![]()
يتفوق الإحساس بالشيء ومدى التآلف معه على المعارف أحياناً.. وقد تتحول الخبرات أحياناً أخرى إلى علوم ومعارف سها شهود التاريخ عن تدوينها، فسقطت من حسبان الثقة لدى البعض.. بينما لا يزال البعض الآخر يعتمدها وينجح في توثيقها.
الفصول، أوقات تعرف إليها الأجداد.. وأتقنوا التماهي بها.. وقرؤوا انطباعاتها على اليابس والبحر.. والسماء، وتكيفوا مع متغيرات تلك الفصول، وطوّعوا خبراتهم بما يتلاءم مع سكونها وثورتها لينالوا قوي خيراتها.. ويتجنبوا الهزيل منها.. وبالرغم من بساطة معارف الأجداد إلا أنها انتصرت لهم.. وساهمت في تنظيم حياتهم، بدءاً بدخول كل موسم.. وامتداده، ونباتاته التي يلفظها على بره.. وكائناته التي تدب على الأرض وتسبح في مياهه.. فتلك شبكة من العلاقات تحكمها الفصول بدقة.
يقول الوالد فرج بطي المحيربي ـ رئيس جمعية الإمارات للغوص، إن دخول الفصول قديماً يتم حسابه بما يُسمى «الدر».. ويمتد إلى عشرة أيام، والفصل يتكون من عشرة درور، أي مئة يوم، ولكل در طقس مختلف، وعلامات دخوله تتحكم بها النجوم، فظهور نجم سهيل مثلاً، يؤذن بدخول الشتاء، ومغيبه ينذر بتمام الأربعين يوماً من الشتاء، وأشار إلى أن موسم الشتاء يبدأ بعد انتهاء 100 يوم من «الصفري»، وتكون الرياح في هذا الموسم «خواهر»، ما ينعكس على حالة البحر ويصبح هادئ الموج مع هبوب رياح خفيفة، ومع تمام الأربعين يبدأ «البطين» وهو جو بارد، ويشهد سقوط أمطار تنتفع منها الأرض والنخل لكنها لا تؤدي إلى ظهور الفقع.
ويضيف المحيربي: «دخل الشتاء هذا العام في الشهر الحادي عشر الميلادي «نوفمبر»، واليوم نحن في الأربعين منه»، وأوضح أن الشتاء هذا العام شهد سقوط الأمطار في العشرين منه أو ما يسمى «المربعانية»، وسقوط الأمطار في هذا الدر له ميّزات عدة أهمها ظهور نباتات طبيعية مثل «الفقع» والثمامة، ويمتاز الزرع بالقوة والنضج.
وبعد انتهاء الأربعين تدخل الخمسين، وفيها ينضج «طلع» النخيل، ويتم بعدها تلقيح أشجار النخيل، وعندها يكون الجو شتاءً معتدل الحرارة، ويستمر حتى الثمانين التي تشهد أحياناً هبوب رياح الشّمال شديدة البرودة، وتُعد الفاصل بين الشتاء والصيف وتنذر بدخوله، وهو الفصل الذي يسبق القيظ، وبعد دخول المئة منه ينتهي الشتاء ويدخل الصيف الذي يقابل الربيع في الحساب الحديث.
در «الحمسه»
بعد انتهاء الشتاء، يدخل الصيف.. ويبدأ در «الحمسه»، أي السلحفاة، ويضيف المحيربي: «وفي العشر الأوائل منه تبدأ السلاحف بالخروج من البحر وتتحسس الهدوء وتضع بيضها على البر، ويكون الجو هادئاً.. إلى جانب السلحفاة، يحفل هذا الموسم بتكاثر السمك والطيور والظباء، أما البحر فتهب عليه أهوية ورياح تجعله متقلباً، ثم تدخل العشرين من الصيف ويُطلق عليها «در النيسان»، وفيها يكون الطقس جميلاً جداً وتهطل فيه الأمطار.
تليها الثلاثون، تهب فيها أهوية وتهطل الأمطار، ويمتاز هذا الدر بهبوب رياح مختلفة الاتجاهات، مثل الكوس والغربي والسهيلي، وقد تصحبها عواصف، والبحر يكون عالي الموج هائجاً، وتحمل الثلاثين بين ثناياها هدايا غالية، ففي هذا الدر يثمر اللؤلؤ في المحار وينضج، وذلك بسبب سقوط الأمطار، فالمحار يعيش على الماء، والأسماك كذلك تتكاثر وتسمن، ويمتاز الموسم بغنى ثرواته وخيراته.
ومع انتهاء الثلاثين، يهدأ البحر ويستقر، ومع دخول الأربعين وحتى المائة من الصيف، يستمر الجو معتدل الحرارة هادئاً، وتُعد الثلاثين الأوائل من الصيف من أفضل الأوقات للذهاب في رحلات إلى البر، وفيه يحتفل الإيرانيون بعيد النيروز، وتقل في الثلاثين الأمراض، ويمتاز الجو بدفئه نهاراً واعتداله ليلاً، والبحر كذلك، يكون ملائماً للسباحة والصيد.
مصائد الأسماك
الأسماك أيضاً تعرف لغة الفصول، وتُصغي إليها، وتتفاعل معها.. يقول رئيس جمعية الإمارات للغوص: في هذا الوقت، كل أنواع السمك «سمين» وغني بالفوائد الغذائية المختلفة، ويستمر توافر الأسماك إلى أن تغيب الثريا، في الخامس من مايو.
وتحفظ الأسماك وفرة توازنها بين الصيف والشتاء، بحيث تفقد أنواع معينة فوائدها شتاءً بسبب تخلصها من البيض «الحبل» مثل القرفا والخبّاط والجش والحلوايوه، والعومه والهامور والسجل والقين واليريور، بينما تتخلص أسماك أخرى من بيضها في الصيف، مثل الشعري والصافي، وتصبح هزيلة وتفقد قيمتها الغذائية، ويُعد الشعري من أفضل أنواع الأسماك، لأنه يتغذى على المحار.
كما يتميز بتنوع طرق طهيه، إلى جانب الهامور الذي يمتاز بقيمته الغذائية العالية، والشعري والهامور متوفران بكثرة في مياه الدولة، سيما في الأعماق المقاربة للجزر، مثل زركوه وأرزنه وصير بونعير التي تتمتع بوجود أغنى مصائد للأسماك بسبب تضاريسها، ويقول المحيربي: «ولكن قلائل من يستطيعون الوصول إليها، لكونها تتطلب الخروج في رحلات طويلة، وقد استغنى العديد من الصيادين هذه الأيام عن هذه المصائد لبعدها.
إلى جانب ارتفاع سعر الديزل الذي حال بينهم وبين الوصول إلى تلك الجزر». ويذكر فرج المحيربي أنه مع غياب الثريا يبدأ «الصيّافه» ـ وهم البحاره ـ بالخروج في السنابيق «نوع من السفن تستخدم لأغراض الغوص والأسفار وطوله يقارب 150 قدما وتصل حمولته إلى 300 طن» في رحلات الغوص على اللؤلؤ التي تمتد إلى شهرين، يعودون بعدها ويستمر مكوثهم لعشرة أيام، يذهبون بعدها في رحلة غوص أخرى تسمى «غوص اللازم» تستمر لأربعة أشهر، يبحرون فيها إلى موانئ عدة، مثل الهند وإفريقيا ويتاجرون، ويعودون في شهر 10 وتسمى «القفال» أي انتهاء موسم الغوص.
سوق السمك
دعا المحيربي إلى ضرورة وجود رقابة على أسواق السمك في الدولة وسن قوانين تحد من التلاعب بالأسعار وجودة السمك، بحيث يتم ضبط المتلاعبين بالأسعار والمحتكرين للأسماك من الأجانب والدخلاء على المهنة، كما أكد ضرورة إشراف الصيادين المواطنين على الأسواق، وأن يتولوا مهنة التوزيع، حفاظاً على المهنة من التلاشي واحتراماً لحقوق أصحابها.
الشعري والهامور.. قيمة غذائية
تتواجد سمكة الشعري بكثرة قرب المرجان، وأيضا في القيعان العشبية، وتتغذى على الرخويات والديدان البحرية والأعشاب البحرية، وهي اسماك لاحمة ونباتية، ويتميز الشعري بلونه الفضي وبروز في فمه، وقدرته على العيش في بيئات قاسية. ويتم صيده بطرق مختلفة، منها القراقير والحدق، وهو من الأسماك المشهورة في الخليج العربي وله قيمة اقتصادية كبيرة، يحافظ على جودته لفترة طويلة في المجمدة، أما الهامور فيكثر في البحار العميقة، والمنحدرات والمناطق الصخرية، ويقال إن سمكة الهامور لا تموت بسهولة، ولهذا يتم ضربها على رأسها.





رد مع اقتباس