الفصل الرابع
إثبات جريمة الزنا


المبحث الأول : الإقرار.

المطلب الأول : الإقرار وشروطه.

المطلب الثاني : نصاب الإقرار.

المطلب الثالث : الرجوع عن الإقرار.

المبحث الثاني : الحكم بشهادة أربع شهود.

المبحث الثالث : في حمل المرأة من غير زوج وأقوال الفقهاء في ذلك.

المبحث الرابع : في الحكم بعلم القاضي وأقوال الفقهاء في ذلك.

















الحكم بإقرار الزاني على نفسه :
تثبت جريمة الزنا بإقرار الزاني على نفسه بأنه ارتكب جريمة الزنا الموجبة للحد , وهي الجلد للبكر والرجم للمتزوج .

شروط الإقرار:
ويشترط في الإقرار ما يلي:
1- أن يكون الإقرار صحيحا وذلك بأن يصرح المقر أنه أدخل فرجه في فرج المرأة ؛ لأن لفظ الزنا مشترك يطلق على الذي يوجب الحد , ويطلق على الذي لا يوجب الحد , فيطلق الزنا على زنا الفرج بالإيلاج وهذا الذي يستوجب الحد كما يطلق على زنا النظر وزنا الفم وزنا اليد و المفاخذة , وهذه لا تستوجب الحد من رجم وجلد.
والمطلوب من القاضي أو الحاكم أن يتحقق من توافر شروط الجريمة المستوجبة للحد بالسؤال عن ماهية الجريمة وعن أهلية الجاني.
وأما الإقرار بحد مبهم لم يسم لا يحد عليه وتكفره الصلاة , فقد جاء رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال :" إني أصبت حدا فأقمه علي ولم يسأله , وحضرت الصلاة فصلى مع النبي , فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم , قام إليه الرجل فقال : إني أصبت حدا فأقم فيّ كتاب الله قال : أليس قد صليت معنا؟ قال نعم , قال : فإن الله قد غفر لك ذنبك أو حدك " أخرجه مسلم وغيره , مع مراعاة أن يستمر على إقراره حتى إقامة الحد عليه , فلو رجع عن إقراره بعد ذلك أو أثناء إقامة الحد فلا يقام عليه الحد .

2- أن يكون المقر بالغا عاقلا : فلو كان صغيرا أو مجنونا فلا يقام عليه الحد , لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " رفع القلم عن ثلاثة , عن الصغير حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق".

3- أن يكون المقر مختارا : فإن كان مكرها على الزنا فلا يقام عليه الحد عند جمهور الفقهاء , وعند آخرين يقام عليه الحد , لأن الإكراه في الزنا غير متصورا , إنما يكون الزنا عن رغبة وانتشار وشهوة , والقول بوجوب حد المكره لأبي حنيفة رحمه اللهوحجة الذين رأوا الإكراهعموم قوله صلى الله عليه وسلم " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " , فقال السيوطي في الجامع الصغير : } صحيح وخالفه غيره , وعن عبد الله ابن وائل عن أبيه أن امرأة استكرهت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد عنها الحد , والإكراه على الزنا أقل ما يقال فيه أنه شبهة والحد يدرأ بالشبهة وهو متجه {.

4- أن يكون المقر مما يتصور منه الزنا : فإذا كان مما لا يتصور منه الزنا كالمجبوب, فلا يقام عليه الحد وإن جاء معترفا بذلك , وكذلك المرأة الرتقاءوالقرناء فإنه يتعذر وطؤها لانسداد فرجها وعدم الإيلاج .
فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن يقتل رجلا فدخل عليه فوجده يغتسل ووجده مجبوبا فتركه وأقره الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك.

5- أن يكون المقر عالما بتحريم الزنا لا بعقوبة الزنا : فإذا لم يكن عالما بحرمة الزنا فلا يقام عليه الحد لأن الجهل بالحكم عذر لجاهله , ولا يشترط أن يكون عالما بالعقوبة وهي الحد , كمن يعيش في بادية بعيدة وحديث عهد بالإسلام أو قريب عهد بكفر , فقد كان ماعز بن مالك رضي الله عنه يعلم حرمة الزنا لكنه لم يعلم بعقوبة الزنا وهي الرجم , بل قيل له لن يقتله الرسول مع هذا أمر الرسول برجمه.
قال بهذا عامة أهل العلم , وفي مقدمتهم , عمر بن الخطاب , وعثمان بن عفان , وعلي بن أبي طالب , فقد كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا قال معترفا بالزنا : زنيت البارحة , ما علمت أن الله حرمه , فأجاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إن كان علم أن الله حرم الزنا فحدوه , وإن لم يكن يعلم فأعلموه , فإن عاد فارجموه.

6- أن يكون الإقرار نصابا , أي أن يتكرر الإقرار من المقر أربع مرات : وهذا مختلف فيه عند الفقهاء فمن الفقهاء من رأى ذلك كالحنفية وغيرهم , ومنهم من رأى الإقرار مرة واحدة كالشافعية وغيرهم .

نصاب الإقرار :
هو الاعتراف من الزاني أنه ارتكب جريمة الزنا التي تستوجب الحد , وقد ذهب الفقهاء إلى الأقوال التالية :

القول الأول :لا يثبت الإقرار إلا إذا كرر المقر إقراره أربع مرات بالزنا ولا يكتفي بإقرار واحد , ولو أقر بإقرار واحد لا يحد : إذ لا يثبت الحد , قال بهذا القول الإمام أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى والإمام أحمد بن حنبل.

مستند هذا القول:
1- حديث ماعز صح أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما اعترف ماعز في المرة الأولى أعرض عنه , ولو كان الاعتراف في المرة الأولى يوجب الحد لرجمه , ولكنه لم يفعل , بل استمع له حتى اعترف أربع مرات .

2- جاء في حديث ماعز قول الرسول صلى الله عليه وسلم إنك شهدت على نفسك أربع مرات , ولو كان الواحد مثل الأربع في إيجاب الحد كان هذا القول لغوا .

3- روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لماعز بعدما أقر ثلاث مرات : لو أقررت الرابعة لرجمك رسول الله .


4- عن بريدة الأسلمي قال : كنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نقول : لو لم يقر ماعز في الزنا أربع مرات ما رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

5- قياس الإقرار على الشهادة فكما أن حد الزنا لا يثبت بالشهادة إلا بأربعة شهود وكذلك الإقرار ينبغي أن يثبت بأربعة أقارير , والعلة السعي في كتمان هذه الفاحشة .

القول الثاني :الاعتراف مره واحده يثبت الحد ويوجب العقوبة , قال بهذا القول الإمام الشافعي والإمام مالك , وبهذا القول قال داود أبو ثور والطبري وجماعة.
ما استدل به أصحاب هذا القول:
1- قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأنيس : واغد يا أنيس إلى امرأة هذا , فإن اعترفت فارجمها , فاعترفت فرجمها .
وهذا يدل على أن المطلوب إقرارها بالزنا مرة واحدة , فأقرت مرة واحدة فرجمها , ولم يطلب منه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتكرر إقرارها أربع مرات حتى يقيم عليها الحد , وكذلك إقرار العسيف كان مرة واحدة .

2- وحادثة الغامدية التي جاءت تعترف بالزنا فرجمها بعد أن وضعت وفطمت ولدها ولم يشترط أربعة أقارير منها حتى يقيم عليها الحد .

3- وحادثة الجهنية التي جاءت معترفة بزناها , وأنها حامل , فلم يطلب منها الرسول صلى الله عليه وسلم أربعة أقارير , بل حكم برجمها بعد أن تضع , وكان كذلك .

4- واستدلوا أيضا بحديث ماعز لما جاء معترفا بالزنا , وطلب من الرسول أن يطهره لم يشترط عليه أن يقر أربع مرات .

5- لو كان شرطا لما وقع من رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافه , فقد حكم بالإقرار مرة واحدة .

الرجوع عن الإقرار :
حالات الرجوع عن الإقرار إما أن تكون قبل الحكم , وإما أن تكون أثناء تنفيذ الحكم على النحو التالي :
الحالة الأولى :
وهي الرجوع عن الإقرار بالزنا قبل الحكم : وهذه الحالة تكون عندما يأتي الزاني مقرا بالزنا لمرة واحدة والمطلوب أن يكرر اعترافه أربع مرات عند فريق من الفقهاء حتى يحكم عليه بعقوبة الزنا , فإذا اعترف مرة واحده ثم تراجع فلا يحكم عليه قال ابن القيم تعقيبا على حديث ماعز والغامدية , تضمنت هذه القضية رجم الثيب وأنه لا يرجم حتى يقر أربع مرات وأنه إذا أقر دون الأربع , لم يلزم بتكميل النصاب , بل للإمام أن يعرض عنه , ويعرض له بعد تكميل الإقرار, وقد استنبط رحمه الله هذا من إعراض الرسول صلى الله عليه وسلم عن ماعز حينما جاء معترفا في المرة الأولى وفي الثانية وفي الثالثة .
وجمهور الفقهاء على أنه إذا تراجع قبل الحكم عن إقراره لا يحد بعقوبة الزنا سواء كانت الجلد أو الرجم.
بل ذهب الفقهاء إلا استحباب إلا يذهب الزاني إلى الحاكم ويعترف , بل استحبوا له أن يتوب إلى الله ويستغفر الله فيتوب الله عليه .
لئن جاز سقوط الحد بالرجوع عن الإقرار أثناء إقامة الحد فلن يجوز قبله أولى.
الأدلة:
ويستدل هؤلاء بأن رجلا أقر عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالزنا , ثم رجع عنه فتركه وقال : لأن أترك حدا بالشبهة , أولى من أن قيم حدا بالشبهة , ووافق أبو بكر رضي الله عنه على مثل هذا , وليس لهما في الصحابة مخالف.

الحالة الثانية :
وهي الرجوع عن الإقرار بعد الحكم وأثناء التنفيذ .
للفقهاء في هذه الحالة قولان :
القول الأول:يسقط الحد ولا تقام العقوبة إذا تراجع المقر عن إقراره بعد الحكم وأثناء التنفيذ.
قال بهذا القول الإمام الشافعي والإمام أحمد وأبو حنيفة وفي رواية عن الإمام مالك والرجوع عنه يكون بالكلام كأن يكذب نفسه وينفي أنه زنا , وقد يكون بالهرب أثناء إقامة الحد , أو بأي صورة أخرى تدل على الرجوع.
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي :
1- قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ادرأوا الحدود بالشبهات"ورجوع المقر عن إقراره شبهة , لاحتمال صدقه في الرجوع عن الإنكار , ويحتمل أن يكون كاذبا فيه , فإن كان صادقا في الإنكار كان كاذبا في الإقرار وإن كان كاذبا في الإنكار كان صادقا في الإقرار فورث شبهة في ظهور الحد والحدود لا تستوفى عند الشبهة.

2- قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن تبع ماعز بن مالك الأسلمي رضي الله عنه الذي جاء معترفا بالزنا وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمه . فهرب فتبعوه حتى قتلوه :"هلا تركتموه , لعله أن يتوب فيتوب الله عليه".
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه , يدل على أن لرجوعه تأثيرا على إسقاط الحد , وإنه لو لم يكن لرجوعه تأثير لم يندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تركه بعد الأمر برجمه .

3- روي أن رجلا أقر عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالزنا ثم رجع عنه فتركه وقال عمر : لأن أترك حدا بالشبهة أولى من أن أقيم حدا بالشبهة .

4- الإجماع السكوتي : لقد أفتى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وحكما بأن رجوع المقر عن إقراره مسقط الحد , ولا يوجد مخالف لهما من الصحابة رضوان الله عليهم فكان ذلك إجماعا .

القول الثاني:إن الرجوع عن الإقرار بالزنا لا يسقط الحد وإذا تراجع أثناء إقامة الحد يكمل الحد سواء كان جلدا أو رجما .
قال بهذا القول الحسن البصري وسعيد بن جبير ومالك في إحدى الروايتين عنه وداود بن علي.
أدلة أصحاب هذا القول:
1- واستدل هؤلاء بقول الرسول الله صلى الله عليه وسلم :" من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله , فإنه من يبدي لنا صفحته نقم حد الله عليه ".
فهذا الحديث يدل على الحد إذا ثبت عند الحاكم وجب إقامته ولا يقبل رجوعه عن إقراره , إذ لا تأثير للرجوع عن إقامة الحد .

2- وقالوا أيضا : الحد حق لله تبارك وتعالى ثبت بإقرار الجاني فوجب ألا يسقط برجوعه قياسا على حقوق الآدميين , فلو أقر المدين بدين لدائن عليه ثم رجع عن إقرار فلا أثر لرجوعه على إقراره , ويبقى الدين في ذمته حتى يؤديه , وكذلك الإقرار بالزنا فلو رجع المقر لا يسقط الحد ووجب إقامته .

3- واستدلوا أيضا بحديث ماعز بن مالك رضي الله عنه , فقد صح أنه رضي الله عنه أثناء رجمه هرب من الصحابة الذين كانوا يرجمونه , فلم يتركوه , بل لاحقوه ورموه حتى قتلوه , ولو كان رجوعه عن إقراره يسقط الحد ويلغيه ويوقف تطبيقه لما أقدم الصحابة على رجمه بعد هروبه ورجوعه .
فقد قال رضي الله عنه وهو هارب : }ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فإن قومي غروني من نفسي , وأخبروني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير قاتلي { , فلم ينزعوا عنه حتى قتلوه.

الحكم بشهادة أربع شهود :
ولا تثبت جريمة الزنا ولا يحكم القاضي بالعقوبة المنصوص عليها في كتاب الله تعالى وفي سنة رسول الله صلى لله عليه وسلم إلا بشهادة أربع شهود , وهي الجريمة الوحيدة التي أوجب الشرع في إثباتها أربعة شهود تغليظا على المدعي وسترا على العباد , ويشترط في الشهادة ما يلي .
1- أن تتوافق شهادة الشهود الأربعة , فإذا اختلفت أحدهم عن الآخرين لم تكن بينة كاملة توجب على الحاكم أن يحكم بالعقوبة وهي الحد , بل يعتبر الشهود قذفة , يحدون حد القذف كما فعل ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حادثة المغيرة بن شعبه رضي الله عنه.

2- أن تكون الشهادة تصريحا بالزنا الموجب للحد بأنهم رأوه يدخل فرجه في الفرج المحرم , وذكر الرجل في فرج المرأة كالميل في المكحلة أو كالدلو في البئر , وغير ذلك من ألفاظ الصريحة في الإيلاج , بل على القاضي أن يسأل الشهود بالإضافة المقصود بالزنا الذي يشهدون لاحتمال وجود فعل غير الزنا الذي يستوجب الحد , وكيف هو , لاحتمال الجماع دون الفرج , ومتى زنا فان التقادم يسقط الحد , وأين زنا فان كان في دار الحرب سقط الحد لوجود شبهة الجهالة , وبمن زنا فقد تكون ممن لا يجب الحد على وطئها.


3- يكون الشهود عدولا : فإن كانوا فسقة أو كفارا أو مقذوفين فلا تقبل شهادتهم , فالقاذف لا تقبل شهادته بنص القران الكريم : ( وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا)والكافر لا تقبل شهادته وبخاصة على المسلم , لأن الشهاده يترتب عليها قتل المسلم المشهود عليه أو جلده وإيذاؤه معنويا وحسيا والله عز وجل يقول ):وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ),ونتيجة الشهادة على دم المسلم وعرضه , والعدالة شرط في قبول شهادة الشاهد فان كان فاسقا فلا تقبل شهادته , والعدالة عكسها الفسق والعدل غير المتهم في دينه وتقواه.

4- أن يكون الشهود أحرارا لأن العبد لا ولاية له على نفسه , والشهادة نوع من الولاية نتيجتها هنا قتل المشهود عليه أو جلده , وفي شهادته شبهة والحدود تدرأ بالشبهات.

5- أن يكون الشهود بالغين عاقلين : فلا تجوز شهادة الصغير ولا المجنون.

6- أن تؤدى الشهادة في مجلس واحد وهناك من يرى شهادة الشهود في مجالس متفرقة.

7- أن يكون الشهود ذكورا فلا تقبل شهادة النساء , قال تعالى : ( وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ), والعدد كما هو معلوم يخالف المعدود فإذا كان المعدود مذكرا أنث العدد وإذا كان المعدود مؤنثا ذكر العدد , وقوله أربعة منكم , يدل على أن المعدود ذكور , والآية نص في ذكورية الشهود , وقال تعالى : ( وَالَّذِينَيَرْمُونَالْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءفَاجْلِدُوهُمْثَمَانِينَ جَلْدَةً ), فالشهود في الآية ذكور لمخالفة العدد والمعدود , وقيل إن في شهادة النساء شبهة والحدود تدرأ بالشبهات.

8- أن يكون المشهود عليه بالزنا مما يتصور منه الوطء , فلو شهد أربعة شهود على رجل بالزنا وهو مبوب فشهادتهم مردودة وهم قذفة قد كذبهم الواقع , واقع الحال.

9- أن يكون المشهود عليه قادرا على دفع الدعوى : إذ لم يكن قادرا على دفع الدعوى كالأخرس فإن شهادة لشهود عليه لا توجب حده بحد الزنا وهذا شرط اشترطه الحنفية وذكره صاحب بدائع الصنائع قال رحمه الله
} ومنها أن يكون المشهود عليه بالزنا ممن يقدر على رد دعوى الشبهة , فإن كان مما لا يقدر كالأخرس لا قبل شهادتهم لأن من الجائز لو كان قادرا لادعى شبهة{.

في حمل المرأة من غير زوج :
لقد اختلف الفقهاء في ثبوت الزنا بحمل المرأة التي لا زوج لها سواء كانت بكرا أم مطلقة طلقة بائنة بينونة صغرى أو كبرى إلى الأقوال التالية :
القول الأول : حمل المرأة التي لا زوج لها زنا يستوجب العقوبة , فإن كانت بكرا جلدت مائة جلده بعد أن تضع جنينها وإن كانت متزوجة مات عنها زوجها أو طلقها وتفرقا بعد ذلك رجمت بعد أن تضع جنينها , قال بهذا القول الإمام مالك وأصحابه , وهذا مروي في الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه , فقد روى الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه بإسناده إلى عبد الله بن العباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال من حديث طويل : }والرجم في كتاب الله حق على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء وإذا قامت البينة أو كن الحبل أو الاعتراف{ .
هذا وبوّب البخاري لهذا الحديث بقوله : } باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت{ , ومن المعلوم أن فقه الإمام البخاري يظهر في تبويبه لصحيحه , وهذا التبويب يفيد أن الإمام البخاري يرى الحبل من غير زوج أو سيد يثبت به الزنا وتعاقب الحامل بالرجم.

القول الثاني : الحبل لا يثبت الزنا , ولا تجلد البكر الحامل كما لا تجلد المرأة الثيب التي ليس لها زوج , قال بهذا الحنابلة والحنفية والشافعية, فقد حصر هؤلاء إثبات الزنا بالشهادة والإقرار , ولم يشترطوا الحبل , ومستند هؤلاء أن في حملها بلا زوج لا يتحتم ليه وجود الزنا منها , فقط تحمل دون جماع أو إيلاج , إما بمفاخذة فينزل الرجل منيه وتثار شهوتها فيدخل الحيوان المنوي إلى فرجها ويلقح بويضتها ويحدث الحمل, ولقد أثبت العلم الحديث أنه يمكن أن يحدث هناك حمل دون إيلاج فرج الرجل في قبل المرأة , وكم من النساء حملن دون زنا , وقالوا أيضا ترد الشبهة على الحمل بأنه كان نتيجة زنا , إذ هو مشكوك فيه والحدود تدرأ بالشبهات , وروي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن العباس رضي الله عنهم أجمعين أنه إذا كان في الحد لعل وعسى فهو معطل , ولا خلاف أن الحد يدرأ بالشبهات وهي متحققة.
وعموما إن الحمل لا يلزم أن يكون نتيجة زن صحيح , فهناك كثير من وقائع الحمل تمت بلا إيلاج فرج في فرج محرم , وبخاصة في زماننا هذا وقد تقدم العلم وبخاصة في الحمل والإنجاب وتسرب ماء الرجل إلى رحم المرأة قد يكون عن طريق غير طريق الجماع والإيلاج كنقله من طرف آخر في أنبوب أو غيره.

حكم الحاكم بعلم في الزنا :
هذه المسألة صورتها أن يرى القاضي مسلما بالغا عاقلا رجلا مع امرأة وأولج فرجه في فرجها وهي محرمة عليه ليست زوجة له , ولم يرهما أحد غيره فهل يحكم القاضي بعلمه ويعاقب الزانيين عقوبة الزنا سواء كانت عقوبة البكر وهي الجلد أو عقوبة الثيب وهي الرجم ؟
للفقهاء في هذه المسالة قولين :
القول الأول : يجوز أن يحكم القاضي بعلمه , قال بهذا القول الإمام أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة وهو قول في مذهب الشافعي وقول أبي ثور من الشافعية أيضا والإمام أحمد في قول له أو رواية عن كما أخبر بذلك ابن القيم الجوزية في الطرق الحكمية في السياسة الشرعية وجزم به ابن حزم الظاهري .
اشترط بعض أصحاب هذا القول أن يكون الحاكم أو القاضي مشهورا بالصلاح ولعفاف والصدق ولم يعرف بكبير زلة , ولم يؤخذ عليه خربة بحيث تكون أسباب التقى فيه موجودة وأسباب التهم مفقودة.
ومستند هؤلاء :
1- إذا جاز للقاضي أو الحاكم أن يقيم حد الزنا بالبينة , وهي شهادة الشهود والاعتراف من الزاني وهما يفيدان الظن ولا يفيدان العلم اليقيني , ومشاهدته تفيد العلم اليقيني , فالحكم بعلمه أولى من الحكم بالبينة والاعتراف , لأن العلم اليقيني مقدم على العلم الظني .

2- إذا جاز للقاضي أن يحكم بعلمه في تعديل الشهود وفي الحقوق غير الحدود فيجوز له أن يقضي بعلمه في الحدود , والتفريق بين حقوق الآدميين وحقوق الله كالزنا لا دليل عليه من الكتاب والسنة فيحكم القاضي بعلمه في كل شيء حتى الحدود .

3- الحاكم مأمور إذا رأى منكرا أن يغيره و إذا رأى محرما عاقبه على جريمته , وعدم معاقبة المجرم ظلم وحرام , والواجب أن يقضي بعلمه في عقوبة الجاني بالزنا .

القول الثاني : لا يحكم الحاكم بعلمه في إقامة حد الزنا , قال بهذا القول أبو بكر الصديق رضي الله عنه , وبه قال الإمام مالك رحمه الله والإمام أبو حنيفة والإمام أحمد وأصحابه وأصحاب الرأي رحمهم الله جميعا.
مستند هؤلاء:
1- قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " لو كنت راجما أحد بغير بينة لرجمتها " والبينة هنا الشهادة من أربعة شهود أو الإقرار .

2- ما رواه الإمام أحمد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : } لو رأيت رجلا على حد من حدود الله ما أخذته ولا دعوت له أحدا معي غيري ــ صحح إسناده ابن حجر في الفتح .

3- روى ابن حزم عن عمر بن الخطاب قال لعبد الرحمن بن عوف : أرأيت لو رأيت رجلا قتل أو شرب زنا ؟ قال : } شهادتك شهادة رجل من المسلمين , فقال له عمر : صدقت { .

4- ومن طريق الضحاك أن عمر اختصم إليه في شيء يعرفه , فقال للطالب : إن شئت شهدت ولم أقض , وإن شئت قضيت ولم أشهد .

5- لو رمى القاضي أو الحاكم أحدا بالزنا لكان قاذفا وجب حده بحد لقذف وتفسيقه ورد شهادته أبدا , فيحرم عليه ذلك .

6- حصر الشارع إقامة حد العقوبة في الزنا بشهادة أربع شهود أو اعتراف الزاني بزناه وقضاء القاضي بعلمه في الزنا غير هذين الطريقين وزيادة عليهما غير مقبولة .

7- إذا حرم الشارع على المسلم أن ينطق باتهام غيره بالزنا فمن باب أولى أن يحرم عليه أن يحكم عليه بالزنا ويرجمه إن كان محصنا ويجلده إن كان غير محصن .

8- لا يقتضي القاضي بعلمه لأن الحدود تدرأ بالشبهات , وتستوفى إذا قامت بالبينة أو الإقرار , والبينة التي تستوجب الحد لابد من توافر صورتها وحقيقتها أما الصورة فهي شهادة الشهود وأما الحقيقة فهي حصول العلم الذي يدل على الحادثة وعلم القاضي بينة ناقصة , إذ تحققت حقيقة البينة ولم تتوفر صورتها وفوات الصورة يورث الشبهة والحدود تدرأ بالشبهات.

9- وردت أقوال من الفقهاء والتابعين بعدم جواز قضاء القاضي بعلمه في الزنا , فقد روي عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله : } لا يحكم الحاكم بعلمه في الزنا{ .