.. تابع

أخذت أنفاسك بشدة وأنت تتشمم الرائحة، وتتذكر صرير الجسد الذي كان يلون نفسه بلون الكرز، ما بين الأمس واليوم مسألة قريبة جداً، لكن القفز إلى الأمام كان عالياً وسريعاً، ما أدى إلى تكسير العديد من أواني القلب، وبعثرتها، إلى درجة أنك لم تعد تميز بين الجهات ولا الشخوص، ولا الأماكن، الأشخاص الذين تلتقيهم الآن ربما لا تعرفهم، لتغير في سيماهم، وتبدل في مزاجهم، والصغار الذين كبروا لا يجدر بك أنك ستعرفهم وكأن الأمر الحادث أشبه بالزلزلة، التي تحرك مواطن الجبال وتقتلع الأشجار، وتهيج البحار، وترعب البشر، فتحول دون الاطمئنان.. عندما تحاول أن تجد شبهاً بين الجزيرة، التي انتزعت منها، وبين تضاريس المدينة تشعر بالخزي، وينتابك شعور بالغصة، لأنه لا شيء يشبه شيئاً إلا إذا كانت المشاعر واحدة، وهناك لا تشعر بهذا المقياس الحراري الذي يؤكد رغبتك، فعليك أن تمضي زمناً حتى تؤلف بين المشاعر المتقدة، وأن تجيد لغة النسيان.. النسيان هذا الكائن الوحيد الذي لا تجيد معاشرته، لأنه يوحي إليك بأن الذين ينسون أو بالأحرى يتناسون، إنما هم هاربون، وهم صانعو الأكذوبة كما صنعوا الخرافة وصدقوها، لذلك، فأنت تكره الكذبة كما تمقت الخرافة، الخرافة التي يجيد صناعتها الجهلة كونهم مذعورين من المستقبل، الأمر الذي يجعلهم يصبغون الحكاية المزيفة كأنها الحقيقة، ولا يسعك إلا أن تخذلهم، وتنكفئ على ذاتك لتحقق نداء الحقيقة..

ولما استقللت الحافلة الصغيرة، وكانت وجهتك المناطق الرملية الواسعة، وكنت تنوي مزيداً من الاكتشاف، لارتكاب معصية المعرفة، ويبدو أنك لا تفكر فقط لمعرفة التضاريس، بقدر ما كنت تريد معرفة نفسك، أي مطاردة ذاك المجهول الخفي الذي لم يزل يسكنك، وتريد أن تلحق به، وتمسك بتلابيبه، لعل وعسى تستريح من وهدة التصدع الداخلي.. الرمل المعتق، اللون الذهبي، الاكتساح الرهيب لفضاء يتسع، ويرسم صورة وادعة، خلدت على مر السنين.. الرمل يوحي لي بأن علاقة جسدية ارتكبت على كل ذرة من ذراته، وأن فضيلة ما منحت لهذا التراب لأن يكون النعيم الذي تأتي منه الأجساد، ثم تعود إليه ذائبة في نسيجه.. عندما تغوص الأقدام، تشعر بالدغدغة، نتيجة لحركة الحبات الناعمة بين أصابع القدمين، وتحس بكائنات غريبة تراودك عن نفسها، فتنتشي، والهواء الرشيق، يغدق عليك بنسائمه الأنيقة، فتشعر بأنك ملك، وأنك تحكم هذه المملكة الخرافية بنفسك ولا أحد يشاطرك النفوذ، تصعد على تلة ثم تهبط إلى قصر، ثم تستريح قدماك، عند منبسط رمل جاف، وقد فرش بسجادة رمادية تميل إلى البياض، بفعل تيبس الملح، مع التراب بعد نوبة أمطار الشتاء التي مرت، وأنت تحلم بهذا التكوين العجائبي ومخلوقاته الفريدة، والآن تفصلك عن جزيرتك المغتصبة مئات الأميال، لكن الحلم أسرع من الضوء، عندما يستوعبك في جناحيه ويطير بك في اتجاه الشرق.. ما يشبه تضاريس الجزيرة بهذا المكان هو هذه السكينة، وأنت كونك رغبت في العزلة، واستهويت مساحتها الوادعة، تشعر الآن بعظم الصيرورة وأنت تطأ الرمل المنقوش بأعشابه البرية، والمرصع بأغصان أشجار الغاف، والملون بوجوه النساء العابثات بسحر الكون.. عند جادة قريبة من شجرة فارعة، لمحت النجمة.. وبرق الفضاء، بوجه امرأة، تحاشت فضول الجائلين بعباءة أشف من أرواح الجميلات الناعسات الكواعب.. استيقظ المارد داخلك، صارع قواك العقلية الكامنة والرابضة عند مربط الإحباط، تمهلت قليلاً، وتربصت بخطواتها، كانت تسير وإماؤها ترعى النوق البيض.. أنت على يقين بأنك لا تحلم الآن وأن الحوريات لا يظهرن في الصحراء، الصحراء فقط موطن الأساطير، ومدونات الطبيعة، لمحت الضوء الخفي يتسرب إلى نفسك، تشجعت، هرولت قليلاً كي تلحق بركابي المتبعثرة بين الرمال، وسدت رأسك على خاصرتي الآهلة، وذهبت تائقاً نحوها.. قلت في نفسك من أين جاءت هذه المهرة، البارعة، كيف انحرفت عن السرح، واتخذت جادة ثانية، المكان لا يبدو آمناً، وبخاصة للنساء، فالطرقات الوعرة مسكونة بالطيش والحماقات، ولا توجد مضارب قريبة هنا، توجست قليلاً، وبدأ قلبك ينذر بخفقات الفزع، لكنك، بدافع من الفضول، فضلت أن تمضي نحوها، وقلت في نفسك ربما تاهت الطريق، فالواجب أن أكون في تصرفها، اقتربت وخزتك بابتسامة بارعة، مرسومة، بإتقان واعٍ وهي تميل بحرير الجسد بعناية فائقة، خفق قلبك، تدفق وعياً شمولياً، وتساقطت على رأسك حبات الاستفاقة، ساورك الظن أن هذه الفتاة من سكان هذه المنطقة، وإنما خرجت للتنزه وشم النسيم.. فكرت في ذلك للوهلة الأولى، كونها لم تستغرب شيئاً في وجودك ولم ينتابها أي قلق جراء اقترابك من مكانها.. لم تنبس الفتاة ببنت شفة، ولكنك تبعتها، سارت بخطوات متئدة، واثقة بدون ذنب الخوف، وأنت خلفها وكأنك ظلها، وقوتك العاطفية تدفعك في اتجاهها، بعفوية الرجال، الكهان، الذين يعشقون عطر المرأة، ويرتوون من نظراتها.. بعد هنيهة، التفتت الفتاة، نظرت إليك بعينين متقدتين، بشعاع مضيء، أيقظ حسك العاطفي، لكنك لم تتفوه بكلمة ولا هي أيضاً، ماذا إذاً تفعل، يبدو أن صمت الصحراء مسح على شفتي هذه المرأة، فزمت بوزها، واتخذت جانباً، تسير بخطوات متأنية، وأنت تلتهب، وتتحرق جمراً، لكن مرت الثواني ولم تفوه بكلمة.. الابتسامة الفارغة لا تكفي، والعطش لا يرويه سراب التصورات المبهمة.. عند شجرة عشبية كثيفة، توقفت، قطفت زهرة صفراء، وضعتها عند أنفها، شعرت بأنها تستنشق أفيون الوجود، ذكرتني بالرائحة.. تذكرت، انتشيت، وكأن الإصبعين اللذين يكتبان اسمهما على جذر الوردة يلامسان أنفها، هي تشم رائحة الورد، وأنا أتفرس جيداً، وأتسلل نحوها، لأشم جسدها.. هكذا وجدتني فجأة قريباً منها، وهي ثابتة، تعيرني انتباهاً تفصيلياً، تتحرى وجهي، وتتهجى التفاصيل، منسجمة مع رائحة الوردة.. قلت بشجاعة، بعد محاولات جادة.. ما اسمك يا جميلة.. ببلاغة الشفتين الدقيقتين قالت.. نيران، وأشاحت جانباً.. نيران..

في أول الوقت، كنت وحدك مستفرداً، بوجود هذه الفتاة، وسط الصحراء النائمة على برزخ أساطيرها، وأقدام الحفاة الذين جابوا بطحاءها بكل سرور، لكن الآن، وقد امتلأت الكثبان بضجيج المركبات ذات الدفع الرباعي، وكذلك الدراجات النارية ذات الأربع عجلات، وكذلك الصبية الصغار، الذين أمسكوا بزمام الجريد المقوس، المعقود من طرفيه بحبل دقيق وصنعوا منه دراجاتهم البدائية، لاهين بين الرمال، وتحت قرص الشمس المستدير، كدوران سقف السماء الحارة.. شعرت بشيء من الضجر، تذمرت كون المنطقة تعكرت بعواقب الفوضى، ونكبت أنت بفوات الفرصة، أو هكذا تخيلت لتعطي نفسك فسحة من الأعذار، التي قد لا تلازمك فيما لو استمر الوضع، كما هو، ساكناً خالياً من أنفاس البشر، بينما لبثت الفتاة تدقق في تفاصيل الصحراء، وترسم على الرمل صورة مثلى لخيالها الخصب كخصوبة الجسد الذي احتوى روحها اليافعة. والجدير بالذكر هنا أنك لا تنوي فعل أي شيء يناوئ الأخلاق، أو أنك لا تجرؤ، وقد تعاقب عقاباً شديداً جراء الإتيان بأي فعل، ومن سيعاقبك هو أنت نفسك، وما إن فرغت الفتاة من الخربشة على سفح الرمل، سألت ثانية: قلتِ اسمك نيران؟

أومأت برأسها، نيران.. ثم أردفت ألم يعجبك الاسم؟

قلت: بل أدهشني..

ولماذا؟

قلت: يا سبحان الله، كيف تتصادف النيران مع النيران ولا تلتقيان؟

ماذا تعني؟

قلت: لا أعتقد أن لقاء حميمياً يمكن أن يحدث بين نارين؟

قالت: وهل اسمك نار؟

قلت: بل النيران في صدري..

ضحكت بجلجلة، مبتهجة.. ولا يسعد المرأة أكثر من إحساسها بفخامة وجلال قدرها لدى الرجل..

قلت: ماذا يضحكك؟

قالت: أنت مهرج فظيع..

شعرت بانتكاسة.. وبخت نفسك إذا لم يسعدها وضعك..

أشاحت نحوك.. عن ماذا تبحث هنا؟

قلت متجاسراً: عن نفسي..

ضحكت قائلة.. يبدو أن هذا عنوان مسرحية هزلية.

قلت.. بل مسرحية جادة..

ضحكت.. وهل وجدتها؟

قلت: ربما.. أجدها..

يتبع ..