.. تابع

وكذلك القطط، لا أحد يؤذي مشاعرها، في هذا الفضاء الرحب، ورزقها من الفئران، والحشرات الأخرى، يتوافر هنا بكثرة، وبلا منغصات بشرية.. الحيوانات هنا تمارس حقها في العيش الآمن، فلا أيدٍ تطالها، ولا أعين تتربصها.. نهضت، غصت في البرزخ، وفي نفسك رغبة ملحة على أن تتشابه مع صديقك، لكنك ترتدع لمجرد التفكير، في تأسيس مثل هذه المملكة، لأنك مسكون بالخوف، خوفك الذي يلازمك، ويطارد إخفاقك كلما فكرت أن تحتسي من نفس الذي يكرعه صديقك.. تحسده أحياناً، وتنقم عليه أحياناً كونه متحرراً ورعاً، يمارس طقوسه المجونية، والجنونية، في صومعته، في خلاء الكون الفسيح.. تقول: لماذا لم أتخذ القرار الذي يسلخني من كل هذه الهواجس اللعينة، ثم تتعوذ من شر المجون.. في داخلك تتصارع القوى الغامضة، تحاصرك بقواها الفتاكة، فتضطر إلى التراجع، وتنزف بكاءً داخلياً مريراً..

ينصهر المكان بالحرقة، تحاول أن تختبئ في الظل، كما تفعل القطط التي تخلت عن مشاغباتها، وهجعت تحت الأفياء، مادة ألسنتها اللاهثة.. فجأة تقفز يقظاً، كانت يد أبي سيف تهبط على كتفك، تطبق قبضتها، تلتفت مذعوراً، يقول لك بصوت هامس: هل استمتعت بمنظر الصباح، بعيداً عن الضجيج..

تقول له بصوت مشروخ: بالطبع.. إنه منظر خلاب..

يقول لك: لو سمعت كلامي، عندما نصحتك، بالتخلي عن خزعبلاتك، لكنت الآن في أحسن حال..

تقول له بلهجة متحدية: المكان، رائع، لكنه لا يصلح للإقامة الدائمة..

ومن قال لك إنه مقر دائم.. مجرد منتجع، أقضي فيه أوقاتي..

أنا لا أحب العزلة التي تحبها..

بل قل إنك، ممسوس بقواك الخفية.

تبتسم ابتسامة باهتة.. ثم تطرق.. هذه القوى هي التي عصمتني من أفعال ترتكبها أنت.. ولو فعلت لما استطعت أن أقاوم حياتي..

يضحك ساخراً.. ثم يربت على كتفك: خذ بنصيحتي، ولن أخذلك..

تهز رأسك: لا تحاول.. أنا لا أستطيع..

يزم شفتيه.. ثم يردف: دعك من الوسوسة، وتعال لنأخذ إفطارنا.. السفرة المعدة سلفاً، مهدت طعامها بشرائح الجبن، والخبز الأسمر، والحليب، والشعرية المحلاة، والفول المطبوخ، والحمص..

قلت.. كل هذا تجهزه بنفسك كل يوم..

يهز رأسه، فخوراً.. أجل بنفسي.. ثم يمزح قائلاً: وهل تجد أمامك من تسكن معي تحت هذا السقف.. أمر طبيعي أن يخدم الإنسان نفسه بنفسه..

ولما فرغت من طعامك..

قال: الآن تحتاج إلى كأس أحمر.. أليس كذلك؟

هززت رأسك متجاوباً معه.. سيكون أفضل..

شعرت بالوجل وأنت تنتظر كأس الشاي، كنت تريده أن يفرغ من أي شيء تريد أن تدفعه في اللجة، لجة الحديث والحكايات التي تريد أن تستفسر عنها، قد لا يطيق حديثك عن الجن، لكنك على يقين أنه أعتى شيطان في هذه الأرض، ويعرف الشيء الكثير عن الذين يحفظون من حكايات الحب، وخفايا الأساطير القديمة.. أخذت رشفات الشاي وعيناك تحملقان في وجهه اللامع، أبو سيف، رجل يعتني كثيراً بنفسه، ويبدو من سحنته أنه يهذب شعر الوجه يومياً، ويفترض أنه يفعل ذلك كونه كائناً مغامراً، يعشق النساء إلى حد الشغف..

قلت له: يشغلني كثيراً هذه الأيام موضوع الساحرة أم الدويس، فهي المخلوق الذي أسس مساحة واسعة من وعي الناس، واحتل جبلاً من وجدانهم..

يتفرس في وجهك.. والابتسامة الساخرة تعلو وجهه قائلاً: أنت متأكد من كلامك.. صحيح، أنك تريد أن تعرف عن هذه الخرافة؟

تقول: ولم لا؟ أليست هذه الخرافة جزءاً من تاريخ مجتمع بأسره..

وماذا ستفعل بها لو عرفت؟

أريد أن أكمل دراسة عن القديسة أم داس.. أو أم الدويس..

يضحك بجلجلة.. آخر عمرك تريد أن تدرس حياة أم الدويس..

ألا تعرف أنني متخصص في علم النفس؟

وما شأن أم الدويس، بعلمك الذي تخصصت فيه..

تقول بلهجة جادة.. علم النفس يدرس سلوكيات الناس ومشاعرهم، وهذه الخرافة جزء من مشاعر الناس.. بل هي شكلت هذه المشاعر..

يفرغ كأس الشاي في جوفه، ثم يزدرد ريقه قائلاً: إذا كنت جاداً، فسوف أصحبك إلى رجل كهل يمكن أن يفيدك في هذا الأمر..

ترفع حاجبيك، مندفعاً.. سأكون شاكراً لك.

لا تحتاج إلى شكري.. فلن أبذل جهداً غير أن أصطحبك إلى رجل أعرف أنه غارق حتى أذنيه، في مسألة الجن والشياطين، وقد يطلعك على موضوع أم الدويس.. ثم يبتسم لتكمل دراستك القيمة..

تقول له، باشتياق، ومتى أستطيع أن أذهب إليه؟



بلهجة واثقة وهادئة.. لا تجزع، فالمساء يكون حاضراً في المزرعة المجاورة، هي ليست بعيدة، على بعد خطوات فقط. طبعاً سوف تسمع الكثير من القصص والروايات التي تدوخك، وعليك أن تسمع، وتأخذ منه ما يفيد.. هو رجل، شبه كفيف، لكنه يمتلك ذاكرة قوية، وفكراً ثاقباً، ولديه قدرة فائقة في تلفيق الصور والمشاهد الدرامية، ما يجعلك تعجب به، وتتمنى لو عرفته من زمن بعيد، ولكن عليك أن تحذر من تصديق كل ما يقوله، فهو يعتقد أنه ملك الجن، وسوف يسرد لك أحداثاً ما مرت على عقل بشر..

تزداد أنت قلقاً، وتتحين فرصة لقائه، وتكاد لا تصدق كلام أبي سيف، تريد أن تقابل الرجل في أقرب فرصة، لتنهل من معينة وتعرف منه أسرار أم الدويس، تريد أن تبني نظريتك العلمية، على معطيات ما سيبوح به هذا الشيخ الجليل الذي يهزأ منه صديقك.. شعرت باشتياق أكثر، واقشعر بدنك، كونك ستتعرف إلى رجل سوف يفك لك عقدة طالما عقدت لسانك، وهيضت منامك، وجعلتك تعيش كناسك طرد من صومعته ولم يبلغ مراده، بعد أن غضبت عليه الآلهة.

أبو سيف، يتفرس في وجهك، يقرأ تفاصيل محياك الشاحب، ويشيعك بابتسامة ساخرة، وأنت تحاول أن تغض البصر عن نظراته، ويهيأ لك على أنه رجل لا يعترف بالعلم كما أنه يحاول أن يتحاشى الخوض في عوالم الجن، ليس لأنه لا يعترف في هذا المحيط الغامض، بل إنه اعتنق فكرة منذ زمن بأنه يجب أن يهرب من كل شيء، أن يهرب من الجن والإنس، ليعيش حياته، هو ديماجوجي السليقة، ولا يستطيع أن يرهق ذهنه بأمور تبعده عن مزاجه الشخصي..

قبل أوان الموعد بساعتين أو أكثر بقليل، يخيل إليك أنك ذاهب إلى الجحيم، تصورت نفسك كالمتهم المحكوم بالإعدام، بدأت أطرافك ترتعش، وقلبك يخفق والعرق يسح من جسدك الذي أضحى كالقربة الناضحة.. نظرت إلى صديقك وهو يلج متاهات الفكرة، ولا يريد أن يخاطبك في أمر ما. أبو سيف لا يعتني كثيراً بهذه الأمور، بل يعتبرها ضرباً من الخرافات البالية، وكذلك أنت، لكنك تختلف عنه في أنك تريد دوماً ألا تمر الأشياء من حولك كلحظة عابرة، فالفكرة تظل تجوس في عقلك حتى تنهكك، وتصير أنت كالطفل الباحث، مهمة شاقة.. يشق عليك أن تفوه بالأشياء كما هي، ولا تفكر عميقاً في تفاصيلها المزمنة.. هذا مرض مزمن سكن روحك منذ طفولتك والآن كبر معك، بعد أن كبرت أسئلتك، الغامضة والشائكة.. فعلاً أنت تحسد هذا الصديق، الذي أمسك عصا الحياة من النصف وراح يروغ بها عن نفسه كل ما يشقي روحه، فاستمتع بحياته كما هي، ولا يفكر أبداً في تطويق عنقها بالأسئلة التي ليس لها إجابات سوى الشقاء.. تحاول أن تعتذر عن الذهاب مع صديقك إلى الرجل الذي سميته كاهناً، تريد أن ترتب أفكارك، تريد أن تهذب مشاعرك، لا تريد أن يستقبلك الرجل وأنت مرتبك العقل، تريد أن تقف أمامه بهيئة الرجل الباحث عن الحقيقة لا أنك مراهق، مرتجف، مرتعد الفرائص.. حاول أن تفوه بكلمة تنبئ الصديق عن رأيك الأخير، بينما كان هو مستلقياً على جانبه، يقلب ألبوماً، قديماً، ويبدو أنه رصف فيه مجموعة من الصور، كانت هذه هواية قديمة لديه، يجمع صور الأصدقاء، تجرأت، قلت له: أرني ما في الألبوم..

قال في ابتسامة نبيلة.. هذا لا يخصك..

ألست صديقك؟

بلى.. ولكن ليس كل ما لديّ هو مشاع..

إذاً لماذا تقلب الصفحات أمام عيني..

يضحك.. أريد أن أغريك.

وبماذا تغريني؟

أنت مندهش بكل شيء، وأي شيء يشد انتباهك؟

مديح هذا أم ذم..

بين هذا وذاك.. ثم يضحك مازحاً.. ويمد الألبوم لتتلقفه يداك المرتبكتان..

يصيح.. ما بك ترتعش كزعنفة سمكة ألقيت على الشاطئ..

تقول، زاماً شفتيك: لا أدري، ثم تزعق.. ما هذه الصور..

هل أعجبتك؟

تقول: بالتأكيد أعجبتني، ولكن سؤالي عن هذه الصور؟

يقول: لبشر من دم ولحم..

تضحك ضحكة باهتة..

يقول: ما الذي أدهشك في الأمر؟

تقول: آسف أنك كرست كل هذه السنوات في الجمع والالتقاط.. أليس كذلك.. وهل أجمل من الجمع.. والالتقاط أيضاً..

ولكن ما جدوى هذه الصور، مادمت حظيت بأصحابها..

إنها، رسم مثير تجعلني لا أنسى، الوجوه التي قبلتها..

وهل قبلت كل هذه الوجوه؟

يقول: وإنما لماذا أحتفظ بصورها.. أنا لا أفعل خيراً دون جزاء.. عقيدتي هي هكذا..

تهز رأسك، يأكل صدرك الغيظ من فجاجة صاحبك، رغم محبتك له، وينهش قلبك، أوان الموعد المشؤوم.. تقول في نفسك: لماذا استعجلت في الأمر؟ كان ينبغي عليّ أن أتريث، حتى تستتب مشاعري، وأهيئ نفسي لهذا اللقاء.. أخشى أن أضعف أمام الرجل، وتذوب كل قدراتي لسؤاله.. سأبوء بالفشل الذريع، سأتحطم وأندم أنني تسرعت.. تقفز من مكانك، تدع الألبوم جانباً، تنحيه بالقرب منك.. تقول لصاحبك.. ما رأيك لو أجلت موضوع لقاء الكاهن إلى يوم آخر..

فيغضن حاجبيه، ويزم شفتيه، قائلاً: هذا شأنك.. أنت الذي تريد مقابلته، ولك الخيار متى ما أردت.

ترتاح نفسك، وكنت تخشى من سخريته منك، واتهامك بالخوف والتردد، لكن يبدو أنه بغطرسته فهم الأمر، ولم يعترض.. صحيح بدا من لهجته شيء من الامتعاض، لكنه لم يرق إلى درجة الغضب.. قلت في نفسك هذا مريح، أشعر الآن بالسعادة، إذ سيأتي المساء من دون مواعيد، وأعتقد أنني أكره المواعيد والالتزامات منذ الصغر، وقد تكون هذه الحالة مرتبطة بنفسي منذ أيام المدرسة، كنت في طفولتي، أشعر مساء كل جمعة بحزن رهيب ينتابني، إلى درجة أنني كنت أنكفئ في مكان منعزل، وأظل منتحباً وكأنني سأساق إلى المقصلة، وأتصور أن الإحساس باللوعة مرتبط بالخوف من الفراق، كنت لصيق الصلة بأمي، كنت لا أكاد أفارقها أبداً، إلا في حالات قصوى، وأتصور أن عادة التبول الليلي كانت على علاقة بالخوف من الفراق، كنت أبلل ثيابي ليلاً، حتى تظل أمي إلى جانبي، تنظفني، وتغسل أعضائي التناسلية، بل وكنت ألتذ بالملامسة الحانية التي تبديها..

تقول الآن، أشعر وكأنني تخلصت من السجن، تريد الآن أن تغادر الغرفة، لتطلع على مشاريع صديقك الزراعية، رغم أنها متواضعة وليست ذات أهمية إلا أنه يعتبرها من المهمات الجليلة التي أقدم عليها بالفعل، فإنه اختار الطريق الصحيح بالنسبة له، مثل هذا الكائن لا يستطيع أن يمارس حياته المعتادة، وسط زحام الناس.. الناس سوف يرجمونه بالحصى، فيما لو شاهدوا تصرفاته، فهو لا يتورع أن يعانق فتاة، طليقة في مكان عام، لا يرتدع عن فعل أي شيء في اللحظة ذاتها متى ما سنحت له الفرصة، فإذا إن هذا الملاذ الآمن يصبح بالنسبة له، ساتراً وواقياً من الفضائح..

تنظر إليه، تقول: أريد أن أخرج من عتمة الغرفة، أريد أن أتجول في المزرعة، لأشم رائحة العشب..

يقول.. وهو يلتقط ألبومه، الذي تركته مطوياً عند المسند المجاور لمسندك، ألم تعجبك أي منها؟

تقول ساخطاً: لا.. لا تعجبني هذه الأنماط..

يضحك.. مزمجراً.. أنت لا يعجبك شيء غير أم الدويس..

ترمقه بنظرة وأنت تدلف من الباب، تلج المزرعة، ومع انكسار الضوء، وزحف الظلال على الرمل الطيني، أحسست برغبة في فسخ نعليك، لتتلقف الأرض الباردة شيئاً من الدافئة أكثر، قدميك الحافيتين، شعرت بلذة، وكأنما شيء ما في داخلك يطويك طياً، ويدفعك إلى الدفء.. في الدفء حكاية مديدة تقطن روحك، أنت قد لا تحب ممارسة الحب الجسدي، أكثر من توقك إلى الدفء، لذلك شعرت بالاشمئزاز وشيء من المرارة، عندما سألك الصديق، عن اختياراتك، أحسست بأنه يناوئك المشاعر، فهو يمارس الحب لإشباع الغريزة الجسدية، وأنت تبحث عن الظل، تسأل عن الدفء، والدفء لا يأتي إلا من أحضان امرأة مرهفة أجلت مطالب الجسد إلى حين يمتلئ القلب، بسعراته الحرارية..

جلست الآن أنت عند المجرى المائي، وبين الفينة والأخرى صرت تمد يديك، تبللهما بالشلال ذي الرغوة البيضاء، الناصعة.. ترشف شيئاً من القطرات، تقول: الماء هنا، ليس بالعذوبة التي نتوخاها، في السابق كانت مياه الآبار أشد عذوبة، وربما يكون ذلك بسبب النزيف اليومي من قبل المزراعين الذين لا وسيلة لديهم غير هذه العيون، شبه الفاضية.. لم يرافقك أبو سيف، وبطبيعة الحال، فإنه منشغل في إعداد شاي المساء، أبو سيف صاحب مزاج وحس مرهف في تعامله مع الطبيعة، لكن على ما يبدو فهو على خلاف ذلك، في علاقته بالمرأة.. الذي يحترم روح المرأة، لا ينبغي أن يكدس الأشكال والأصناف، كما أنه هاوٍ لجمع الحيوانات أو أي أشياء أخرى..

تقول: على الرغم من إحساسي بأن أبا سيف من أقرب الأصدقاء، وأكثرهم حميمية، لكنني أمقت هذا المزاج الشخصي الذي لا يتلاءم مع أخلاقه كإنسان، محب، ورقيق، ولا أدري كيف تجتمع شخصيتان في شخص واحد.. تهز رأسك، قانطاً، ثم يلفت نظرك طائر الغراب، الذي يحوم فوق رأسك.

قلت: هذا الطائر اللص، يقولون إنه لا يخدم نفسه بنفسه، وإنما من خصاله أنه يسرق ما لدى غيره.. أراه الآن يلوي فوق رأسي، يظن أنني أضم بين يدي طعاماً.. صوته أشبه بصوت مزمار سيارة عتيقة.. محشرج دائماً، لا يثير الشفقة أبداً، عدواني إلى درجة أنه يهيم في الفضاء، ويصطدم بالأشياء بعنف وكأنه طائر أعمى.. تنظر إليه وهو، يتعسف بالأغصان، وعندما يهبط، وعلى الرغم من ضآلة حجمه إلا أنه يثير ضجيجاً، فتفر منه العصافير، وطيور الحمام البري.. تنهض.. تعود أدراجك إلى مأوى الصديق..

الشاي رائع.. ترشف رشفات خفيفة، ثم ترشق في فمك حبات لب البطيخ، ثم تقذف بقشورها في وعاء النظافة.. تسترخي مستريحاً عند حلول الظلام، يقول لك أبو سيف.. وقت الأصيل في حوش المزرعة، الهواء عليل، ومنعش..

تقول: بالفعل هذا رائع..

في المخدع المتواري بين جدران، وأشجان، قلت لطفك.. طوقني.. حاول بكل جهد أن تستحضرها، لتحميك من خوف، وتدفئك من برد.. ارتعشت قليلاً ولما طواك الشرشف القطني السميك شعرت بالهدوء.. ففي الليل الأشياء تلبد، وتسكن، ما عدا شياطين الشوارع الذين يلوبون ليلاً ونهاراً، ولا تخمد نفوسهم من الدوران، وطحن الأسفلت بعجلات الحنق والحمق.. تتذكر صديقك وتستعيد ما سرده من أمجاد، بين أفخاذ نساء، تنوعت أشكالهن وألوانهن، ولم تتغير رغبته عن حب الشهوات والنزوات.. لا تدري لماذا أنت تلومه، ولكن كلما حاولت أن تجد له عذراً انقبض قلبك، وشدك دافع عنيف قائلاً لك: لا تندفع نحو الضلالات.. تريث، تعود أدراجك إلى أيامك الغابرة، تقول ما أجمل هذا الصديق لو أنه تخلى عن مجونه.. وتقول أيضاً هو سيقول، ما أروعني فقط لو انتهيت من فلسفة الأشياء، وتركت الحياة بجبلتها من دون قوانين، ونظم صفها البعض لأغراض أنانية لا غير.. وتقول لا أريد أن أكون أنانياً، فليمضِ صديقي في طريقه، وليبقَ صديق العمر، في شأن سلوكه الشخصي بعلاقتي به.. تستريح الآن قليلاً، تشعر بأنك تخلصت قليلاً من النقمة.. تعود ثانية تحاول أن تستدعي تلك الفتاة العابرة، تقول في نفسك النساء العابرات أشد فتكاً من اللواتي يجاورن الجسد، ألهذا السبب لم ينفرد صديقي بواحدة، حتى يتخلص منها، ليصبو إلى أخرى.. الأشياء البعيدة أجمل من القريبة، البناؤون لا يرون ما أنجزوا جيداً إلا عندما يتقهقرون بعيداً، فيكون الإحساس بالجمال أدق.. ولو أنني اعتليت بدنها لأول وهلة، ستصبح بلا قيمة بعد ذلك.. الأشياء التي تأتي بصعوبة تكون أشهى وألذ.. المرأة المراوغة تستقطب المشاعر أكثر من المرأة التي تسقط بسهولة كثمرة فاسدة..

أنا على يقين لم تكن عاهرة.. قلت.. أجل نيران، ربما كانت تواجه مأساة كسائر الفتيات اللائي يمررن في فترة المخاض.. كانت أشبه بالحمامة التائهة، وكانت تود لو أنني أنقض عليها، وألتهم بدنها، وأمارس الحب معها بصورة نهائية ونموذجية، ولكن لم أكن لأفعل.. تقول بغضاضة.. هذه أساليب حيوانية أن يطأ الرجل امرأة، في عرض الصحراء، ولا لحاف لهما غير سقف السماء العاري.. الحمير تفعل ذلك، لأن فطرتها تتيح لها ذلك. أما أن يمارس ذلك الإنسان فذلك فعل من أفعال الهبل..

تحاول أن تغادر الفراش، لقد سخن السرير، وصارت عظامه المتهالكة تصرصر، كأحجار الجدران القديمة. تقف عند النافذة، تفتح الستارة المخملية، ثم الشيفون الشفاف، ثم الزجاج الداكن للنافذة، تطل على الشارع، الساهر وحده على حراسة الأشجار، والحيوانات الصغيرة، الدائبة ليلاً بحثاً عن فرائس.. تلمح عن بعد مطاردة عنيفة، ومواء أشبه بالاستغاثة، قط شرس، برأس مدبب دائري، ينقض على أنثى صغيرة الحجم، تحاول أن تلقمه بحجر، لكن ليس لديك ما تلقمه إياه.. الهرة الصغيرة تستلقي على الأرض الحجرية، وترفع سيقانها إلى الأعلى، تحاول أن تدافع عن مصيرها، بيد أن العدوان أقوى من المقاومة، بعد فترة سمعت الهدوء، همدت الأصوات، ويبدو أن الهرة الصغيرة وجدت مفراً، فلاذت بالفرار، الروح أغلى من أي شيء، ومن له حيلة لا بد أن يحتال، ربما وجدت الهرة الصغيرة من وسيلة، خدعت بها القط المهاجم، فهربت.. كان في إمكاني أن أفعل ذلك ساعة العدوان المباغت، وأحمي بدني من الانتهاك، لكن الحيلة أحياناً تكون ضئيلة أمام عدوان غاشم، لا يردعه استجداء، ولا يمنعه احتواء، ولا ينفك عن فعل جريمته إلا بعد أن يقضي ما أمره شيطانه..

تفكر الآن فيما قاله صديقك أبو سيف.. تقول وأنت تحت وطأة القلق. تقول وأنت مستريب من كلام الصديق.. لماذا حاول أن يحبط ذلك، الرجل بهذه الهالة السحرية، حتى جعلني أرتعد.. لماذا كانت عيناه تجحظان وهو يسرد القصة عن صاحبه العجوز، وكأنه يقص قصة من حكايات ألف ليلة وليلة.. صحيح أنه اعتاد دوماً ومنذ الصغر أن يفخم الأشياء، ويضخم الأحداث، لكن هذه المرأة كانت أكثر مبالغة من ذي قبل.. تشعر بصراع، تمسك رأسك بيدك، تعقد جبينك، تحاول أن تمسد الجبهة، ثم تذهب إلى الدرج المجاور للسرير، تفتح الدرج، وتنزع علبة الفوكس، تمسح جبينك بالدهان الساخن، ومع ارتفاع درجة حرارة الدخان، تخف ضربات الصداع، تعود ثانية إلى المناظرة، تسمع طرقات خف على صلابة الأسفلت، تتبين الهيئة، شخص ما يمر بجوار النافذة، شخص يلمع وجهه تحت ضوء النيون الخافت، يتحدث بصوت مرتفع، ولا أحد يسير معه، لكنه يتكلم، يكلم نفسه، يحث خطى مسرعة، وكأنه يريد أن يلحق بركب ما، لمحت عصا فوق الكتف، وعلق حبال قفة من سعف النخيل، عرفت أنه أحد الصيادين الذين يرتادون البحر في هذه الساعات من الليل، وربما كان قد تأخر عن موعد الوصول إلى المركب الذي سيقله مع مجموعة من رفاقه.. قميص قطني بنصف كم، وإزار مخطط بالأبيض والأحمر، مرتفع قليلاً عن الكعبين، ليس تديناً وإنما لحاجة العمل في البحر، ولإنجاز المهمات الصعبة، في أقصى سرعة.. الكادحون وحدهم الذين يسيرون في الليالي وتحت جنح الظلام، ويمخرون عباب البحار، متفانين من أجل لقمة العيش، بينما المستهترون يهلكون أنفسهم وينفقون أموالهم في لحظات طيش مميتة..

يتبع ..