-
8 - 12 - 2012, 12:30 AM
#13
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
--------------------------------------------------------------------------------
.. تابع
وتضيف.. أن أمك، قالت لك: إن الرجل الممسوس شوهد في مرة يجلس على الشاطئ وبيده سمكة، نافقة، كان يقطعها بأسنانه إرباً، ويمزق أحشاءها ويستخرج المصارين، يمضغها كما يمضغ اللبان، ويلعق الدم، ويضحك ضحكات هستيرية مريبة، ما أيأس ذويه من شفائه، فترك هكذا هائماً على وجهه، ضائعاً، تائهاً حتى قضى نحبه، حيث عثر عليه في يوم، وقد نام نومته الأخيرة، تحت جدار بيت السركال.. وعلى الرغم من حزن، أهله على فراقه، إلا أنهم استراحوا من لعنة الضمير وهم يرون الرجل، الرزين الشهم، يقع فريسة لعاشقة مهووسة، باختطاف أروع رجال القرية..
تقول.. إنك كنت تشعر بالبؤس، وأنت تصغي بإمعان إلى حديث أمك، التي كانت تلفظ الكلمات بانفعال بالغ، وتلعن الجن، وتقول إنها كانت تحذر الآخرين من الاقتراب من بيت الجنية، على الرغم من إطراء الآخرين ونعتها بالوداعة والسكينة..
تقول الآن، وأنت تقف مقابل هذا البيت، تستدعي الصورة، وتعيد شريط الذاكرة، من جديد، وبالفعل فإنك ترى الجنية كما وصفتها أمك، وترى الرجل المسلوب وقد وقعت الجنية في غرامه، وتراه وهو يتشرد على الشطآن، وبين الأزقة، ضائعاً، متهالكاً، متفانياً من أجل إرضاء الجنية.. تنظر إلى القبة العالية، بأعمدتها الطينية، والسقف المسقوف من سعف النخل وجذوع شجر الساج.. هذه القبة الهوائية العريقة كانت تستخدم كمكيف هوائي، في الصيف، أما في الشتاء، فيترك خاوياً، ليأوى سكان المنزل في الحجرات السفلية، الدافئة.. تقترب من الباب الخشبي المهشم، وقد تخلعت ضلوعه، وصارت أشلاء.. تنظر من خلال الشقوق والحفر في الباب إلى جوف المنزل، الفناء لم يزل كما هو فسيح، تتراكم فيه الرمال الصفراء، مختلطة بالفضلات وبقايا ما تلفظه البيوت المجاورة، وبعض مخلفات ألعاب أطفال، وإطارات سيارات تالفة.. تقول، في هذا الفناء، كان يسكن الخوف، ذهب الخائفون، لكن الخوف لم يفنَ، وقد يكون ذهب وراءهم، ملاحقاً أفئدتهم، وقد يكونون استبدلوه بخوف آخر، المهم في الأمر، أن يظلوا خائفين.. فكرت أن تدخل، حاولت أن تلج، أدخلت قدماً، ثم تقهقرت، تذكرت كلام أمك فنأيت بنفسك، تأففت من المداهم الغريب، الذي يهاجمك على حين غرة، يطاردك من حيث لا تدري، تقول، إنك لم ترَ الجنية، لم تعاصرها، لماذا تخاف من شيء لم تره.. تتأفف، ثم تضحك ساخراً، ثم تستدرك قائلاً: قد لا تكون هناك الآن جنية، أو أي أثر لها، لكن ماذا يمنع أن يختبئ لص، أو قاتل أو مغتصب. من يدري، فهذا البيت أصبح مشاعاً، ولا رقيب ولا حسيب، إذاً فالخطر موجود، ولذلك لا بد من الحذر، لا أعني الخوف، لكن الاحتراس من شيء مجهول ليس عيباً.. تتوارى قليلاً خلف الجدران، حيث شع نور مصباح سيارة قادم من جهة مقابلة، خشيت من المساءلة، فضول الناس قد يجعلهم يسألون: ماذا يفعل هذا الرجل هنا في هذه الساعة من الليل؟ وقد يتوقف صاحب السيارة ويترجل نحوي، ثم يصوب نحوي زخات من الأسئلة التي قد توحي بأنني على وشك ارتكاب جريمة وأنه ضبطني متلبساً.. من يدري قد يدعي ذلك لمجرد إظهار الفوز بغنيمة، الكثير من المظالم تحصل هكذا لمجرد الاشتباه، وحتى تثبت البراءة، تكون الفضيحة قد جلجلت وتوغلت، واشتعلت وصرت أنا الضحية التي لم تجد مشنقة الاتهامات الظالمة.. تختبئ، تمر السيارة، ويتلاشى ضوؤها، مطوياً بثوب المسافة التي قطعتها السيارة، تعود ثانية، تتلصص، تبحلق في المكان، وعيناك ترصدان الشارع جيداً، وقد يقول أحدهم، إنك جئت هنا لترتكب جريمة اغتصاب. وقد يصفدون يديك، ويلبثون يبحثون عن الضحية، وإن لم يجدوا شيئاً، ويطلقون سبيلك، سيشاع في الصباح الباكر، أنك شوهدت في مكان مشبوه، وسوف تحاك الحكايات، وتنسج النساء أثواباً من خيوط حكايتك، وسوف تصبح شخصاً شائهاً، ملوثاً..
تقول.. لماذا أفكر كل هذا التفكير، وأحيط نفسي بهالة سوداوية، مقيتة، وكأنني بالفعل ارتكبت جريمة أو أنني صاحب سوابق.. وتقول، إنني عندما أتعمق في مثل هذه الأوهام، أشعر بأنها حقيقة ويكاد الشك يقطن قلبي، وأظن بالفعل أنني مشوه.. الظن.. أمي كانت تبني قصتها على الظن، وسماع كلام الناس، أنا الآن أتهيب من ظنوني، وأظن أن بعض ظني يقين، وأن يقيني مستلهم من قصص سابقة.. تبتعد عن البيت العتيق قليلاً، تخطو خطوات، تقف عند الرصيف الأسمنتي، المسيج بحزام حديدي، تهالكت بعض أجزائه، كما تآكل الأسمنت المرصوف على جانب الشارع الأسفلتي.. ترفع جسدك قليلاً، وتتكئ على الحزام الحديدي، مسنداً ظهرك على الفراغ، تغرس النظر في البيت، تنظر إلى النوافذ الخشبية، المحروسة بقضبان حديدية، دقيقة ويبدو أنها نحلت بفعل الصدأ، بعض النوافذ خلعت إزارها الخشبية، وبعضها بقيت كما هي مغلقة، شاحبة، بلا لون.. وكذلك الزخرفة الطينية، في ظهور الجدران، فقد انمحت معالمها، ولم يبقَ لها غير آثار باهتة، تتذكر لقد حدث هنا حادث أليم لصديق عزيز، ذهب الشاب الوسيم ضحية اصطدام مروع، وقد دارت حول الحادث حكايات، ولا أحد يعرف كيف حصل ذلك الحادث، على الرغم من أن الصديق كان مثقفاً، واعياً، مسالماً، وديعاً وداعة الكائنات النبيلة.. ولكن في النهاية، ذهب، وبقيت صورته مختزنة في ذاكرة الزمن.. تلتفت جانباً.. تقول كان هناك في ذاك البيت المجاور دكان صغير، كان التلاميذ الصغار يشترون منه الحلوى واللبان والبسكويت عند عودتهم من المدرسة المشتركة التي كانت تضم البنين والبنات.. تقول بنصف ريال حيث العملة، كانت بالريال، والذي يساوي الدرهم، بهذا المبلغ كان الأطفال يشترون ما يزيد على حاجتهم.. تصمت.. تقول: اختلف الوضع كثيراً، وانقلبت الأحوال.. ولا جدوى من الحلم، فلن تعود المياه إلى مجاريها.. بل إن المجاري أصبحت ضحلة، ملأى بفيروسات فتاكة.. تتذكر المدرسة، تتذكر جدرانها الأسمنتية التي لم تدهن بزيت أو صبغ.. تتذكر الحر اللاهب، ورائحة الأنفاس الساخنة.
يتبع ..
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى