الجُزِْءْ الثَّآلِثْ عشَرِْ ..!ّ



إنَّهُمِْ ألقٌوآ الْقَبْضَ علىً رَسَآئِلِيِِّ فِيِّ عتمَةَ خزآنَتِيِِّ
وَِ مزَّقوآ آخرِْ قَصَآئِدِكَ إلَيّ وَِ احتَفَظُوآ بآخرِْ جٌوريَّآتِكَ إلَيّ ..!
إِنَّهُمِْ أيْقُنوآ أنَّنِيِِّ لَمِْ أنْسَكْ، أَنَّكَ لمِْ تبآرِحِْ ذآكرَتِيِِّ ، وَِ لكنَّ المَوْتَ سَرَقَكَ منِّيِِّ ..!





ذهبت للمعرض بمزاج متعكر هذا الصباح
حتى أنها لم تودع والدها و والدتها كعادتها كل صباح
ثم أنها لم تبتسم في وجوه الجالسين و الجالسات في المعرض.

جاءها خالد طارقاً الباب ، فسمحت له بالدخول
لكنها مثّلت الانشغال ، فلم تعره اهتماما بل تابعت عملها بهدوء

- السلام عليكم .. صباح الخير
- صباح النور ( قالتها بتملّل )
- أنا أعتذر عن إزعاجي لج في الليلة الماضية
- حصل خير
- اممم يعني اقدر اقول ان الفنانة فاطمة راضية عني ؟
- قول اللي تحبه
- انا اوعدج اني ما راح اضغط عليج فأمور الشغل
بس لإن اللجنة اتصلت فيني أمس و خبرتني أن بعد باجر بيفتتحون المعرض
و لازم يكون كل شي جاهز ، فما حبيت ان تصير امور لخبطة
- مو مشكلة .. راح اكون متواجدة وقت الافتتاح و كل شي بيكون تمام بإذن الله
- أكرر اعتذاري لج
- ما صار شي
- ما أحب أكون متطفّل ، بس أدري إنج كنتِ متوقعة إني أكلمج عن موضوع غير الشغل
أقصد موضوع الأشيا اللي اعرفها ..
- ..........( اكتفت بالنظر إليه نظرات حائرة )
- أوعدج راح أخبرج .. بس مو الحين .. في الوقت المناسب

ابتسمت له و ابتسم لها ثم ذهب

عادت الأمور إلى طبيعتها بين خالد و فاطمة
كانا ثنائيين رائعين في العمل ، الكل كان يمتدح عملهما المشترك
الذي يستغرق ساعات طويلة .. حتى أنهما أحياناً يظلآن معاً حتى المساء
لإنهاء معظم اللوحات و إضافة اللمسات الأخيرة للمعرض ، ليكون الافتتاح رائعاً
و كانا يضطران لتناول وجبات الفطور و الغداء في العمل .. معاً ..

فصار الوقت الذي تقضيه فاطمة في العمل مع خالد أكثر من الوقت الذي تقضيه في المنزل
و كان هو كذلك بالمثل .. إلا أنها كانت تعزي نفسها أنها أيام و تنتهي ثم تعود لطبيعة العمل
كانت فاطمة معجبة جداً بشخصية خالد ، و اسلوبه و أفكاره و حواره
اضافة الى ذوقه في اختيار الالوان و تنسيق اللوحات و المعرض
حتى اصبحت متابعة لأعماله و دواوينه و لوحاته و كل انجازاته

- آآه تعبت .. بس خلاص خلّصت أفكاري ما اروم
- يالكسولة يالله ما باقي الا شوي .. تبيني اغلبج ؟
- ما تروم تغلبني اصلاً
- عيل يالله قومي نشوف
- برتاح شوي
- عيل انا بعد برتاح .. ليش اكرف و انتي قاعدة
- ههههههه طيب ارتاح .. تشرب شي ؟
- اممم ماي
- طيب


ذهبت لإحضار زجاجتين من الماء
في حين كان خالد جالساً بالقرب من طاولتها
جذبه لون دفتر مميز ، كان الدفتر مغلفاً بالقماش الأخضر الفاتح
و عليه الكثير من الورود الوردية المرسومة بشكل مميز و أنيق
بالإضافة إلى اسمها المطرّز عليه " فاطمة بنت سعيد "

أمسك الدفتر
فتحه ، قلّبه
فكان أول ما سقط من الدفتر
مجموعة من وريقات الزهور المجففة و صورتين..!

الصورة الأولى : كانت صورة لمحمد و والدها و عبدالله
الصورة الثانية : كانت صورة رائعة لها
كانت ترتدي فستاناً باللون السماوي و تبتسم ابتسامتها الساحرة كالعادة
لكن للأسف ، قد رآها خالد في الصورة بدون غطاء يستر شعرها

قرأ بضع كلمات من دفترها
و أوقفته كلمات كتبتها :


إنَّهُمِْ ألقٌوآ الْقَبْضَ علىً رَسَآئِلِيِِّ فِيِّ عتمَةَ خزآنَتِيِِّ
وَِ مزَّقوآ آخرِْ قَصَآئِدِكَ إلَيّ وَِ احتَفَظُوآ بآخرِْ جٌوريَّآتِكَ إلَيّ ..!
إِنَّهُمِْ أيْقُنوآ أنَّنِيِِّ لَمِْ أنْسَكْ، أَنَّكَ لمِْ تبآرِحِْ ذآكرَتِيِِّ ، وَِ لكنَّ المَوْتَ سَرَقَكَ منِّيِِّ ..!



جاءت فاطمة في هذه اللحظة
- ما حصلت ماي بارد .. يبت ماي عاا...( و سقطت زجاجة الماء من يديها )

اقتربت منه . . نظرت إليه بنظرات دهشة و حيرة في الوقت ذاته
- أأنااا ما كنت ادري .. ما كان قصدي ، يعني كنت اشوف بس

- عطني الدفتر لو سمحت ( قالت بحدّة و غضب و هي تمد يدها )
لملم الورود التي سقطت من الدفتر و وضعها في الدفتر مجدداً
ثم قدمه لها و قال : و الله اسف .. هب قصدي

- ما اعتقد انك تحب حد يقرا او ياخذ شي يخصك بدون لا يستأذن

كرِهَ هذا الرد منها فقال بجرأة :
- يعني تسمين شوي كلمات و كم صورة خصوصيات ؟
يعني لمنو بتكون الكلمات الا لعبدالله و الصورة لج و له
بعدج متعلقة فواحد ميّت .. جنّه مافي رياييل بالدنيا غيره
نفس الياهل الصغير اللي يحب اللعبة الاولى و لما تخترب يتم يصيح عليها .


ردّت بجرأة ممآثلة لجرأته :
- هيييه صح هيه بعدني متعلقة فيه .. بعدني احبه .. بعده حبي الاول
و مثل ما تقول نفس الياهل .. و هالشي ما يخصّك


- هههههههههههههها و الله تضحكيني يا فاطمة
المشكلة انج ما عرفتي تحبين منو .. المشكلة ان حبّج كان
كله غلط فغلط عبدالله قصّ عليج .. عبدالله و لا شي ..

حليلج و الله ، صدق اشفق عليج و اشفق على راشد المسكين

قآلت بحيرة و عدم تصديق :
- انته شو تقول ؟ انته مينون ؟ عبدالله لا يمكن يقص علي
عبدالله يحبني ، و حبي له ما كان غلط .. ما اسمح لك تقول هالكلام


- تمّي على افكارج التافهة و على سذاجتج هاذي
- انته شو تعرف و تدس عني ؟ ( قالت بصوت مرتجف )


- انا و عبدالله كنا ربع الروح بالروح
نطلع مع بعض و نسافر مع بعض و نسولف مع بعض
كنا أكثر من أخوان .. حتى اللي يشوفنا يسألنا انتوا اخوان ؟
نضحك و نقول هيه .. كنا مخططين ان ما نفترق حتى لما نتزوج
و نخلي حريمنا يستوون ربع عشان نظل مع بعض ردينا البلاد بعد فترة ..
و طبعا كانت فترة طويلة .. انا قلت لعبدالله اني حاط بنيّة فبالي و ودي اتقدم لها
و انا حبيتها من اخلاقها و صفاتها و كنت اقول له كل شي عن البنية .. و كنت غبي
تفهمين شو يعني كنت غبي ؟

قلت له ان البنية بنت فلان و البنية حلوة و البنية ذكية و اني احبها
قلت له عن هواياتها عن عايلتها عن كل شي .. لين ما قال لي :
ياخي انته وايد ترمس عنها .. خلني اشوفها
انا وافقت لإني واثق انه أكثر من اخو و يتمنى لي الخير و خليته يشوفها
و تقدمت للبنت بعد فترة ... و ابوها للأسف ما وافق عليّ
تعرفين ليش ما وافق علي ؟


قآلت :- ليش ؟ ليش ما وافق عليك ؟

- لإني وقتها ما كان عندي بيت اسكنها لحالها رغم اني قلت له ان البيت
راح يكمل بعد كم شهر و يصير ننتقل له .. لكنه تحجج اني مو مكوّن نفسي
و ان البنت صغيرة !
انا خابت امالي .. و قلت مو مشكلة ..
ان شاء الله بكون نفسي بسرعة
و راح يخلّص البيت ..
خلال هالشهور قمت اضغط على العمال و ع المهندس و المقاول
عشان يخلصون البيت بسرعة ، و كنت اعطيهم فوق المبلغ اللي طلبوه
و فعلاً خلّص البيت .. فرحت .. لأ ما فرحت .. إلا طرت من الفرحة


قلت لأميه إني هالاسبوع بروح اخطب البنيّة
قالت لي : يا بوي دوّر غيرها
قلت لها : بس انا ابا هالبنيّة .. ما اريد غيرها
قالت لي : بس البنية انخطبت

فهاللحظة حسيت اني مينون . تخبّلت !
يعني معقولة عقب كل اللي سويته تروح من ايدي ؟
اتصلت فعبدالله ، عشان اشكي له الحال .. ما كان يرد علي
اتصلت و اتصلت .. بعد ما كان يرد علي لحد ما عرفت ان هالحقير
خذ الانسانة اللي حلمت فيها ... شفتي الخاين الحقييير شو سوى ؟


- لأ ، انته جذاااب ، تجذب علي .. عبدالله يحب الناس
عبدالله مخلص ، لا يمكن يسوي اللي قلت عنه ..
انته متلخبط ويا واحد ثاني ( هكذا صرخت في وجهه )


اقترب منها أكثر فصرخ في وجهها :
سمعيني زين .. انا شو يفيدني لو اني جذبت عليج ؟
انا ما اجذب عليج ، و هذا الصدق ، صدقتي صدقتي ، ما صدقتي لا تصدقين


- طيب .. كيف ؟ يعني عبدالله خطبني انا .. ما خطب غيري

- انا تقدمت لج قبله و انتي اللي كنتِ البنية اللي اباها
حتى لما انخطبتي ما هديتج ، كنت دايما أتابع اعمالج و لوحاتج
كنت وياج فكل لحظة .. بدون لا تحسّين


- انته مفروض تعذر عبدالله .. عبدالله كان مريض و في النهاية هو ربيعك

- المريض ما يجذب ع الناس .. المريض ما يخون الناس
هذا المريض جذب عليج .. و خان أعز ربعه
خلاج تحبينه و هو واثق انه راح يتركج بعدين ..
هه . انا و عبدالله كنا كل شي مع بعض .. حتى لما اخترنا الانسانة اللي بنرتبط بها
كان اختيارنا نفس الشي .. لكني كرهته كثر ما احترمته و عزّيته

- خالد .. انا ما كنت اعرف كل هذا
- لما مات استانست و زعلت في الوقت نفسه لإني كنت السبب في موته


شهقت فاطمة ..وضعت كفّها على فمها و قالت : انتــه ؟
انته كنت السبب في موت عبدالله ؟ ليييش ؟ ليش جذه سويت يا خالد ؟
انته دمّرت حياتي .. كيف تسوي جذي ؟ تعرف ان هذا غلط ؟


- و اللي سواه عبدالله مو غلط ؟ اللي سواه مو غلط ؟
و لا هو الملاك النقي فنظرج ؟


كانت هذه اللحظة بالنسبة لفاطمة أكبر من أن تصفها
أكبر من أن تحلل فيها الموقف .. أكبر من أن ترتب أفكارها
التي باتت مبعثرة .. أحسّت أنها كانت مخدوعة طوال تلك الفترة
أن كل شيء مضى بطريقة خطأ ، أو أنها اختارت الناس الخطأ ..

جمعت أغراضها بهدوء ، و هي تحاول أن تحبس دموعها
إلا أنها سقطت ، ضعُفت فاطمة ، اخذت تشهق بين الدمعة و الأخرى
كطفلة خائفة .. طفلة تحتاج لحضن يضمّها ، تحتاج لدميتها التي ضاعت
تحتاج لمن يطمئنها ، لمن يقول لها أن كل شيء لازال بخير .. ان كل شيء بخير

قالت بصوت مرتجف مختلط بالبكاء : التسامح شي ملازم لفطرتنا البشرية
نحن كلنا نضعف .. نمر بلحظات ضعف ، كلنا نغلط كلنا نميل للغلط
لكن لازم نسامح بعضنا .. نسامح الناس اللي كانوا جزء من حياتنا ..


مضت و هي تاركة خالد خلفها ..
ناداها : فاطمة .. فاطمة ..
لحقها : فاطمة دقيقة بس

لم تتوقف .. بل مضت في سيارتها و هي تبكي و ترتجف ..!


اعذروني على الأجزاء القصيرة .. بس جد مشغولة حدي
بإذن الله ما راح اقصّر معاكم و اضيف الاجزآء الباقية ..
اتمنى الاقي ارآئكم و تعليقاتكم حول هالجزء