلسفة الناس الذين ينظرون إلى الحياة نظرة عمق..

لم يتضايق، لكنه هز رأسه، بتململ مصطنع.. قائلاً: يا أخي، أوجعت رأسك ورأسي بهذه الفلسفة، ثم يستطرد: إن لبدنك عليك حقاً.. أعط هذا الرأس فترة من الراحة، فكر قليلاً كما يفكر الآخرون بسذاجة.. أحياناً السذاجة تكون فلسفة، لكنها فلسفة الناس الأبرياء العفويين، الأنقياء، الذين لم تشوههم النظريات المعقدة..



يتبع ..