وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

في الحقيقة، أخجلتني كلماتك
وأحد أسباب ذلك هو علمي بمدى تقصيري في المشاركات في الفترة الحالية

وكما أنني كنت أتمنى مشاركة الأعضاء الآخرين معنا

إن مشاركاتي ليست إلا القليل مما يمكن أن نقدمه للآخرين
فما نقدمه للآخرين نقدمه لله، عل ما نقوم به يكون حرزاً لنا يوم القيامة
ولعل ما نكتبه يكون لنا خير معين وإفادة للجميع

وأكرر لكم شكري وتقديري لما تقومون به من جهود كبيرة
أدام الله عطاءكم، وجزاكم كل خير

*****

(البخل والمكر والخديعة)


تعريف البخل
لغوياً: هو أن تضن بما عندك ولا تجود به.

وما نقصده هنا هو: كنز المال وجمعه، والإمساك به ومنعه وعدم إنفاقه في المباحات، فلا ينتفع به أحد.

إن البخل دليل على قلة العقل وسوء التدبير, وهو أصل لنقائص كثيرة ويدعو إلى خصال ذميمة, ولا يجتمع مع الإيمان بل من شأنه أن يهلك الإنسان ويدمر الأخلاق كما انه دليل على سوء الظن بالله عز وجل ويؤخر صاحبه ويبعده عن صفات الأنبياء والصالحين, فالبخيل محروم من الدنيا مؤاخذ في الآخرة, وهو مكروه من الله عز وجل مبغوض من الناس.



صفات البخيل وحاله
إن البخيل ينظر إلى المال على أنه كل شيء في حياته، فيكون جمع المال همه الأكبر، والحصول عليه هدفه الأسمى، نجده وكأنه يعيش في فلك الغنى والثراء، ومع ذلك تستبده الرغبة في الحصول على المزيد، ولكن دون أن يجني فائدة من عمله ذلك.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الظلم ظلُمات يومَ القيامة، وإيّاكم والفُحش، فإنَّ الله لا يُحبّ الفحش ولا التّفحّش، وإياكم والشُّحّ، فإنّ الشُّحَّ أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالبخل فبَخِلوا، وأمرهم بالفجور ففجَرُوا" [رواه أحمد وأبو داود].


وكما أن البخيل يحرم من نفسه التمتع بماله بالوجه الذي يرضي الله، قد يصل به الأمر أن يرى الناس عليه رث الملابس ويأكل الرديء من الطعام، هو يظلم نفسه بعيشه عيشة الكفاف والفقر المدقع ليس زهداً في الحياة وإنما لشدة حرصه على المال وخوفه عليه من النفاد، وحيث إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، وكما أن ما يصرفه في حق نفسه فهو له صدقة ويتقوى به على الطاعة والعبادة، فهو ببخله يضيع على نفسه الأجر من الله، بل ويحرم من الأجر العظيم لو أنفقه على أهله ومن في حاجته.

عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"ما مِنْ يومٍ يصبح العبادُ فيه إلا ملكان ينزلان فيقولُ أحدُهما: اللهم أعَطِ منفِقاً خَلَفاً، ويقول الآخرُ: اللهّم أعطِ ممْسِكاً تَلَفاً ".



ونستنتج من ذلك أن البخيل لا صاحب له، فإما أنه يخاف من الآخرين بأن يسألوه أن يعطيهم شيئاً منه، وإما أن المحيطين به كارهون له، فهو لا يبخل عليهم بماله فقط، بل يبخل عليهم أيضاً بالمشاعر، والكلمة الطيبة، يكون سيئ الطباع، حاد المزاج، لا يتأثر بما يصيب الآخرين ولا يتألم لآلامهم، نجده أنانياً، حاسداً للآخرين، وقد يصل به إلى بغضهم وكراهيتهم هو الآخر، كما أنه لا يؤدي حقوق الآخرين وقد ينكرها.

قد نجد من البخلاء أحياناً من يبني أحلاماً وهمية لمشاريع مستقبلية سرعان ما يبددها بوهم عدم كفايته من المال وحاجته إلى الاستزادة منه.



أسباب البخل
إن للبخل أسباباً كثيرة منها:
1- ضعف الإيمان واليقين بالله بأن يوجب عليه الإنفاق في أمور، ويغيب عنه أن الله سيعوضه ما أنفق، وأن هذا المال هو مال الله ولم يأت إلى الدُّنيا وبيده شيء منه.
2- الظلم والذي ينتج عنه تعطيل أو منع حقوق الآخرين.
3- ظنّه بأن ذلك من الذكاء وحسن تدبير.
4- خوفه من مجريات المستقبل، وما يمكن أن يصيبه من الفقر والحاجة.

5- قد تكون النشأة بين والدين بخيلين سبباً لتأثره بهذا السلوك الذميم.
6- عدم استشعار الحساب يوم القيامة، والعقوبة التي تنتظر من يمنع حقوق الآخرين.
قال تعالى:
{وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ} [آل عمران:180 7- عدم استشعاره للأجر المترتب على قيامه بأداء الحقوق للآخرين.
قال تعالى:
{وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [(39) سورة سبأ]



البخل منبع الأخلاق السيئة: المكر والخديعة
إن البخل يؤدي بالإنسان إلى دروب مظلمة متشعبة المسالك، من مسالك هذه الدروب المكر والخديعة، فيتتبع في سيره خطوات الشيطان، الذي لا يسعده شيء أكثر من وقوع الإنسان في شركه وحبائله، وحزنه وشقائه، فيجري ويلهث، ويبلي جسده ويدمي نفسه، مذهول عما يحيط به، غير مدرك بأضراره، وحين يقع في البلاء يئن وينتحب.

وحيث إن الشيطان لا يترك الإنسان حتى يوقع بينه وبين الآخرين، فيوسوس له بأن يكيد الدسائس لمن حوله ويمكر بهم، رغبة في الحصول على مبتغاه وتأمين ما وصلت إليه يداه، فيجد نفسه قد أحل الحرام وحرم الحلال، أسخط الله من ظلمه وأسخط الناس عليه، فبخله نار يكتوي بها البخيل نفسه وأقرب الناس إليه.



العلاج لمرض البخل
إن مخالطة ومجالسة أصحاب الكرم والمكارم قد تعين الإنسان على نبذ البخل وتجنب مساوئه وأضراره، حتى يتعود على عاداتهم، وقد يدرك حينها أن ما كان عليه من بخل خشية الفقر إنما هو طريق وهمي قد زينته له الشياطين بسراب بريق المال.

وقد نقول أيضاً أن من يتصف بالبخل عادة يكون غير مدرك للواقع وما يجري حوله، فلا ينظر إلا إلى المال والثروات، فينبغي لمن حوله ومن يعايش ما يحصل الأخذ بيده وإرشاده للطريق القويم والصراط المستقيم في الإنفاق وترشيده للوجه الذي يرضي الله.

وكما أنه من المهم حثه على أداء ما فرضه الله من أوجه البذل والعطاء كالزكاة والصدقات، وتذكيره بعقاب مانع الزكاة، وأهمية الصدقة في تفريج الكرب ودفع البلاء ونماء للمال وزيادة الخير، وعليه فليتذكر أنه ما من شيء ينفقه في سبيل الله فإن الله يخلفه ويضاعف له الثواب إن كان خالصاً لوجهه الكريم جل وعلا.

ويجب على كل واحد منا أن يتذكر باستمرار وطيلة حياته الدنيا, ولا يغفل عن ذلك ولو للحظة واحدة من الزمان أن "اليد العليا (التي تنفق في سبيل الله وتعطي الغير) خير من اليد السفلى (التي تأخذ) "كما أخبر بذلك رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وخير قدوة يتمثل بها الإنسان هو خير البرية وسيد الخلق، نبي الرحمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، لحديث ابن عباس عنه قال:
"كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلةٍ من رمضان فيُدارسه القرآن، فلرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود بالخير من الرِّيح المُرسَلة".


*****

أتمنى أن أكون قد وفقت بمداخلتي البسيطة

وأسأل الله أن يوفقنا دوماً لما فيه خير الناس ونيل رضا الله ومحبته


دمتم بحفظ الله ورعايته