عمود أفق آخر
كيْمياء قومية مَقْلوبة
دار الخليج
للكاتب : خيري منصور
ما سمعته قبل أيام قليلة من كاتب فرنسي طلب عدم ذكر اسمه لأسباب تخصّه، دفعني إلى أن أدير ظهري للمكتبة وأفتح الأبواب والنوافذ على مصاريعها لمشاهدة واقع عربي مجسّم بالعين المجردة، قال إن هناك كيمياء عجيبة حالت دون أن يصبح العرب قوة كونية فاعلة، لا على الصعيد السياسي والاقتصادي فقط، بل قبل ذلك كله على صعيد معرفي وثقافي، فالثلاثمائة مليون عربي ينطقون اللغة ذاتها ويرددون قصائد الشعراء أنفسهم من امرئ القيس إلى محمود درويش مروراً بالمتنبي، وهم يملكون ثروات مادية ومعنوية يحسدون عليها، ويعيشون على مواقع جيوبولتيكية يندر أن يوجد ما يماثلها، ولديهم من المناسبات القومية والتاريخية ما يجعلهم جميعاً يصابون بالقشعريرة أو يلتفتون فجأة كما تفعل الخيول الذكية المدربة إذا سمعت صوتاً يذكرها بالصهيل .
ولم أشك للحظة في أن هذا الكاتب يجاملنا كعرب أو يتزلف إلى قلوبنا بهذا الغزل الحضاري . لأنني سمعت من قبل اندريه ميكل وهو مستشرق فرنسي عشق العربية حتى إنه نظم قصائد يعتز بها بهذه اللغة، وقرأت ما قاله شيخ المستعربين الراحل جاك بيرك عن اللغة العربية، فهي كما يرى اللغة الوحيدة الممهورة برسالة انطولوجية، وقبل هؤلاء حسد العرب مثقفون بارزون في الغرب منهم ديفز وسبندر على المناجم التي يعيشون بالقرب من فوهاتها، وهناك شاعر اسمه ادمان يروي بأنه سمع ذات يوم شابين عربيين يتحدثان في مقهى ايطالي في روما وهو لا يعرف حرفاً من هذه اللغة، لكنه أحس كما اعترف بأنه يحسد الشعراء الذين ورثوا هذه الأبجدية الآسرة عن أسلافهم .
العالم إذا كان حسن النيّة يرانا أفضل بكثير مما نرى أنفسنا، فكيف استطعنا وبأية كيمياء أن نفرّط بكل هذه المقتنيات الغالية؟
وكيف تحولت الكيمياء إلى خيمياء حولت الزائد إلى ناقص والطويل إلى قصير والأعلى إلى الأدنى؟
إن ما جرى لنا ساهمنا نحن وبأيدينا بأسوأ ما فيه، لأننا صدقنا بأن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة، ولم تفلح خمسة عشر قرناً في تحريرنا من سجال بني كعب وبني أنف الناقة حول أيهما الأكرم والأشجع .
إن عبارة قد تكون عابرة توقفنا أحياناً لنتأمل موقع أقدامنا في هذه الدّوامات، فالكتب كما قال أرسطو هي أهم شيء في العالم لكن بعد الإنسان، وما يحدث الآن هو سجالات عقيمة ولا آخر لها عن واقع إما مُتخيّل أو مُترجم، فالواقع الحقيقي بكل حراكه ولحمه ودمه مسكوت عنه، وثمة ملايين العرب ممن لا يعرفون مساحة أوطانهم رغم إتقانهم لاستخدام الحواسيب كي يعرفوا كل شيء لا يخصّهم، وأمثال ذلك الكاتب الفرنسي، يروننا عن مسافة تتيح لهم ألا تتفلطح أنوفهم على اللوحة كما يقال، لهذا منهم من ينصفنا ومنهم من يغبطنا ومنهم من يحسدنا ومنهم من يشمت ويتلذذ بسادية لما حدث لنا .
إن هذه الكيمياء السوداء المضادة بحاجة إلى إعادة نظر، لأن هناك كيمياء أخرى أكثر أصالة منها قادرة على إفراز الأجمل والأقوى والأبهى من صلب هذا الواقع الذي تراكمت على سطحه البثور والحراشف .





رد مع اقتباس