-
8 - 12 - 2012, 12:07 AM
#9
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 50
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
تابع ..
تشعر بفراغ يطوق عنقك، تريد أن تفك عقال البؤس، تريد أن تلجأ إلى أقرب صديق، يرفع عن كاهلك كل هذا الاحتقان، تتذكر صديقاً قديماً كانت لك معه صولات وجولات وحكايات وقصص إنسانية جمعت بينكما.. تريد أن تطير إلى مكانه في صحراء مجاورة، في مهجع قريب.. تتذكر هذا الصديق.. تراهن على صداقته، وقدراته الفائقة في حل مثل هذه العقد الشائكة.. صحيح أنك عالم نفس وقد تكون تشربت بالفلسفة ما يجعلك أشبه بالناسك، لكنك لا تفهم كثيراً في نفوس النساء.. النساء، كما قال لك هذا الصديق في ذات يوم: «الخيل تريد خيال والمرأة تريد ريال»، فلا يطأ المرأة كل من هب ودب، ولا يروض لجامها إلا رجل يعرف كيف يضع إصبعه على مكان الضعف الذي يجعل المرأة الجامحة تنيخ ركابها، وتذعن للراغب في ولوجها..
في مزرعته في الدقداقة، التي يرتادها منذ عقود من الزمن بعد أن هجر الناس جميعاً، فكرت مداهمته.. أبو سيف هكذا أطلق على نفسه هذه الكنية رغم أنه لم يتزوج ولم ينجب قط، فهو أيضاً يكره الزواج، ويعتبره شيئاً من الجنون أن يحاصر الرجل بذراعي امرأة واحدة، لا ينفكان عن عنقه إلا بموت أحدهما.. وهو كان يقول إنه لا يجب أن يموت، بل يعشق الحياة كما يعشق الحرية.. اتهموه بالمجون والزندقة والهرطقة، لكنه لم يهضْ جناح الذل للألسن الطويلة، كان يعتبر ذلك ضرباً من ضروب الجهل..
لم تكن زرت المزرعة، منذ زمن، وتكاد تنسى معالمها، لكنك أصررت على المغامرة، واندفعت باحثاً عن مكانها، كاندفاعك في البحث عن أبي سيف.. مشيت على قدميك، بعد أن انطلقت من الحافلة التي أقلتك حتى الشارع العام، بالقرب من المحلات التجارية، نزلت في الوهاد القاحلة، المحاطة بالمروج، وبساتين النخل، والبقاع الزراعية المفروشة بأعشاب البرسيم، وكذلك الغليون.. تتلفت يمنة ويسرة، فأخذت جادات الوعورة في التيه البغيض، الوقت الذي بدأ يغمض عينيه، ويسترخي تحت غشاء شفيف من الظلمة، والتي بدأت تزحف شيئاً فشيئاً، وأنت في عجلة من أمرك، خشية من أن الظلام يخفي ما حفظته من معالم قديمة عن المزرعة، قابلك ضوء خافت، أطل من بعيد، ويبدو أن قرص النيون المضاء غير مثبت في جدار، فبدا متمايلاً، راقصاً، كشيخ عجوز يتهاوى في قعر وادٍ، أبديت استعداداً على مواصلة الطريق، مهما بلغ الأمر من صعوبة، فلا مجال للتراجع الآن، بعدما قطعت مسافة لا بأس بها.. مررت على البوابة المضاءة، نظرت إلى السواد الداخلي داخل الحزام الحديدي، قلت ليست هذه مزرعة أبي سيف، فهو لم يحط مزرعته بالأسلاك، بل تركها مسيجة بجدار طيني خفيض، وكان يقول إن للطين مزاجاً يأتلف مع مزاج من يريد أن يتفقه في علوم الطبيعة.. إذا تابعت الطريق شعرت بترهل ركبتيك، وتصبب العرق من جسدك، تحاول أن تخفض من لوعتك بالغناء، وتتذكر كلام أبي سيف عن صوتك الجميل الذي كان يطربه، وكان ينقر طبل الصفيح بضربات خفيفة منسجماً مع ترنيماتك الشجية.. تعرج في اتجاه آخر، تبدو لك مزرعة قريبة، غير مضاءة، وما تراه مجرد مساحة واسعة تبرز من جوانبها أشجار عالية، مضيت وأنت تلهث، توقف غناؤك، وأنت تقول يبدو أنها هي.. هذه مزرعة أبي سيف، وانفراج أساريرك ذوب التعب، ونشف العرق قليلاً، لامست جبينك نسمة ناعمة، داعبت روحك، اقتربت من المكان، قلت مبتهجاً، أجل هذه هي إن لم تخني الذاكرة، الجدار الطيني الخفيض يحيط بأشجار النخيل، وكذلك تلك السدرة الوحيدة التي يتباهى بنبقها أبو سيف، كان يقول عنها: إنها سدرة أسطورية، فهي تثمر شتاءً وصيفاً، ولا يمخر عظم ثمارها أبداً.. وقفت أمام الباب، المحكم بالرتاج الحديدي، صرخت بصوت وئيد، وأنت تتلفت خلفك، كان صدى صوتك يذوب في العراء، حاولت أن تقترب من ثقب في الباب الخشبي، لا توجد إضاءة، الغرفة الوحيدة، المحروسة بالأشجار الكثيفة، لا تكشف عن سيئات هذا الماجن، يبدو أنه يغط في أحلام يقظته، يبدو أنه غادر المكان إلى مكان آخر، ولكن أنت متأكد أن هذه المزرعة هي لصديقك أبي سيف، وهو لا يبدو أنه ينتقل إلى مكان آخر بعد حلول الظلام.. ما العمل إذاً.. هل ترفس الباب المتهاوي، وتلج المزرعة دون إذن مسبق، فقد يفاجئك بضربة على رأسك وينهي كل هذه المشقة، ففي مثل هذا المكان، وفي هذا الوقت بالذات الناس متوجسون، وأنت تعرف أبا سيف، يكاد يشك حتى في نفسه في مثل هذه الظروف.. تصرخ مرة ثانية.. أنا فيروز، فيروز أنا، جئت لزيارتك يا صديقي.. إن كنت هنا أجبني.. شعرت بأنك وكأنك من رجال خفر السواحل، أو حراس الشرطة..
يجيبك.. من على الباب، تفضل.. تفضل.. ولا يبدو أنه سمع اسمك عندما صرخت وقلت أنا فيروز..
رجل بثياب مهدلة، سروال فضفاض، وقميص التصق على صدره مبلل بالعرق، جاءك لاهثاً..
ولجت.. وقلبك يهتف مستريحاً، حيث أيقنت أنك حققت المراد، شعرت وكأنك نزلت من علو شاهق، بواسطة حبل مهترئ، وتلقفتك أرض ترابية لينة ولم يصبك أذى، استقبلك استقبال الأبطال.. قال في لهجة فرحة.. لله درك كيف عرفت المكان بعد هذه العقود الزمنية البعيدة، لم يخطر ببالي أنك تتذكر صديقك وتزوره في هذه العتمة البغيضة.. صحيح أنها ليلة مباركة.. كنت باهتاً، لا تنبس بكلمة، وكنت متعباً، تريد أن ينقذك كأس ماء، يلطف مزاجك، كنت تريده أن يدعك تستريح، ولا يباغتك بالأسئلة، لأنك كنت على يقين من أن الليل طويل، ومجال الأسئلة يأتي لاحقاً.. اتكأت على المسند القطني، ونظرك جامداً باتجاه السقف المسقوف بالجريد، وجذوع النخل.. قلت له: اسعفني بالماء..
تتناول الكأس، دلقت ما في جوفه دفعة واحدة، وأخذت نفساً، قلت معاتباً: كيف تسنى لك أن تسكن في هذه البقعة النائية كل هذه المدة الطويلة.. ألا تخشى من الوحدة..
قال لك مبتسماً: ومن قال إني وحيد..
فهمت المغزى، تمتمت قائلاً: صعلوك، ولا تتهاون في مجونك..
يقول: إنه ألذ ما تستمتع به النفس..
تقول: الشيب غزا رأسك، ولم تهمد..
يضحك.. الذين همدوا ماتوا يا عزيزي..
ولكن لا بد من الاستعانة بالورع قليلاً، إنه يمنع من الزلل..
يغضن حاجبيه قائلاً: ألم تكف عن مواعظك السخيفة.. ثم ينهض..
سأصنع لك شاياً يعدل مزاجك، لعلك تهتدي..
تبتسم.. لن ترتدع عن مهازلك..
ثم وهو يعطيك ظهره، ألم تقتنع بعد أن الحياة مهزلة.. ماذا جنيت أنت من تحليلاتك المملة غير التعاسة..
ومن قال لك إنني تعيس..
يقول: سيماهم في وجوههم..
تتنهد.. لا تستطيع مقاومة بلاغته.. فسخريته جاءت من قدرته على منح الحياة فلسفة مغايرة لما اعتاده الآخرون..
تأخذ كأسك.. تتجرع الرشفات الساخنة، ويمخر الدخان فتحتي أنفك، تنتعش ذاكرتك برائحة الشاي..
أبو سيف.. كيف خطر على بالك زيارتي..؟
خفضت رأسك، ولم تسعفك العبارة غير أنك تقول.. اشتقت إليك، وساقتني قدماي إلى مكانك، وصدقني إنني لم أكن متأكداً من أنني سأستدل إلى مكانك. يشيعه بنظرة حالمة.. القلوب يا سيدي.. القلوب عند بعضها، وأنت أصيل.. ثم يعتدل في جلسته، مستدرجاً مشاعرك.. قل لي كيف كنت تقضي أوقاتك كل هذه المدة.. أليس لك أصدقاء؟
تقول له بامتعاض: لا أصدقاء لي، متململاً.. الحياة باتت باهتة وبلا لون.
أبو سيف: الآن عرفت.. منذ أن شحنت الأرض بالبشر وهي مكتئبة، ولو كان في إمكانها لابتلعت كل من عليها.
تأوهت أنت، أحسست بأنه وضع يده على الجرح.. قلت له: زدني من شايك، إنه لذيذ..
يملأ كأساً آخر، وتتلقفه بيد مرتشعة.. شكراً.
في الصباح نثرت السماء رذاذها الفضي على وريقات الشجر، فاستراح الندى قطرات تلمع على سطح الخضرة، حيث الشمس هيأت خيوطها الذهبية، متوزعة بأناة على ألسنة العشب الناعمة، تصديت أنت للشروق بقلب حالم، يستعيد أزمنة قديمة، تطورت وجداً كونياً بين الجذوع السامقة، والأغصان المنحدرة من علو الفضاء، أخذت مكاناً من زاوية الكون، ورحت توزع نظراتك بين المروج، وأصداء الصباح تحثك على جلب الذاكرة، وحلب شلالها المختلط بالمشاهد الراهنة.. جسدت جل أحلامك في المكان النائم على خضم من الزخرفة الطبيعية، وحشدت الفكرة تلو الفكرة مقتنعاً، أن أبا سيف، رفيق العمر القديم، استطاع أن ينشق عن جموع الناس، ليبقى شاهداً على بلد يتطور في أشكاله المادية، ثم ينزوي بميراثه القيمي، مترافعاً أمام قضاة الزمن، عن قضية لا يمكن الإفلات من أنيابها الحادة، كونها قضية الوجدان واللاشعور الجمعي، الذي لا ترحم حصاه، أي آله بشرية مهما امتلكت من مقومات التغيير، أنت وحدك الآن تضع أبا سيف في مقلة العين، وتمسك على تمرده بالنواجذ، تعلم أن كليكما استتب أمرة على أن ما يجيش في خلايا المجتمع هو شيء من الخرافة، هو جزء من اعتلال البنية، لكنك لم تجرؤ على سلك الطريق الذي نهجه أبو سيف. فالرجل أغمض البصر عن الكلام المباح، وشد ركابه باتجاه اللامعقول، بينما أنت مازلت في قلب المخاض، لأن علم النفس يحلل كثيراً، ويؤول أكثر ويسرد حكايات، ويفسر أخرى، الأمر الذي يجعلك لا تبادر متى ظننت، بانتظار اليقين، واليقين لا يأتي إلا بعد أجل غير مسمى، وقد لا يأتي البتة. عرجت نحو منعطف، تمرغت قدماك في وحل مياه آسنة، نامت على الأرض الطينية منذ أيام، انتشلت ساقيك بصعوبة، حاولت أن تنظف نعالك البلاستيكي القديم، من بقايا الطين المبلل، انتزعته من قدميك ونحيته جانباً، ماداً ساقيك على ظهر صخرة، أسندت ظهرها على كومة رمل.. تسمرت في مكانك متأملاً، غارقاً في شعاب الفكرة، ولم يزل صديقك يغط في النوم، ويبدو أنه اعتاد على تمضية نصف النهار على السرير الخشبي تحت السقف البارد، المتصدع بهواء المكيف.. ستقول إنك لم تنم البارحة، لأنك كنت تفكر، وكذلك لأنك لم تعتد النوم على فراش لم يستمرئ جسدك الخمود على قماشة القطن برائحة غريبة.. لم تكن الغرفة مرتبة كالمعتاد، لكنها لم تكن رثة أو عفنة، لكنك هكذا دوماً تشعر بالقلق عندما تفارق مخدعك.. العصافير هنا تطير فرحة بحرية، تنتقل على الأغصان في غزل رفيع المستوى، وكذلك الحمام البري، ذو الريش الرمادي، يستفيق صباحاً، ليبحث عن طعامه، من ثمرات الزرع، وذكور الحمير تلاحق إناثها، في شبق طفولي بريء، متحررة من قيد الحطابين، وسقاة الماء، والحادبين على ظهورها. زمن مر وقد استطاعت هذه الحيوانات النبيلة أن تتنفس الصعداء بعد تخلصها من العذاب اليومي، لا تستطيع أن تقول إن التطور الذي نشأ عن ثورة النفط لم تكن له إيجابية، فهذه الحمير الآن تجد منتجعها الصيفي، في هذه السيوح المحزمة بالخضرة والماء والممارسات العفوية، لفطرتها السحرية.
يتبع ..
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى