.. تابع

واصل القارب هديره، تحت جنح السكون، ووحشة الماء المهتدج، واصلت أنت الضغط على الأدراج، متحملاً، متجملاً، متجلداً، قابعاً تحت جلدك، كأنك الكائن، المتوجس، من هجمة ضارية.. والقارب يخب في الرمال السائلة، يغوص في أحشاء الموج، ويطفو في تحدٍّ لا نظير له، وعلى جانبي القارب تمر سفن الصيد، ومراكب التجارة، وأصوات تتهاوى من حناجر متعبة، تبدو كالرعد القادم، من تحت جلد سحابات داكنة، تشعر بالطمأنينة أحياناً، ولكن لما يتنحنح القارب إثر سعال يداهمه، بفعل انهمار الماء تحت هيئته المتآكلة، ينتابك الفزع، ويرتفع سعار الدوار، تفكر في الاستجداء لكن الصياد الغامض، يغمض عينيه، ويشيح في وجوم، وكأنه يتحداك، أو كأنه يتوخى منك مزيداً من المقاومة، أو الاستسلام، ثم يتلوه احتجاجه ونقمته التي تعرف جيداً حين قالها.. لكنك تصبر لتكبر في عينيه، تتضخم، لأجل أن تصبح فيلسوفاً بحق، يبحث عن الحقيقة الضائعة في أحشاء الغموض.. القارب، يرخي خطماً في جوف الماء، كأنه بعير ظامئ، ثم يرفع بوزه بأنفة المناضلين الصامدين، في مواجهة العدو اللدود.. غرق المكان في ظلام دامس، وغرقت أنت في أوهامك، فالامتداد الواسع، يشعرك وكأنك ذاهب إلى المجهول، بالفعل شعرت بأنك تهوي إلى سحيق غامض، لا فرار فيه، ازداد توعكك، وازددت اضطراباً بعد ما شحنت معدتك بمسامير الألم، انكببت على ركبتيك، وانخفض رأسك، تقيأت، أفرغت كل ما في أحشائك، وشهقت، يا الله، ولكن جعبة الصياد لم تبدِ تعباً، والقارب يثب كالقط فوق جبال الموج، يتوحش أكثر، يقاوم أكثر، والبحر يزبد ويرعد أكثر، والزرقة تزداد عمقاً، ولا ضوء يبين في غضون الليل البهيم، بينما الصياد، يدندن، منتشياً، وأكسجين الرئتين يتنفس بين الضلوع البارزة كأنها أعواد الخيزران المنضودة، تنهار أنت، تستلقي على جانبك بلا هوادة، يلتفت إليك منزعجاً، غاضباً، قائلاً بصوت جهور: ألم أقل لك لن تستطيع معي صبراً..

فتقول، بصوت مخنوق: لا بلى، أنا لها، دعك مني، واستمر في اختراق مجهولك.. يبتسم ساخراً، ثم يشيح واجماً، ويدندن.. على مسافة ليست بقريبة، باحت بعض الأضواء الخافتة عن مضمونها، أسفرت بعض الشيء، فانتعشت أنت رغم تهالكك، تفانيت بجسارة، فأطرقت.. أتريد أن تذهب إلى هناك..

لم يجب، واستمر في الدندنة.. شعر بالضجر كونك أصبحت صاحباً لا يطاق، أو هكذا أسفرت نظرات الصياد إليك..

التزمت الصمت، حاولت أن تلجم مشاعرك، وأن تحتوي انزعاجك، بصلب دخان، عله يروض معدتك وتكتفي بما أفرغته من حثالة طعام عفن.. دخنت نفثت ثاني أكسيد الكربون، ومعه آهة وحسرة، لأنك لم تزل تغوص في المبهم، ولم يزل الصياد يمنحك وجهاً غامضاً، ومشاعر مختلطة بين الحب والكراهية.. ورغم كل ذلك، فإنك لم تشعر بالقلق من غدر ما أو خيانة.. وقلت في نفسك، وما جدوى الخيانة بحق شخص تشبع من الخيانات حتى بات عملة فقدت الصلاحية.. والقارب يستمر في القفز على جبال الموج، يعلو وينخفض، يضرب ضرباته القاسية، صفحات الماء، ثم ينط فاراً إلى الأعلى، ثم متهاوياً إلى الأسفل، وأنت وحدك تفكر في الموئل الذي ستؤول إليه هذه الرحلة، المشؤومة.. وحدك تساورك المخيلة الغضة، تأكل قلبك، وتنهش من روحك، ولكن لا فرار الآن، ولا حيلة ولا تراجع، فالبحر قارة محاصرة، بالأبعاد الشاسعة، والفراغ الذي لا ينتهي إلا بلا نهايات قصوى.. أحياناً تشعر بأن كل ما فعلته ابتذال للفكرة، واستخفاف لا يستحق إلا هذه الرفقة اللعينة.. تشعر بأنها ورطة، لكنها قد تكون جميلة، قد تكون نهاية لمأساة، وذروة لسوداوية لازمتك منذ نعومة أظفارك.. تحاول أن تلملم شتاتك وتتجرع صبرك، على مضض لعلك تنهي السفر الطويل، والشاق، بمحطة تستريح من خلالها بعد تعب.. ويقينك يقول إنه لن يخيب الظن، بل إنه وجد ضالته فيك، ليريك ما لم تره، ليؤكد أنه السند الذي جاء من أجلك، ليتشابك معك في رخصة كونية، تفرج عن عقدة تكونت بفعل ضمير مستتر تقديره هم..

تقول إنك ذهلت عندما وصل القارب إلى البقعة المدهشة، ذهلت حاولت أن تتجلد صبراً، حاولت أن تغمض عينيك كي تخفف من وطء الصدمة، بينما نبهان وقف على مقربة من المكان، هذا المكان الذي أراد من خلاله كشف الحقيقة، هي الحقيقة ذاتها التي كنت تغوص في أحشائها المدلهمة، تحوم من حولها، تفكر فيها، تقلق من أجلها، تخاف، ترتعد فرائصك، تفقد النوم على أثرها..

قال في تهكم.. انظر.. انظر إلى هذا القبر.. نظرت، تفحصت الطين المتراكم، ثم قلت في دهشة: وما هذا؟

قال متذمراً: كما ترى.. طعام، وذهب وملابس، وكل ما ملكت أيدي الناس، تلقى هنا، بنفوس راضية، ثم تترك في الخلاء، الطعام تتناهشه الضواري، والأشياء الثمينة، تسطو عليها أيدي اللصوص.. والقليل منها، ما يبقى هنا شاهداً على المأساة..

ترفع حاجبيك دهشاً.. تقول: مأساة..

يهز رأسه، قائلاً: أجل مأساة، الحقيقة عندما تطمس تحت الرمل، وتدوسها الأقدام، ويبقى الإنسان هو الحشرة التائهة في جوف قنينة جهله وغلوائه..

اقتربت من نبهان، توسلت له بضراعة، قلت: ألا تريد أن تريح قلبي، لأفهم ما يجيش في خاطرك؟

قال: قلت لك، إنك لن تستطيع معي صبراً، قلت: إنك لا تريد أن تقطع الشك باليقين، بل كل ما تريده أن تبقى هائماً، ساهماً، مفعماً بالأسئلة البائسة، ولا إجابة غير العراء القاحل..

قلت: لماذا يتركون متاعهم بجانب القبر؟

قال: إنه ليس متاعهم، بل متاعه..

تقطب حاجبيك: متاعه هو، هذا الميت الراقد تحت التراب..

قال: أجل.. إنه متاعه..

قلت: وما الحكمة من كل ذلك؟

قال: لا حكمة.. إنها الفجيعة البشرية.. ألم تبحث أنت عن أم الدويس.. وتخشاها كذلك؟

قلت: أجل..

قال: هم كذلك، يخشونها، فيهربون إلى الفراغ، يهربون إلى القوة، يبحثون عن القوة، ويقتنعون بأنها هنا..

قلت: ومن هو الذي دفن هنا..

قال: لا أحد يعلم من هو، ولكنه قد يكون شخصاً ما، توخوا فيه القوة الخارقة التي تحميهم من خوفهم، والآن يطلقون عليه الولي.. ويسمون المكان.. القبر.. قبر الولي..

قلت: إنه ميت، وقد يكون ذاب تحت التراب، وتحللت عظامه، لتصبح طعاماً للديدان والحشرات والزواحف..

يتبع ..