عمود / لحظة حرية
مقال / لغة بين بين
للكاتب / حبيب الصايغ
* دار الخليج
لا هي عربية ولا أعجمية، وتنصهر في اللسان كاللسان، فاتحة بين حاضر الإنسان وغده طريق الفتوحات. ظاهرة مستترة، هادئة كالسكون ومستفزة كريح الشمال أواسط خريف لم يكن. أواسط خريف لا يكون. تتشرد في الليل بين النجوم، وعندما يطلع النهار يطلع على جميع الجهات والمخلوقات والأشياء واللغات ويتجاوزها هي، لا نسياناً، بل إمعاناً في استحضار ذاكرة الخراب.
لا هي قديمة ولا جديدة. سرابية وسرمدية، سر من رآها ومن تكلم بها، كأنما خلقت للغواية. كأنها عاشت العقود والقرون على أهبة الاستعداد في حالة انتظار واحتمالات. من التراب هي تصعد إلى الهواء، ومن الهواء إلى عوالم مقبلة ومدبرة، مرئية وغير مرئية، لكنها، في كل أحوالها، تتشظى في صفة المسافر. المسافر الذي لا يصل ولا يتعب.
لغة بين الحياة والموت. بين الشعر والنثر. بين فقدان الأمل والرجاء. بين الشرارة واللهب. بين المسؤولية والغفلة. بين كل بين وبين، وتتداول في آخر الزمان كرات النار مع لغات الكواكب البعيدة.
لغة كأنها لغة، لكنها في نأي المعاني جوهر كلام لم يقل بعد، ويحار المرء كيف تركها الشعراء والقراصنة القدامى، وكيف نسيها الخطباء والزعماء والأباطرة. كيف لم تعلق بألسنة أطفال الدهر كاللثغة.
لغة لا كاللغات، وهي لا تصلح للمخاطبة فقط، ولا للتفكير فقط. تصلح لوصف مسرات العمر أيضاً، وكذلك لمساعدة أطفال المجرات الأخرى على القفز بالمظلات.
لغة مراجيح الطفولة والكهولة. لغة البرق والتوت. لغة الشوق والذوق. لغة العتق. لغة لا قاموس لها ولا سقف، لكنها، خصوصاً، أوائل الشتاءات في المدن البعيدة عن البحر، تجمع دفاترها وتيجانها وآلاتها الموسيقية الوترية، وتذهب في الكشف حتى آخر العتمة.
وهي لغة النور. منذ كانت وهي تستدرج الشموس والأقمار والنيازك والشموع والمشاعل والمصابيح. منذ كانت وهي تحاصر الظلام وتمنع عنه الأغذية والأدوية والمؤونة والشراشف والقبعات.
لغة نعم، لكنها الأكثر قرباً وبعداً. الأكثر صلابة وليناً. الأكثر تماسكاً وانفراطاً. الأكثر فرحاً وحزناً. الأكثر اخضراراً وشحوباً. الأكثر التزاماً وانفلاتاً. الأكثر ثباتاً ودوراناً. الأكثر توهجاً وخموداً. الأكثر نشاطاً وخمولاً. الأكثر الأقل.
لا على سبيل هواية الجمع بين المتناقضات، تقترح العبارات وتوزع النقاط والحركات وعلامات الترقيم على أفئدة المارة وسلالهم.
في هذه اللغة لا تناقض ولا ترادف، وهي أميل إلى النفي والنهي. لغة بين بين هي، لكن لا على سبيل الاعتدال بل الاختلال.





رد مع اقتباس