-
8 - 12 - 2012, 12:09 AM
#11
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
--------------------------------------------------------------------------------
.. تابع
يبتعد الرجل، ويبقى صدى صوته، تقول، الليل يستر كل شيء عدا الأصوات، فهذه الذبذبات تتسرب إلى الآذان مع الهواء، فلو أن امرأة شهقت في عراء الليل، لأسمعت من به صمم.. تبتسم أنت، تعود أدراجك إلى السرير بعد شعورك بالتعب من الوقوف، تقفل الزجاج، وتسدل الستارة، تعدل الوسادة، تسند ظهرك، تتذكر سيجارة كنت قد خبأتها منذ فترة، شعرت بالشوق، إلى رائحة الدخان، على الرغم من أنك، لم تدمن التدخين، لكن في ساعة وله، تشتاق إلى الدخان، تفتح العلبة، وتأخذ سيجارة، تأخذ شهيقاً عميقاً، يتغلغل الدخان في رئتك، حتى تنتابك دوخة طفيفة ثم بعد استراحة قصيرة تستعيد أنفاسك. تمز مزة أخرى لكن بتأنِّ، وعيناك ملتصقتان في السقف.. عاودك السؤال، لماذا أراد أبو سيف أن يهول من شخص صاحبه.. أهو حقاً يستحق ذاك التهويل؟ وهل سيستطيع أن يقدم لي شرحاً وافياً عن هذه الساحرة.. تصمت قليلاً.. تأخذ مزة، ثم تخمد السيجارة في المنفضة، تنظف يدك من الرماد، تقول: كيف سيكون شكله، وجهه، هيئته، قامته، طويل أم قصير، سمين أم نحيف، قبيح أم جميل؟ وتقول: عادة ما يكون هؤلاء، أشبه بالأشباح، يكونون قبيحي المنظر، لأنهم، يهملون أنفسهم، ولكي يعطوا أنفسهم هيبة ومهابة، فإنهم يطيلون اللحى ويكثفون الشوارب، ويجحظون أعينهم ويكونون دوماً جاهمين، واجمين، عابسين، لا يبتسمون، إلا في حالات الضرورة، وإن ابتسموا فإنها تكون باهتة وجامدة. تقول: إذا كنت أنا، أوقن تمام اليقين، أن كل هذه التصرفات ليست إلا تهويمات وإيحاءات، وخدع بصرية، لا أساس لها في الواقع، تقول مرة أخرى: إذا كنت واثقاً بأنها خرافة فلماذا أتعمد البحث في تفاصيلها، وأجهد نفسي، وأعرض نفسي لمتاعب أنا في غنى عنها.. ثم تعود ثانية لتذكر نفسك بالبحث الذي نذرت نفسك من أجله.. لا.. لا بد من التعب، بل أشعر بيقين أنني سوف أقف عند نقاط مهمة، في مسألة أم داس، وعلاقتها بأمور كثيرة.. إذاً يجب أن أعود إلى صديقي في أقصر وقت، لأذهب بصحبته إلى ذلك الكاهن.. أريد أن أعرف سر هذا الرجل، كما أريد أن أتقصى السر الأكبر.. أم داس.. آه، تقول وأنت تتأوه: كم لعبت هذه الشيطانة اللئيمة، بالعقول، وكم أمرضت وأماتت.. أجل كانوا يموتون خوفاً لمجرد سماعهم صوت خشخشة من خلف الجدران، أو قبل ذلك، خلف جريد الخيام المتداعية.. الأطفال بالذات كانوا يتبولون في فراشهم.. تقول: أنا كذلك كنت أتبول، وأمي كانت تنهرني، وتمقت هذه العادة السيئة، لكني لم أذكر قط أنها أخبرت أبي بأمر هذا التبول.. تقول: بعض الأمهات عظيمات تستحق الواحدة منهن أن يبنى لها تمثال في شارع عام.. كانت تعرف أمي، لو علم أبي بالأمر، فإنه لن يستطيع فهمه على أنه تبول لا إرادي، لكنه سوف يشبعني ضرباً، ويوسعني زجراً ودون فائدة.. الآباء طبيعتهم الخشونة، والأمهات الليونة. لذلك، يحن الأبناء إلى الأمهات أكثر من الآباء..
تقول: يجب أن أنام، تحاول أن تطفئ النور، أطفأته، وسحبت الملاءة القطنية حتى غطت وجهك، تريد أن تغيب عن العالم، لا تريد أن ترى شيئاً. تعود منذ زمن، عند النوم لا بد أن تغطي وجهك، تقلبت كثيراً، نفخت متذمراً، النوم لا يأتي بالسهولة المعتادة لكثير من الناس.. تقول: الليل سبات، وراسي لا يسبت، ولا يخفت.. أحب اليقظة كثيراً، لكنني أيضاً أحب أن أرتاح.. يجب أن أرى أبا سيف غداً، وليس في استطاعتي تأجيل الأمر إلى يوم آخر..
تقول: لم أنم إلا ساعات قليلة، لم تتجاوز الثلاث ساعات.. نهضت مفزوعاً، أسناني تصطك، وركبتاي ترتجفان، وشفتاي ترتعشان، وجسدي كله أشبه بسمكة مقذوفة على الرمل، أحاول أن أمتلك لساني، أو أن أمسك بشيء ما جامد كي أخفف من الانتفاضة العارمة التي عمت جسدي، لم أستطع فعل أي شيء، كان الحلم مفزعاً، مرعباً، شكل جهنمي تراءى لي، على هيئة طائر ضخم، بمنقار طويل وحاد، رأيته يقترب من وجهي، ويرفرف بجناحيه العريضين، وكأنه يريد أن يخطفني.. حاولت أن أتحاشاه بيد أنه كان يطوق المكان أكثر مما يطوق بدني النحيف، احترت ماذا أفعل، لجأت إلى الملاءة، خبأت جسدي تحتها، خبأت وجهي، انكببت على وجهي، وغطست في بحر الوسادة القطنية، كان ينهق كالحمار، ولا يزغرد كالطيور، كان يحرحر كالوحش الضاري، يقف على ظهري، شعرت بثقله فقدت أنفاسي، صرخت دون جدوى، كان يصفعني بأحد جناحيه كي ألجم فمي، همدت ولم أتحرك، عيناه أشبه بجمرتين متقدتين، أنفاسه تخرج من جوفه ساخنة كالجحيم، مخالبه كمسامير الحديد، ماذا أفعل.. قلت لم أفعل شيئاً سوى أنني سكنت كالذبيحة على مقصلة الإعدام، وبانتظار ما سيسفر عنه هذا الغزو الغاشم، أسرفت في النحيب الداخلي، كطفل مختون، أكظم حنقي كي لا أستفزه بنظرات استجداء، لكنه لم يكن يأبه لمحاولاتي في استعطافه.. بعد مضي فترة، رأيت مجموعة من طيور أخرى، تهيم في فضاء الغرفة، وتصدر زمجرة مرعبة، أسمع صفقات أجنحتها العظيمة فأنكفئ مختبئاً في جلدي المقشعر لا أحد سواي في الغرفة وليس بجواري من أستعينه، لبثت متحيراً كي أستطيع التخلص من هذه الورطة.. بينما العدوان يزداد شراسة. بعد فترة وجيزة، تغيرت صورة الطائر الضخم، وبرز أمامي بهيئة كائن قبيح المنظر، يرتدي عباءة، يخرج من أطرافها شعر كثيف، يداه بطول قدميه، أو أقل بقليل، لكنهما تنفردان كجناح نسر جبلي، يقف عند رأسي، وتخرج من عينيه، شذرات من لظى وحميم، شفتاه غليظتان متدليتان، وأنفه ضخم، بحجم حبة الباذنجان، وجهه أسود فاحم، يحمل بإحدى يديه فأساً حديدية.. قلت عندما استيقظت صرت تبحث عن الشبح المرعب، تلفت كثيراً، بحثت عن نفسك قبل أن تبحث عن الصورة المفزعة.. عدت إلى الفراش، استلقيت، حاولت أن تسترجع المشهد المروع، وعيناك تغرقان بالدموع.. عدت إلى علم النفس.. حاول أن تفسر، أن تحلل، أن تصل إلى تيمة الحلم، وجدت نفسك تعاني من خوف شنيع لم يسعفك على التقصي.. فتحت الدرج، شعرت بحاجة إلى حرق أي شيء.. أشعلت السيجارة، دخنت، زممت العقب بعنف وبشراسة، وبمحبة أخذت الدخان إلى صدرك، سحبته امتلأت رئتاك جيداً، ثم زفرت، طردت الدخان بتنهيدة عميقة، كررت بانتظام أخذ الدخان، شعرت بأنك بحاجة إلى كأس شاي دافئ، لكن قدميك لا تحملانك، بعد الحلم، وبعد الاستيقاظ، ترهل جسدك برداً، ونزف العرق من مسامه، غزيراً، أسندت ظهرك إلى الوسادة، تأملت السقف وحلقت في فضاء الغرفة التي كانت ممتلئة، بالضجيج والصور، المخيفة.. قلت.. هذه سلبية من سلبيات الوحدة، العزلة قد تلهمك الهدوء والسكينة، لكنها لا تنقذك من أحلام الليل عندما تباغتك.. قلت لو أن امرأة حافية تنام هنا، لو أن امرأة تجاور جسدي الآن، لنهضت، وأعانتني بكأس شاي ساخن وأسعدتني بهدهداتها، وقبلاتها، وتمسيدها على جبيني..
تغمض عينيك على صورة مثلى لحلم اليقظة.. قلت، كم هي الفجوة واسعة، بين حلم النوم وحلم اليقظة.. الشيء الذي تستحبه النفس لا يأتيك، وأنت قد أرخيت أعصابك، واستسلمت لعدم النوم، أو الأشياء اليقظية حتى، كالوحش الضاري يداهمك، ليلاً، ليقضي على آخر رمق في حياة هدوئك..
تقول: أحياناً أشاطر أبا سيف رغبته الجامحة، في حب النساء، لأنهن كائنات نبيلة، عندما تكون بجوارك كأنها تنعش مسام الجسد، وتطرد الشياطين، وتقودك إلى نعيم الجنات الخالدات.. تصمت قليلاً.. تقول: ليس فـيّ ما يخيف وما هو إلا مجرد حلم.. ثم تستعيد ذاكرة مجونك.. لكن الحلم لا يأتي من فراغ.. الحلم وسيلة للتعبير عما يقطن في اللاشعور.. إذاً أتكون هذه هي أم داس، التي أبحث عن تاريخها ولم لا؟ قد تكون ولكن ما يهمني الآن أن أعرف الأشياء الغامضة عن هذه الشيطانة.. تتراءى لي مجرد رموز مبهمة، لا تعنيني في شيء.. أي حلم مرعب يمكن أن يجلب صوراً بهذه الهيئة.. والأحلام في كثير من الأحيان تتشابه، ثم تضيف.. لا ضرر.. عليّ أن أمتلك ناصية الشجاعة، وأمضي قدماً لعلي أكتشف أشياء لم تكن في خلد الآخرين.. لا شك في أن الرجل الذي تحدث عنه صديقي سوف يعينني على الفهم.. أنا أفكر في أن أجد حلاً لمعضلة الجهل الملازم للخرافة.. تتشجع.. تنهض، تذهب إلى مطبخك الصغير، وتصنع الشاي تعود إلى السرير، تضع الكأس على الكوميدينو، وأنت تلهج.. يجب أن أذهب اليوم، فلا أوان، للتأجيل..
…
تقول عنها صومعة، لما دخلت الصومعة، كان الصديق يرتدي بيجامة قطنية مخططة بالأزرق والأبيض، بياقة عريضة عقدت بزر عند أسفل الرقبة، استقبلك بود مشيعاً إياك بابتسامة لطيفة.. شعرت بالإحراج قليلاً لما لقيته من حفاوة الصديق، وبشاشة وجهه المشرق، بنداوة صباحية، اكتسحت محياه المزخرف بالفرح.. ويبدو أنه كان، يتحين فرصة مجيئك إلى منتجعه، بحضور الحسناء، هيفاء العود، لدنة البشرة..
قلت: ما اسمها؟
قال: اسألها..
قلت: ما اسمك يا جميلة..؟
قالت بصوت عذب.. ماسة..
أحسست بأنها تنام على صدرك وهي تنزل الجفن الناعس على مقلة شعت بنضارة الشباب الأنثوي اليافع..
تلعثمت.. انعقد لسانك.. كان لا بد أن تمضي في الحديث معها، حتى تكسر حاجز الصمت، وتهزم خجلك.. لكنك، شعرت بأن الكلمات تتيبس على شفتيك الناشفتين، حاول أن تستنجد بصديقك، بيد أنه بدهاء الأخ المجرب تلهى في صناعة الشاي، تاركاً إياك وحيداً في صلب المعركة الوجدانية تقاسي مرارة عجزك.. بينما كانت الحسناء تفتل خصلة شعرها، متلمظة رعونة الفتيات، ذوات الأصول الشيطانية العريقة. تتنحنح أنت، تلعق شفتيك المصفودتين بأغلال الوجل المريع، تتلفت بينما جلس الصديق يراقبك من بعد عن كثب ويرسل إشارات مبهمة إلى الحسناء التي اقتعدت مسنداً كملكة متوجة..
قلت في سرك.. بؤس الشرف الوضيع..
أيعجز أربعيني مثلك عن مداعبة حسناء صغيرة، ولو بكلمات تفضي عناق الصمت المريب؟ لماذا أتصلب هكذا كالمتهم؟ ولا أستطيع أن أنبس بكلمة تفتح باب حوار على أقل تقدير تنتشلني من وهدة الارتباك. قدم أبو سيف كأس الشاي، لك، وللحسناء، وأخذ كأسه، وانزوى قريباً من الحسناء.. قال مشاغباً مشاعرك: ما رأيك، في هذا الطير؟
ابتسمت أنت، ازدردت ريقك بصعوبة، قلت بلهجة مرتبكة، رائعة.. وصمت منتزعاً نفسك من خيط بؤسك ثم رفعت الكأس، متشبثاً به وكأنك تريد أن تفر من موقفك العصيب..
قال الصديق.. ماسة من أذربيجان.. مسلمة..
لم تفه بكلمة، لكنك قلت في نفسك، ونعم المنتج الإسلامي، عالي الجودة.. قطع الصديق حبل أفكارك.. قائلاً.. ماسة، خريجة علم البيولوجيا، جاءت إلى هنا في زيارة قصيرة، من أجل التعرف إلى حضارة بلادنا، تعرفت إليها صدفة في أحد المتاجر، وبسرعة فائقة تعمقت العلاقة.. نظرت إليه مستخفاً بكلامه، وهززت رأسك محيياً الفتاة، ورشفت من كأسك، وقلبك يخفق مضطرباً، وودت لو أنك لم تأتِ في هذا الوقت، أحسست بأنك جئت في الزمن الخطأ، كما تحث خطاك دائماً إلى الأماكن في الأوقات غير الملائمة..
قال الصديق: تقول إن لديها صديقات كثيرات في بلادنا، وهن يزرن بلادنا بين فترات متعاقبة، تمضي الواحدة منهن أسبوعين أو ثلاثاً، بعد أن تتبضع، وتملأ حقائبها بمشتريات نادراً ما يجدنها في بلادهن..
وخزك قلبك.. فهمت مغزى حديثه، لا بد أنه يريد أن يعلق شباكك بواحدة منهن، أو أنه يريد أن يفهمك ألا تضع عينيك على رفيقته. وتزيح عن كاهله، مغبة شكوكه.. قلت بلهجة جادة: بلادنا بخير بل وصارت مقصداً لجميع الشعوب.. هذه حسنة من حسنات الانفتاح، مع غض النظر عن السيئات التي لحقت بهذا الاكتساح الرهيب للقيم.. يهز رأسه برماً.. يقول: أي قيم يا سيدي، وعلى من هذه الترهات، نحن بحاجة إلى تحسين النسل، وإضافة محسنات بديعية، على أجساد نسائنا، ألا تجد في هذه الحسناء ما يثيب الذين انفتحوا، ويرفع عنهم وزر أخطائهم.. ويرشف من كأسه، متسلطاً، وبعجرفة يستطرد قائلاً: انظر إلى الهيئة البريئة، انظر إلى المكانة العالية لوجه يحترم الأصول الحضارية لشعوب ناضلت من أجل استقلال المرأة وحريتها..
تتمتم.. تقول في لهجة ضارعة: لكنهم أيضاً ضحية لبطش شعوب أخرى.. أليس كذلك؟
يقول محتجاً: لا.. لا تفكر بهذه الطريقة العشوائية.. الاستغلال شيء وممارسة الحياة بعفوية شيء آخر..
وكانت الحسناء، تستمع إلى الحوار بلا مبالاة، كونها لا تفهم اللغة العربية، ولكنها تستشعر من الحديث أنك لم تكن راضياً كل الرضا عن وجودها في حضرة الصديق، لذلك كانت تشبعك بنظرات استرابة على الرغم من ابتسامتها الباهتة المتربعة على خدين، ناصعين..
سألت الصديق: هل له أن يصحبك إلى الكاهن..
قال، متململاً: لا أعتقد أننا سنجده اليوم.. فقد جئت في اليوم الخاطئ، حيث إنه في كل يوم خميس يذهب لزيارة أهله في عمان..
أيقنت أنك لم تأتِ في الوقت المناسب، وأن حدسك لم يخنك عندما قلت إنك دائماً تأتي في الوقت الخطأ..
قلت: إذاً يجب أن أعود إلى حيث أتيت..
الصديق أمسك بيدك، راجياً قائلاً: انتظر حتى الغداء.. ثم يردف غامزاً ألم تعجبك هذه الجلسة الشاعرية..
قلت: لا شكراً.. دعني وشأني، سأذهب الآن وأعود في وقت آخر..
يقول: وقت آخر.. متى بالضبط؟
غداً.. أليس الوقت مناسباً..
يهز رأسه.. لا غداً لن نجده.. ألم أقل لك إنه ذهب إلى عمان، والرحلة إلى هذه البلاد تستغرق يومين، بمعنى أنه سوف يعود بعد غد..
حسناً.. بعد غد ستجدني في الوقت الملائم.. وكنت تنظر إلى الحسناء وكأنك توجه الحديث إليها، حيث إنه قال إنها سوف تغادر غداً إلى أذربيجان.. اصطحبك حتى ولوجك الفسحة الخارجية من المزرعة، وكان يضغط على يدك معتذراً، مودعاً بحرارة، وكنت تملص أصابعك من أصابعه، متخلصاً من الحرج، وسوء الطالع، والانكسار الذي داهمك، إثر عودتك، خاوي الوفاض، إلى جانب أنك كنت تتمنى تحاشي مثل هذه المواقف التي تعتبرها أوقاتاً عصيبة، تغرق بإحساس الضيم، بما يعقبه من تأنيب ضمير، وانشغال مشاعرك بآلام العجز.. ابتعدت عن محيط المزرعة، لكن صورة الحسناء تطاردك بنظرات الإذلال، ولا بد أن الصديق سوف يشرح للحسناء ظروف فرارك وأنت خالي اليدين، ولا بد أنه سوف يسبغك بأسوأ الأوصاف لينبري هو أمامها الفارس المحض، الصنديد الذي لا يساويه مخلوق.. أجل سيقول عنك ذلك، وهذه صفة الرجال الماجنين، عندما يكونون في حضرة النساء، اليافعات الناضحات بشهوة الحضارات القديمة، المعطرات، برغبات هائلة تنثال من أنوفهن المفتوحة على رائحة الجنس.. تمضي في الطريق، في اتجاه الشارع العام، تحت اللظى، ممتقع ممتحن، تخفي حثالة الكلام الذي سمعته، والذي سيقال عنك في غيبتك.. تفكر في صديقك الذي حنط المشاعر القديمة، واستبدلها بقائمة من العواطف البلاستيكية المهجنة، والمصفدة بشكل لا يدع مجالاً لانثنائها أمام أي موقف أو حالة من حالات الإحراج.. فكرت ملياً في هذا الصديق، الذي خرج من كومة ركام أخلاق. واعتلى تلة أخرى، ووقف على رأسها ليؤذن في الناس، مبشراً إياهم بميلاد عصر جديد.. زمن يختصر المراحل، كما يختزل القيم ليضعها في حفنة ضئيلة، وقميئة، لا تفرج إلا عن رغبة واحدة.. شهوة ذكورية عارمة، حازمة، حاسمة، كاسرة، في ذروة فجورها، وانهيالها باتجاه الأنثى.. أنثى الركوب، والسطوة الغامضة، وأنت في الحافلة، تمر على المحلات التجارية الصغيرة، المعقودة في صفوف متراصة، وكأنها في طابور مدرسي تمر على الأشجار المعمرة، البساتين، ولكن رأسك معلق في مشنقة الصديق، الذي فجر الكرة الأرضية في وجهك، ومنحك الرجوم والشظايا.. لم تكن مفاجأة أن تعرف أنه رجل نسائي بالدرجة الأولى، ولكن ربما لأنك، صعقت حين قارنت نفسك بالصديق.. ستأتي بين السماء والأرض، لا فرق بين رجل وآخر، في كل المواثيق، إلا أن الصفة الفارقة هي ما يفعله رجال، ويعجز عن فعله رجال آخرون، هكذا شعرت، وكأنك وقعت في قعر بئر سحيقة، طوتك الظلمة والوحشة، والشلل، حين حاولت أن تعالج عجزك، بكلمات مختصرة، فلم تعبأ بك تلك الحسناء، لأنها أنثى، والأناث ساحرات، في فهم معاني الرجال.. من أول وهلة، عرفت أنها تحتقرك، وتقلل من شأن حضورك، فلم تلق بالاً لوجودك، بل انشغلت في حساب الوقت ومتى ينتهي موعد زيارتك المشؤومة.. بقدر ما كنت تحب صديقك، بقدر ما كنت حملت ضده كرهاً، شعرت بأنها مصيدة لاختبار قدراتك، وفخ المراد منه، استعراض عضلات الصديق، الذي دائماً ما يتباهى، بمصائده الزاخرة بالصيد الثمين.. قلت.. ولكن، يجب أن أمرن نفسي على مثل هذه المواقف مادمت قد قررت الاستعانة به، للمعرفة..
يتبع ..
-
8 - 12 - 2012, 12:10 AM
#12
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
قلت ما المرأة.. ما هذه المخلوقة العجيبة التي أتحاشى الوصول إليها.. ولماذا الاقتراب منها يبلد الجسد، ويجمد القلب، وتتصلب الشرايين لمجرد رؤيتها؟ من فوهة هذا الفندق، المنصوب كالوهم، عند شاطئ البحر، في البلدة المسحورة، والمذعورة من ظلام سمائها، واكفهرار ترابها، تمر أنثى، كل مساء، مرتدية بنطالها الأبيض المحزوز عند الردفين، وقميصها الأحمر الفاقع، المربوط عند دائرة السرة، فيبرز جزء من البطن مشاغباً الفراغ وأعين المتلصصين بشظف الرغبات المؤجلة، أو المسربلة بالتأويلات وتراتيل أصحاب التعاويذ السماوية.. أنظر إليها.. تقول إنك تنظر إليها، وتتفحص التفاصيل بعناية، ولما ترمقك، تنتفض، كطفل ضبط يلعب بعضوه التناسلي.. تقول إنك تفعل ذلك، عندما تغرقك التضاريس الأنثوية بسيل من المشاهد المزدحمة بصور النهايات القصوى للجسد، المكتوي بنيران اللظى الصيفي، المحاصر بفراغ غير منته.. هي أيضاً، تستدعيك بنظرات عفوية، وقد لا تقصدك، لكنك تشعر بأن النداء الداخلي يستجيب، لكنك تردعه، تقمعه، بكل ما أوتيت من وجل، وترتجف أطرافك وكأنك تخشى الوقوع من علٍ إلى أسفل محفوف بمخاطر جمة.. تحاول أن تشيح، لكن قوة تسطو على إرادتك، تجعلك تخنع بضراعة، وهشاشة، تظل هكذا بين البين بين، لا تقاوم، لا تقدم، لا تحجم، لا تفعل شيئاً غير أنك، تعصر القلب، فينزف.. تقول إنها، ماضية في الإغراء، وأنت مستمر في الإطراء، عيناك غزالتان فارتان من ناب ومخلب، قلبك أرنب مذعور، يفتش عن ملاذ، لكن القدرة الأنثوية الفائقة، تتغلغل في أحشاء الرغبة الليلية، تزلزلها، وتهز جذعك، ولكن بلا ثمار.. تقول إنك لا تكره النساء، بل إنك تشم في رائحتهن طيب الحياة، ولكن لا شيء يدهشك عندما تقترب، أو عندما تنوي الإطاحة بمقمع النفس.. تقول إنك كم مرة ومرة زعقت في وجه فيروز.. قلت يا فيروز، لقد ذبحتني هذه السوءات وأطواق الموت، أشعر بالاختناق، وأنا أجوس كالمغلل بالأصفاد، أحاول أن أهرب من شيء ما، أحاول أن أفك عقال هذه العقدة المحكمة حول عنقي، لكني بعد حين، أجدني أتقهقر، تقول إنك تصرخ بعنف.. تلعن الظلام الذي لا يريك غير الحلكة، ويغيب عن ناظريك النجوم والأقمار وعيون الإناث اللامعة، بالشهوات المباركة.. تستعيد صورة ماسة، صديقة أبي سيف، تجسدها أمام عينيك، تحاول أن تقرأ الحروف الهجائية في عينيها، تمرر إصبعك على شفتيها، تشعر بالدفء، لكنك فجأة تشد يدك بعنف، تشعر بالحرقة، تحاول أن تهدئ من روعك، لكن ماسة التي لم تطقها، تصدقك، تضحك بجلجلة ساخرة، ممتقمة، وتشيح في وجوم، لاعنة سلسبيل الرجال الأنذال الذين لا يصلون إلى الذروة. ولا يحققون غير الخذلان.. تقول رأيت في عين ماسة، لعنة شيطانية، تطحن رأسك، ترديك صريعاً، ثم تضع هي قدمها على عنقك، تقول لك باشمئزاز مت أيها النذل، أذهب إلى الجحيم.. تقول إنك حاولت أن تنهض وتصفعها، لكن رغبتها الجامحة، هيضت قوتك، بل صرت أنت الذي تلحس عرق الأرض، وتمد خطمك كالحمار البائس، تحاول أن تستعيد الصورة مرة أخرى، بيد أن ماسة تختفي فجأة، تاركة وراءها النقمة، وفجور النساء، المسحوقات بالغبن.. تقول إنك تعود ثانية، تنظر إلى المرأة التي لم تزل تمارس غيها تجاهك، وتسرف في سحق إرادتك، وأنت تتأمل الوجه بإمعان، تتحرى الدقة في تصوير الردفين الناهضين، وكذلك ترنو إلى المنتصبين في الصدر، تود لو أن لك قارباً يمخر عباب ما بين الشاهقين، ثم تضع لسانك الظامئ على شفة الجبل، البنية، وتظل تلعقها حتى تحمر، ويلتهب جلدها.. تذهب بعيداً، تفر عميقاً، تتصور أنك قد تفقد عقلك فيما لو استمرأت هذا الخيال اللعين، ربما أراد صديقك أن يغري روحك، ويأسرك بما جاءت عليه الطبيعة، من أجساد لا تفنى ولا تزول، فهو الذي يجدد نسيجها، ويلون الأرض، بحاملات الصدر الزاهية، عندما تقذف على جانب السرير، لتكتمل حلقة العناق البوهيمي، وتتطور العفوية إلى شهقة ما قبل الذروة.. تقول إنك في حيرة من أمر هذا الصديق، تحبه لأنه عفوي، وتنفر منه لأنه سمج، وماجن إلى حد الانتحار.. تقول إنك تحاول أن ترتب هذه الفوضى في داخلك، تشعر بأنك، كالوعاء المهشم، نثارك يزعجك، وينهك قواك العقلية تقول إنك لا تريد أن تفقد عقلك، تريد وعيك، لكي تكمل البحث الذي بدأته، تقول إن المدهش في الأمر أن النساء اللائي تريد تحاشيهن، يتوافرن بكثرة، وينتشرن في الأمكنة كالأحجار الملونة، تتحاشى إحداهن، فتتعثر بأخرى، ولا تدري ما الذي يجعلك تتعثر ثم تتبعثر، ثم تنثر تأوهاتك حتى تنصهر الشمس التي تغسلك بالعرق..
تقول بحسرة.. ها هي، قد عادت، ويبدو أنها تريد أن تختزل الزمن في لحظة، وكثيرات هن اللائي، يعتبرن اللحظة تاريخاً يمتد إلى عقود، وتقول: لو أن هذه المرأة فكرت أن تتعرى، وتنزع كل ما على جسدها، وتأتي تواقة إلى هنا، إلى حيث أجلس في هذه الغرفة. ثم تبدأ في تهجي تفاصيل جسدها، فقرة فقرة.. يا ترى ماذا سأفعل.. هل سأكظم غيظي وأحبس أنفاسي، وأغمض عيني، إلى أن تنطفئ وتزول؟ أم أني سأرتعش خوفاً، ويخفق قلبي، ثم يغمى عليّ.. وألا أصحو إلا وأجدها تعتلي جسدي، وقد نفضت ما في جوفها، ثم تصدمني بعنف قائلة: نذل.. جبان.. رعديد..
تقول بتوجس، هل صحيح كما يقول بعض الرعناء، إن الرجل الذي لا يطفئ رغبة امرأة، إنما هو حشرة حقيرة، تستحق الإبادة؟
تهز رأسك، وتزم شفتيك، ممتعضاً.. تقول: في المجتمعات الذكورية تقاس الفحولة بقدر امتطاء الخيول الأصيلة، وهذا وهم..
تقول إنك، تسأل نفسك ثم تجيب عن سؤالك، وأنت كما أنت، لم تزل تشعر بالأسى، عندما ترمقك هذه الأنثى بعينين، تشعان بلمع الجمرات.. تقول: الحل أن أقفل النافذة، وأنكفئ على السرير، ولا أدعها تمارس الفحولة المضادة.. تقوم، وتوصد النافذة، وترخي سدول الستارة، ثم تنط على السرير كالطفل المرتجف، تأخذ سيجارة، تقول إنك صرت تداوم على التدخين، وربما لأنك تريد أن تطرد كائناً ما بدخان الغليون الخانق.. تمز الدخان، ثم تقذف بالكتلة الرمادية، خارج فيك، تتصعد ولهاً في داخلك قوة صارمة، تدعوك لأن تفتح النافذة، أو على أقل تقدير أن تطل من خلال الزجاج.. تنهض، تتردد، تعود وتجلس على السرير، لكنك تنهض مرة أخرى، ترفع الستارة، تلصق وجهك بزجاج النافذة، تلتصق أنت بكامل بدنك، المرأة تصول وتجول ولكنها هذه المرة، ابتعدت قليلاً.. يبدو أنها أنهكت جسدها ركضاً.. تلاحق شبحها المتواري، خلف سدول الظلام، وهي تتجه نحو الإضاءة الخافتة لمصابيح الفندق.. تيأس، تعود ثانية إلى مخدعك..
قلت: تملكني الخوف وأنا أجثم على السرير، وأزم شفتيّ، وعيناي منتصبتان في السقف.. قلت لو أصبت الآن بوعكة صحية، فمن سيأخذني إلى الطبيب، من سيساعدني على النهوض من هذا المخدع؟ قلت: سوف أفطس بعد أن أنفق كالحيوان الموبوء، وسوف تطير رائحتي إلى أنوف الجيران، ولن يتجرأ أحد على الاقتراب من جيفتي العفنة.. سوف يستعينون برجال الإسعاف، والإنقاذ، سوف تأخذني سيارة الإسعاف ملفوفاً بقماش أبيض.. لا.. لا.. بل سوف يطوون جثتي بنفس الملاءة التي أنام عليها، سوف يقذفون بي في حفرة عميقة، وكأن شيئاً لم يكن.. بمعنى أن هذا الكائن الذي يفكر، ويتحرك، ويسرد القصص والحكايات، وينقم على هذا، وينتقد ذاك، ويحقد على غيره، سوف ينتهي إلى لا شيء.. الحشرات التي تنفق يستفيد منها أكلة اللحوم، وكذلك الأشجار التي تتغذى على بقاياها كسماد.. أما أنا فلن تستفيد مني البشرية ولا الحيوانات ولا النباتات.. إذاً أنا أشبه بالعدم.. قلت.. ما العدم؟ أهو كائن حي، أطلق عليه العدم، كونه لا يرى؟ إذا كان الأمر كذلك فإن الفضاء يعج بكائنات لا نراها، وقد تكون ضخمة بضخامة هذا الكون الفظيع.. قلت.. ماذا جرى لعقلي؟ أصرت أهذى؟ العزلة تفعل بالإنسان ما يفعله السحر.. السحرة والكهنة يعيشون العزلة، لزرع تخيلاتهم وتصوراتهم حول الكون.. أبو سيف يعيش في عزلة لكنها عزلة غير التي يعيش فيها المشعوذون، لأنه رجل ملأ كونه بالنساء، وتشبع برائحة أنفاسهن. أما الرجل الذي حكى عنه فهذا بحق كاهن يصنع الخيال بنفسه، ويحيك القصص، وقد يسرد لي عندما أقابله قصصاً وهمية عن أم داس، لا أساس لها في الواقع.. وقد تكون أم داس هذه مجرد وهم.. ولم لا؟
تقول.. أما أنا، ما أشعر به هو شيء من الهلوسة، لو أن امرأة ما تجلس هنا في حضني، فألعق شفتيها، وأمرر يدي على جسدها، فتعطرني بأنفاسها الحارة، فلن أشعر بالوحدة.. يقولون: الذي أنجب ما مات.. الأبناء يعيدون صياغة الكيان الأبوي..
تتأفف.. تضجر.. تشعر بأنك كمن يحاول أن يتسلق جبلاً وهو عاري البدن، نزيف داخلي، إثر انسحاق قلبك بحاسة العدم.. تقول، العدم، لو نظرنا إلى أشياء كثيرة، تبدو أشبه بالعدم.. لأن تلك الحسناء.. ماسة.. بالنسبة إليّ عدم.. لأنني لا ألمسها، وشيء لا تلمسه هو عدم، لا شيء.. تضحك.. لأول مرة منذ زمن تضحك، يرتفع صوتك وترتطم الجلجلة بالجدران، فيرتد الصدى، مزلزلاً بدنك.. تأخذ نفساً عميقاً، وتقول يا الله.. كم هو الضحك مريح، أشعر بأنني أزلت عن صدري حجراً ثقيلاً.. أحس أنني أذبت جبلاً جثم على قلبي.. تنهض من الفراش تتوجه إلى النافذة، الظلام يكسو الفراغ أمامك، لا ترى غير هامات الأشجار السوداء، وهي تبحلق في الفضاء من خلال الجدران المتهالكة في البلدة القديمة.. وأنت تحاول أن تحملق لترى شيئاً ما يسعدك، تقول لا شيء.. كل الأشياء داكنة ما عدا أنوار الفندق، الذي يبدو نافراً وهو يطل على البلدة بخيلاء وبطر، كونه المكان الوحيد، الذي يتزحلق على أضواء تلألأت كالنجوم واستقر بنيانه الشاهق على الأرض الرخامية.. مكان أشبه بشجرة غريبة نبتت في تربة قاحلة.. تقول في امتعاض.. لماذا يشيدون مثل هذه المنشآت التي تقفز على مراحل التاريخ، فتبصق في وجه البيوت المتهالكة بسخرية مرة.. وتضيف، البلدة تبدو كلقمة ممجوجة أمام هذا العمران المترف، بأحجاره الكريمة، والسيراميك المنقوش بأشكال هندسية خلابة..
تقول إنك شعرت بضجة حادة في قلبك المنجبس، كمن يسحق مسماراً حديدياً على لوح زجاجي، عندما ماءت قطة تحت النافذة، من خارج الغرفة.. تقول إنك فعلاً توجست، وتخيلت في البدء أن هذا الصوت يصدر من حنجرة امرأة، تفاقم جسدها بنيران، وجودية صارمة.. توجست، حين انتهك سكونك المواء البغيض، نهضت، أطللت من النافذة، وكان قلبك يخفق، ويضرب قفصك الصدري، بضربات عنيفة، تذرعت بالصبر، أصغيت جيداً، ولما لمحت القطة، خشع قلبك، ولم تتوانَ عن الشهيق، تبينت القطة كي تتأكد أنها ليست خيالاً، تأكدت من وجودها تحت النافذة، فكرت أن تلقمها حجراً، لتهشم رأسها، لكنك، غيرت رأيك، تناولت قطعة رغيف ملفوف حول إصبع نقانق، رميته، قفزت القطة في البداية مذعورة، ثم تقدمت نحو المادة الملقاة أمامها، بخطوات حذرة، قربت أنفها من لفة النقانق، ثم انقضت عليها، ملتهمة إياها دفعة واحدة.. وأنت تتفرج على فم القطة وهي تمضغ الطعام، وعينها متربصة بأي خطر داهم، لا شك في أنها تعرف أنك أنت الذي أطعمتها، لكنها لم تزل متوجسة، وتخشى أن يكون الطعام طعماً من أجل الاعتداء عليها. قلت: لا يبدو أن القطة، من تلك الحيوانات الأليفة، وأنها تنبش في الذاكرة. قلت: القطط في هذه الأيام تبدو متوحشة، خائفة، لأن البيوت على اتساع أفنيتها ما عادت تألف القطط، هذه الحيوانات التي كانت تنام في فراش الصغار، تستنكفها الصدور اليوم، وتروغها بعيداً، بل كل ما تناله من طعام إنما من خلال براميل القمامة، وبفدائية تخوض القطط صراعاً مريراً مع الشوارع المتوحشة، فلا يمر يوم إلا تجد هرة، مسحوقة على الأسفلت..
قلت لقد أجهشت بالبكاء مرة عندما شاهدت قطة كبيرة تقف بجوار قطة صغيرة، وقد سحق نصفها الخلفي، على الرصيف، بينما القطة الكبيرة تقف مندهشة من عنفوان البشر وتهورهم، وانصياعهم للحماقة.. وهي تتلفت وكأنها تلعن من صنع هذه المركبات الحديدية، لتقع تحت طائلة من يجهل قيمتها ولا يرحم خلائق الكون.. تأملت هذه القطة وهي، تقشر قطعة الخبز، رويداً رويداً، وتلتهم بأناة بعد أن اطمأنت أن لا أحد يراقبها وقد كنت قد أخفيت جسدك خلف الستارة، وبقيت تطل عليها من خلال شق ضيق.. انتهت القطة من الأكل، وانقطع العواء. قلت: المسكينة كانت جائعة، وكانت تنادي، لعل من يستجيب.. شكرت نفسك على فعلك النبيل، أيقنت أنك قدمت خدمة جليلة لكائن لا يملك غير الاستغاثة.. عدت إلى فراشك، مستنداً، هادئاً شيئاً ما، ألقيت بدنك على الفراش، وحضنت الوسادة، بلهفة.. قلت: كم هي دافئة، كصدر امرأة حنون.. غصت في مخمل الهدوء، وأنت تغطس وجهك في نعيم المخدة الوادعة.. قلت: ليت النساء كالمخدات.. ولو كن كذلك، لما أتعبن من يعتلي أبدانهن، ولا يفرضن الشروط الطائلة.. دافئة، وساكنة، ووادعة، هي المخدة.. أما النساء، فهن أشرس من الضواري إذا لم يعرف الرجال فن المعالجة لأجسادهن الملتهبة.. تغوص في المبهم، تهيم.. تدوم في اللحظة الراهنة، وتختصر عمرك، في معانقة القماشة المحشوة بالقطن.. تقول: يجب أن أنام لأصحو باكراً، وأذهب إلى أبي سيف.. بالتأكيد هو ينتظرني، ليس لاصطحابي إلى الكاهن، بل لسرد بطولاته، ومنجزاته الحضارية العظيمة مع حسنائه البديعة.. سوف يقول لي ما لم يقل في الحكايات الأسطورية، ويفرد ذراعيه مفتوناً بنفسه.. وسأجلس أنا كالتلميذ النجيب الذي ينصت ولا يسأل إلا حين يسمح له بالسؤال..
يتبع ..
-
8 - 12 - 2012, 12:11 AM
#13
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
عند الرجل الجليل، الشيخ ضاوي، تصلبت أنت، وشخصت البصر، تتبين الوجه الناحل، المعشوشب بالشعر الأبيض واللحية الطويلة.. عيناه الحمراوان تدوران كجمرتين، وأسنانه البيضاء التي يفركها بالمسواك بين الفينة والأخرى تبرز من فم، تدلت شفتاه الذابلتان..
تقول إنك كنت مشدوداً، ومتوتراً، وزادت هيبة المكان رهبة في قلبك، الغرفة الصغيرة المزدحمة بالكتب والأوراق، والأقلام، والأواني الخزفية تتناثر بلا نظام، والملابس المعلقة في مشابك ثبتت عند زاوية من الجدار، ولكن ما كان يشعر بجلال المكان، هذا الصمت الخفي لكل ما يدور من حولك، والنور الخافت الذي، انسل منه الشيخ ضاوي كالسيف القديم قدم الدهر.. قبل أن ينطق بأي كلمة، قلت إنك اقشعر بدنك وبدأ قلبك يخفق خفقات ضارية، خشيت أن تقع مغمى عليك وتسقط أمام الرجل ولا تحظى بمرادك، وتعود خاوي الوفاض.. أجل قلت إنك خفت أن تفشل في هذه الجولة، وبالطبع لن تكون بعدها جولة أخرى، لا شك في أن أمثال الشيخ ضاوي يهمهم أن يكون الشخص الذي يجلس أمامهم، يشعر بالرهبة، فالسيطرة على مشاعر الطرف الآخر لا تتوافر إلا بالاستيلاء، على إرادته، وكلما كان الشخص ضعيفاً، سهلت المهمة.. مهمة، السطو على عقله وجعله وسيلة مطيعة، للإقناع.. قلت إنك لبثت هكذا متماسكاً شيئاً ما، أو بالأحرى، أنك تحاول أن تتشبث بخيط الصمود لتتمكن من قلب هذا الرجل الذي يبدو عليه ومن خلال هذه الأكوام من الكتب، أنه يملك معرفة واسعة، بالشأن الذي جئت من أجله، كان صديقك أبو سيف يجلس بجوارك، متحكماً في أعصابه، بل إنه يشبع الرجل بابتسامات عريضة، قلت.. أيقنت أن أبا سيف أكثر صلابة منك، أو أنه يحاول أن يخفي ما يكنه في جوفه، لكي لا يضعف.. قلت في نفسك: أنا أيضاً أستطيع أن أكون مثل هذا الزنديق.. أستطيع أن ألجم خوفي، كما يفعل هو.. ولماذا الخوف من رجل كسائر البشر؟ فلا يحمل سلاحاً، ولا منجلاً كما تفعل أم الدويس.. إنسان عادي بطبيعة عفوية، وربما تكون سحنته تختلف عن سواه، كونه يعيش في هذه العزلة، ولا يهتم بهيئته.. تقول، عندما فتح الشيخ ضاوي عينيه، ورفع بصره، ليطل عليك، بشعاع، أو أشبه بوميض البرق، ارتعدت فرائصك، قرفصت ساقيك الباردتين، وفرقعت أصابع يديك، وتلمظت، حاولت أن تشيح قليلاً ناظراً إلى صاحبك، الذي أسرف في التحديق فيك وكأنه جاء لاستجوابك، وليس لسؤال الشيخ ضاوي، لبثت هكذا مضطرباً حقيقة، وجفناك يطرفان، بتوتر، وأنت تحاول أن تلتزم النظام، تحاول أن تخرج من شرنقة الخوف، تريد أن تطير قليلاً لتحلق في السقف.. قلت في نفسك: لو أن إرادتي تحملني قليلاً إلى فوق، وأظل معلقاً في سقف الحجرة الخشبية، سوف أطرد هذا الشيطان الذي يسكن تحت جلدي، ويهز جذعي، كأنني جذع نخلة تشوهت، شعرت بأنك تتشوه أمام الشيخ الجليل وأنت الجامد كالخشب المسند، لا تملك إرادة الكلام، وصاحبك ينظر إليك، يلاحق خفقات قلبك ثم يشيع الشيخ وكأنه يريد أن يحثه على الكلام، طالما يئس من تحريك لسانك المتبلد.. تقول: تنحنح الشيخ، وتزحزح معتدلاً، مسنداً ظهره إلى الأريكة القطنية، ثم أطرق: ما اسمك يا ابني؟
قلت: فيروز.
قال: ونعم الأسامي.. ثم أردف هل تعرف أن الفيروز هو من الأحجار الكريمة..
قلت: نعم وأنت تهز رأسك..
قال: وأنت فيروز..
قلت: شكراً سيدي..
وكانت إجاباتك وردودك مقتضبة، ومتلعثمة..
قال في لهجة، باردة، وجادة..
أنت مرتبك؟
أومأت برأسك.. لا.. لا سيدي..
قال: بلى..
زممت شفتيك والتزمت الصمت..
يتدخل صاحبك.. هو دائماً هكذا.. خجول وقليل الكلام..
يبتسم الشيخ.. ثم يغمض عينيه، وكأنه يبحث عن كلمة ما.. قال..
الحياء من الدين، ولكن أحياناً يخسر الإنسان جراء حيائه الكثير الكثير من المواقف.. ثم يستطرد.. لا يا ابني.. عند مجالسة الرجال يجب أن تفتح قلبك وعينيك، ولا ترتبك، حتى تستطيع أن تصل إلى ما تريد بوضوح.. قلت: شعرت بأنك كالصبي الصغير، يتلقى التعليمات، كرهت نفسك.. احتقرت تصرفك المشين، قلت: كان عليّ أن أكون أكثر جرأة، وأن أتخلى عن خوفي.. هو وصف تصرفي بالخجل، لأنه لا يريد أن يحرجني، لكني أعرف أنه يقصد أنني جبان. ثم أردفت.. كيف أعد نفسي مثقفاً كبيراً، وأجتهد لحل معضلة شغلت الناس، كما شغلتني وأنا أجبن أمام رجل أشيب، أقرب إلى الهيكل العظمي..
يتدخل صاحبك قائلاً.. بلهجة، مترفة: فيروز جاء ليستعين بك يا شيخ..
تنحنح الشيخ ضاوي.. أبشر.. نعين ونعاون..
قال صاحبك: فيروز يريد أن يجمع معلومات عن أم الدويس، وهو مشغول بها كثيراً، ويريد أن تساعده..
يضحك الشيخ ضاوي.. يفتل لحيته، وعيناه مسقوفتان في الأعلى، ثم يطرق: ماذا يريد أن يعرف عنها.. فهي لم تشغله هو فقط، بل شغلت الناس أجمعين، وخوفتهم وأرعبتهم، وبخاصة منهم الجهلة، وقليلو المعرفة بهذه الكائنات، الماورائية، العملاقة..
استيقظت خلايا جسدك.. واستقرت الجمرات تحت جلدك، قلت إنك لما نطق كلمة الماورائية، شعرت وكأنه يريد أن يغوص، بك في أعماق غائرة، أو أنه يريد أن يفض بكارة المبهم في هذا العالم.. تحريت وجهه الجامد، قرأت تفاصيل بشرته السمراء الناحلة، سحرتك بلاغته.. أحسست بأنك صغير جداً أمامه.. كنت تتخيل أنك ستقابل رجلاً طاعناً، يحفظ قصصاً خرافية، قد تفتح لك مجالاً للشك لا أكثر، بينما الآن وأنت تجلس قبالته، يواجهك كائن خرافي عجيب، يطل عليك، بمحيا، واجم لكنه ليس مكفهراً، بقدر ما هو مرسوم على شكل إنسان قديم، جاء من عالم ماورائي، ليحكي للناس عن قصص الجن، والكائنات العملاقة والمهيبة..
كان صاحبك يرقب الموقف عن كثب، كان ينصهر قلقاً من ارتباكة أصابعك، كان يخشى أن تخذله. فقد وصفك بالباحث، والمثقف، والأكاديمي، الذي يهم بإجراء دراسة عن أم الدويس، بينما تبدو الآن أمامه كطفل مرتعد يكاد يتبول على نفسه..
قلت: كان الشيخ فطناً، محنكاً، أدرك أنك لم تزل لم تألف الموقف، وحتى يخفف من وطأة اضطرابك، استأذن ليعالج إبريق الشاي.. غاب برهة، فلكزك أبو سيف قائلاً: ما بك، تنتفض هكذا.. ألست أنت الذي طلبت مقابلة الرجل، ها هو يجلس أمامك، رجل مسالم، رزين، وذو شيمة عالية، فليس ساحراً، ولا دجالاً، ولا مشعوذاً..
قلت إنك.. تمتمت، بلهجة أقل اضطراباً.. لا عليك، دعني قليلاً وسوف أعيد ترتيب مشاعري، رهبة الموقف، ولأول مرة، أجد نفسي أمام رجل كهذا وبهذه القامة المهيبة، فلا بد أن أكون مرتبكاً.. ثم وأنت تربت على ظهر صاحبك، هون عليك، وسوف أستعيد طاقتي، وأوجه الأسئلة إليه تباعاً.. زم صاحبك شفتيه، ملتزماً الصمت.
أخذ صاحبك كأس الشاي قائلاً: من يد لا نعدمها..
وأخذت أنت كأسك، شاكراً فضل الشيخ..
يتربع الشيخ بجوارك، وابتسامة مشرقة تتراقص بين شفتيه..
قلت: شعرت بالارتياح، ربما من سخونة الشاي، أو من الابتسامة، المهم، أنك شعرت بشيء من ارتخاء الأعصاب، وأمسكت الكأس الكبير بيديك، وعيناك تشخصان في وجه الشيخ، قلت في نفسك متحدياً، هذه المرة لن أدعه ينتصر عليّ، لن أتركه يشيع الفزع في نفسي، ويبدو أنه رجل وديع، بوداعة الكائنات النبيلة الوادعة.. لا بد أنه بدا لي كذلك متوحشاً أول الأمر، أو أنني أنا الذي تصورته هكذا، بينما هو على غير ما تخيلت..
قال صاحبك وهو يثبت كأس الشاي قريباً منه: قلت لي إنك تعرف الكثير عن أم الدويس، وسبق أن أعطيتني موجزاً عن كنهها، وفيروز جاء ليعرف من هي أم الدويس، لأنه في واقع الأمر يريد أن يكتب بحثاً علمياً عن قصتها..
الشيخ ضاوي، تتغير سحنته، وتلمع عيناه، ببريق، على أثره اغرورقت عيناه، وهو ينظر إلى السقف، فقد تحول من النظر إلى الرفيقين، لينظر إلى سقف الغرفة.. قلت: لقد شممت رائحة تاريخ، وحكاية قديمة قدم الزمان، وعلى الرغم من إحساسك ببقايا الارتباك، إلا أنك شعرت برغبة جامحة، لسرد الشيخ، وكأنه كان في تلك اللحظات يستجمع مفردات ما سيقوله، أو أنه يريد أن يزرع هالة فخمة على حديثه كعادة كل من يملك معلومة، يجهلها الآخرون.. سررت جداً، من لباقته وفخامة لهجته، وسرعة بديهته، وهو يحاول أن يمهد للحديث عن أم الدويس.. وكان صديقك يترقب الموقف على الرغم من عدم اهتمامه بما سيقوله الشيخ لأنه لم يفكر قط في أن يعرف عن أم الدويس، بل عن كائنات أخرى تهمه كثيراً..
ينبري الشيخ ضاوي معتدا بنفسه، متباهياً بقدرته الفائقة على استدعاء معلوماته من مخزن الذاكرة، وأنت تستمع بإمعان، ورهافة حس، تشعر بأنه يسليك، ببلاغة لفظه وطلاقة لسانه وحسن ترتيب أفكاره، وبداهة تنظيم مشاعره، وهو ينسج خيوط الكلمات تباعاً، بإبرة الفكرة الحادة..
قال.. يا ولدي، قصة أم الدويس ليست حكاية تنفرد بها بلادنا، بل هي موروث إنساني، تعاقبت عليه شعوب وحضارات، وهي قصة لا تخلو من الغرابة العجائبية، والدهشة والخيال الجامح، ولأننا جزء من هذه الحضارات العريقة، وامتداد لها، وتقول الروايات إن أم الدويس امرأة.. ويدق بإصبعه قائلاً: انتبه إنها امرأة، جبارة، ماكرة، مخادعة، ذكية وعدوانية، شرسة، لم تتخصص في إرهاب الأطفال كما هو شائع، بل كانت يدها العملاقة تمتد لتطال الرجال والنساء.. ثم يضيف الشيخ ضاوي، وهو يعتدل في جلسته منسجماً مع حمية القصة الرهيبة قائلاً: تقول الروايات، إن كورونوس، وهو اسم قديم لحضارات قديمة، ابن لملك الجن أورانوس، وكانت زوجة أورانوس غايا امرأة عنيدة، عنيفة، أنجبت لأورانوس، خمسين من الأبناء الذكور، جاءوا مشوهين بعاهات مزرية، وقد لعن أورانوس هذه الولادة البغيضة، فأراد أن ينتقم من زوجته غايا، فاسترق الوقت، وأخذ الأبناء المشوهين ليدفنهم في حفرة عميقة ويتخلص منهم، بيد أن غايا استنكفت فعل الزوج، ووجدت في سلوكه ما يشين، ويجحد أبسط معاني الأبوة، فاستطاعت بذكاء الأنثى أن تحبط هذه المؤامرة الكونية، فأخفت عن الزوج أحد الأبناء، والذي هو كورونوس وربته على كره والده، ولما كبر الابن، أوغرت صدره بالحقد على أبيه، وفكرت في خطة جهنمية مفادها، أن تنصب كميناً للزوج، وتهدي الابن منجلاً.. يرفع ضاوي حاجبيه، انظر ماذا فعلت، أهدت كرونوس الابن منجلاً، وطلبت منه أن يهوي على رأس أبيه بهذا السلاح الفتاك ليتخلص منه، وينقذ إخوانه الذين أقصاهم والده.. لكن، الابن لقلة خبرته في القتال لم يستطع أن يقضي على أبيه، بضربة المنجل، فظل أورانوس ينزف، وهو يهدد ويتوعد بالثأر من الزوجة والابن، لأنه فهم أن المؤامرة مدبرة من قبل غايا زوجته، فما كان للزوجة من وسيلة، كي تنجو من ثأر الزوج، إلا لتأخذ المنجل، وتذهب إلى المكان الذي ينطرح فيه الزوج جريحاً، وتهوي عليه بالمنجل بضربة قاضية، أنهت حياة رجل حافلة بالجرائم.. ولما انتهت من المهمة، طالبها الابن بالمنجل ليحمي نفسه من الأعداء، الذين تضامنوا مع ملكهم أورانوس، لكن غايا أصرت على أن تحتفظ بالمنجل كونه السلاح الذي سيمكنها من معاقبة أي رجل يحاول أن يعتدي عليها، ومنذ ذلك التاريخ الضالع في جذور الجغرافيا، وهذه الجنية تتأبط منجلها، أو فأسها، كما نسميها نحن في بلادنا، وصدرها يفور عدوانية ضد الرجال، وهي لا تستثني النساء أيضاً، كونهن جزءاً من الأصلاب الرجولية.. ثم يحملق الشيخ ضاوي في وجهك، قائلاً: هل رأيت يا فيروز كم هي المرأة عدوانية وشرسة، إذا داهمها الخوف على مصيرها.. كان رفيقك ساهماً، شارداً، متوغلاً في وجه الشيخ ضاوي، الذي بدأ يتلون ويتشكل منفعلاً بأحداث القصة، وأنت يرتعد في داخلك كائن آخر غيرك أنت.. أنت تحاول أن ترتب أفكارك..
ثم تقول متسائلاً: وهل هذه قصة حقيقية يا شيخ؟
يهز رأسه، قائلاً: بالتأكيد.. ثم يضغط على مخارج ألفاظه قائلاً: أتعرف ماذا تعني أم الدويس؟ افهمها أنت كما شئت.. إنها الموت.. الموت المحقق الذي يغتال الأغبياء والضعفاء والذين يرفضون الحياة.. ثم يستطرد الشيخ ضاوي.. أورانوس يمثل في حقيقة الأمر الكائن الأناني، المتفرد، وأم الدويس، تتجلى في صورة القدرة فائقة العتمة، الماورائية الجبارة، تمثل الصراع الأزلي بين الحياة والموت، بين القوة والضعف، بين الحب والكراهية، قل بين المتناقضات بمجملها..
تبهت أنت، تتفرس في وجه الشيخ ضاوي، تتأمل حركات وجهه، وإسرافه في عض شفتيه وهو يهيل اللعنات على أي شكل من أشكال العدم.. ثم تقول: ولماذا المرأة بالذات؟
قال: لأنها الطرف الذي نال ما ناله من ظلم واضطهاد، على مدى التاريخ الإنساني.
تقول: وهل فعلاً أم الدويس تحمل منجلاً.. فأساً؟
يقول: أجل.. أجل، هذا شيء أكيد.
أرأيتها؟
نعم رأيتها.. ثم يتلمظ.. ويلوك لسانه في حلقه..
وكيف رأيت شكلها؟
امرأة عملاقة، تحمل ذراعاً أشبه بالمنجل العملاق..
وأين رأيتها؟
في مكان ما.. لا أستطيع أن أوضح أكثر من ذلك..
ولم لا؟
يقول: أخشى من الضرر..
ممن؟
من أم الدويس..
وهل هي تسمعنا الآن؟
يهمس بصوت خفيض.. أجل تسمعنا..
وهل هي تجوب الأمكنة ليلاً ونهاراً؟
الشيخ ضاوي.. يأخذ نفساً.. يعلو صدره وينخفض.. قائلاً بلهجة جادة: يا ولدي يا فيروز.. يجب أن تعرف أن علاقة أم الدويس ليست مرتبطة بالبشر، بل هي بالكواكب، والذي لم تعرفه أن ألد أعداء البشر هو كوكب زحل هذا هو رمز الكون والعالم، وهو المسيطر، والأسود وسبب النهاية، وهو الدمار والموت، وجالب الخراب، والباطش المستولي على الأرواح.. ثم يتوقف الشيخ ضاوي برهة، يسترد أنفاسه، ويستطرد قائلاً: زحل هو هذا الكائن المتوحش، قابض الأرواح الذي تنطلق منه أم الدويس..
تتقطع أنفاسك، وكأنك، جلبت حجراً ثقيلاً على صدرك بمسافة عشرة كيلومترات، تحاول أن ترتب مشاعرك المبعثرة، تحاول أن تستعيد ما قاله الشيخ ضاوي، تحاول أن تصدقه.. تحاول أن تكذبه.. تحاول أن تقف في منتصف الحيلتين، لكنك تقع في مستنقع بأسك، تتدهور في الوحل، تتهور، تفكر أن تصفعه، وتفر هارباً بجلدك الذي برد وتعجرف، تحاول أن تقبله على جبينه وتقول له، عافاك الله، لقد أفدتني.. تحاول أن تنهض، زاماً شفتيك، ولا تنطق بأي كلمة.. تتلفت، تنظر إلى صديقك الذي ذاب في المكان منبهراً، والابتسامة تطوف على وجهه، كحشرة ملونة بألوان الطيف..
الشيخ ضاوي، يمقت الصمت.. ينهض ليجلب الشاي..
يشرب صديقك.. وتشرب أنت، لتذيب مرارة حلقك، تدلق نصف الكأس في فمك، تحرقك السخونة، لكنك لا تبالي، تضيف النصف الآخر..
يتبع ..
-
8 - 12 - 2012, 12:12 AM
#14
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
في البيت، وقد رفضت أن تمضي ليلتك في ضيافة الصديق، كما اتفق، كانت النجوم تتساقط على رأسك، وكنت تتوخى الحذر من تسليط زحل، لمنجله على عنقك.. كنت تضحك أحياناً من سذاجة الشيخ الذي ظن أنك طفل أراد أن يهدهد مشاعرك لتنام على فخذه مستريحاً، ثم تنتفض مسترجعاً الحديث عن المرأة الجبارة المخادعة، تذكرت نيران، الفتاة الصحراوية، التي نبتت على الرمل فجأة، ثم ذابت مع أعشاب الكثبان، وتختفي إلى الأبد.. داهمك المساء، وكنت تنوي الذهاب إلى الصحراء، وتبحث عن نيران، تبحث عن المرأة الجبارة، لتسطو على جسدها في لحظة انهيارها، ثم تعود أدراجك، لتخيب ظن الشيخ ضاوي، الذي تمثل شخصية أم الدويس، كعملاق، ختار، مكار، جبار، مخادع، ومجرم فتاك.. تخيلت المرأة الأجنبية التي تمر في كل يوم بجوار نافذتك، تخيلتها وهي تهوي على رأسك بقضيب حديدي، وتجعلك تنزف إلى أن تموت وحيداً في غرفتك المعزولة.. تخيلت الموت.. قلت: الموت.. هل هو أنثى؟ هو أيضاً يقبض الأرواح، ويحيل البشر إلى العدم، الموت، يجعل الأشياء تذهب إلى اللاشيء، الموت يبكي، ويحزن، ويعذب.. قلت: قم يا فيروز، وأحكم إقفال باب غرفتك، ففي الصباح رباح.. ثم، أطرقت قائلاً: وإلى أين ستذهب؟ الموت في كل مكان، والشيخ ضاوي أكد، بيقين العارف، أن زحل، قابض الأرواح، وزحل يقف الآن فوق رأسك.. لن تستطيع أن تهرب بعيداً فهو في كل مكان..
…
قلت يائساً: سأبحث عن ماذا الآن.. عن زحل.. عن أم الدويس.. عن المرأة.. أم عني أنا.. أنا لا شيء في حضور امرأة، تحتفظ بمنجل ورغبة جامحة في القتل..
تقول إنك تخاف منها، لكنك ترغب في أن تراها، تقول إنك تشعر وكأنك ذاهب إلى الجحيم، لكنك تتمنى أن تراها، لتملأ عينيك، بزهو التفاصيل، الفخمة.. ماذا لو أطلت عليك الآن، من بين كثبان الرمل، ورمقتك بعينين لامعتين، وقالت لك: هيت لك..
تقول إن بدنك بدأ يسح بالعرق الغزير، وإن قلبك صار مضغة منبجسة جراء الحرقة الداخلية.. تحاول أن تكذب كل ما رواه الشيخ ضاوي حتى لا يثبت مقولتك إن المرأة كائن فظ غليظ القلب مهما تحايل على مشاعر الرجل، وأفصح عن مكنون هو غير جبلته.. تذهب بعيداً والصحراء الغارقة بتاريخها المجيد تطويك كطي السجل، تأخذك بين أحضانها، تضمك، وأنت طفل، روعته الثقافة، خذلته المرأة، طعنته الجهات المتوحشة.. صديقك أبو سيف، لم يبالِ بما قاله الشيخ ضاوي، قال لك جملة واحدة، لم تزل تطن في أذنيك.. دعك منه.. ولا تدري لماذا إذاً ساقك إلى مأواه؟ ولماذا وصفه في البداية بالكاهن؟ وبعد سماع حديثه عن أم الدويس، استحال إلى مناهض، أهو أيضاً خائف لكنه يريد أن يدس خوفه في حزمة كلمات غامضة.. أم أنه أصبح لا ملاذ له غير جسد المرأة، فلا يستطيع أن ينفر منه، أو يستعديه ضده؟.. تحتار أنت، تفتح علبة السيجارة التي خبأتها في جيبك، ثم تستل صلباً وتشعله.. تدخن بشراهة، وتنفخ الدخان، في فم الصحراء المفغور، وتتأوه.. الوقت لم يزل مضاء بالأشرطة الذهبية، المنبثقة من قرص الشمس، المستدير عند الغسق، أصفر لامع، يميل إلى البرودة شيئاً ما. قلت متذمراً: تحدث عن زحل، وربطه بالموت ولم يقل شيئاً عن الشمس.. كم من البشر دفنوا هنا تحت هذه الرمال، لأن الشمس امتصت الماء الذي يشربونه، ويسقون منه الزرع، ويروون به ركابهم.. لم يفه بكلمة عن الشمس، ويبدو أنه من أبناء زحل.. تضحك بمرارة، ثم تطرق: أليست هذه حكاية غرائبية.. يتحدثون عن زحل الذي لا يرونه ويشيحون عن الشمس؟
تمضي.. تتوغل في الرمل، القرص الأحمر، يذبل، يتهاوى شيئاً فشيئاً، يتوارى خلف حجب الكون.. وأنت لا تضيء طريقك سوى بعض أنوار البيوت السفلية المضاءة، بالجنريترات الخاصة.. تكتسب الصحراء وقاراً مسائياً، وأنت على يقين أن الفتاة التي تبحث عنها لن تجدها، وربما جئت في هذا الوقت بدافع باطني.. اللاشعور يحفزك على عدم الالتقاء بها، يخوفك من المرأة، يهز جذعك بعنف وأنت تقترب من منازل المخيمين صيفاً.. تسمع أصواتاً وضحكاً، وصراخاً، وأغاني في بعض الأفنية.. يشدك نشيد قديم إلى الأغاني الشعبية، تتوقف، وتنصت، لكن عينيك تبحلقان في العراء، ربما تبزغ نيران من بين أكفان هذه البيوت المتلفعة بالجريد وجذوع النخل.. عند منحدر رملي تسمع صراخ شبان، غطست مركبتهم في بحر من الرمل، زئير سيارة الفورويل، وهي تحاول أن تنتشل أقدامها من الرمل الذي غطست في أحشائه، وكذلك الدخان، والغبار، سحابة في فضاء متوحش، تسير بالجوار ولا تقترب، أنت تقول، إنك حريص على عدم الاقتراب من الشباب في هذه الأماكن، وبخاصة وقت المساء، أغلبهم يكون قد عبأ رأسه بالخمر وتاه في الصحراء بحثاً عن نقاهة، صرت الآن في مواجهة المركبة، صرت بعيداً قليلاً لكن تسمع الأصوات، وتختلس بمسمعيك أيضاً ضجيج نساء، إذاً الشبان بصحبة نساء، فقد يكن من أقاربهن وقد لا يكن.. الليل هذا، مجمع ثقافات، كما أنه وعاء تختلط فيه الأجساد، والأمزجة.. ابتعدت قليلاً، سمعت صوتاً يناديك.. صوتاً يريد المساعدة، سمعت في الصوت لون استغاثة، لكنك صممت على عدم الانصياع لضميرك الذي هش لإنقاذ مأزومين.. قلت يبدو أنهم في حاجة حقاً إلى المساعدة، لكنك تزم شفتيك، قائلاً: وما شأني أنا بهم.. دعهم يعانوا قليلاً، كما يعاني الآن الفقراء في هذا البلد، الذين يشقون، ويكدون ويكدحون، ويحفرون الصخر من أجل لقمة العيش.. المترفون يجب أن يشعروا بقيمة التعب..
تقول إنك وقفت على تلة.. ربوة رملية، محاطة بشريط من الأعشاب الشائكة، والظلام قد يخفي حشرات ودواب، والأفاعي السامة، هي المستوطنة هنا منذ الأزل.. كثيرون ذهبوا ضحايا هذه الوحوش، القاتلة، الحطابون، والمزارعون، والسقاؤون.. على الرغم من أن ضجيج المركبات الهادرة طرد الكثير من هذه الحشرات، إلا أن الأمر لا يخلو من بعضها المتربص بالضحايا بين هذه الأعشاب..
رميت بدنك على الرمل، المغسول بالندى، بعيداً عن التلة قليلاً عند المنحدر، ألقيت بأشواقك، مختلطة بأحزانك، ممزوجة بدهشتك، صرت تبحث عن الفكرة الضائعة، صرت تفتش عن زحل بين النجوم.. قلت لنفسك: أنا مجنون.. زحل، أي زحل، ليس هو إلا في رؤوس الذين يختبئون في عباءة أم الدويس.. بعد برهة، سمعت خشخشة بين الأعشاب القريبة، فرت عيناك، من محجريهما، انتفضت، جلست، ثم استقمت، قلت.. يجب أن أغادر المكان، حذراً، يبدو أن حشرة ما تكمن هنا.. تمشيت الهوينى، سرت بعيداً، بعد فترة، لمحت حيواناً صغيراً يهرول، في اتجاه المنحدر، بعيداً عن مكانك، تفحصته، تمليت شكله، فهمت.. قلت هذا ثعلب.. كيف جاء إلى هنا هذا الماكر المخادع.. الثعلب يجري بسرعة فائقة ثم يقع.. ظننت أنه يخدعك، تقدمت نحوه، وقفت قريباً منه، ركلته بقدمك، فلا حراك.. قلت.. يبدو أنه أصيب بلدغة.. قلت الحمد لله الذي فكرت في الابتعاد عن مكان العشب.. هذه لدغة أفعى مميتة.. لم تمر دقائق، على ارتطامه على الأرض، حتى انتفخ الثعلب، وذهب مع الريح.. قلت: مسكين، الثعلب غدار، لكنه يجد من يغدر به، ويلقيه صريعاً، ثم تطرق: إلا أم الدويس، فلا أحد يستطيع أن يفتك بها.. إذاً فهي إله، كما يقول الشيخ ضاوي. هي إله الموت في جميع الثقافات، منجلها يعني الحصاد، والانتهاء من الأشياء ساعة البطش..
الليل، مسامر، مقامر، مهاجر في معصية النور، لكنه خير دليل على صدى الهمسات، عندما تختلس جنحه، فتطير مع النسيم المبلل بقطرات السماء.. يصون الليل، شرف الناعسات الفارعات اليافعات المترفات، بمجون الأحلام الصبية، تقول إنك كنت وادعاً في مشيتك، متلاطفاً مع الشعاب الرملية الطبيعية، فإذا بك تسمع ضحكة، اخترقت شغاف القلب، توجست، بهت، كيف لهن، تسللن بين ما يعرشون، ويطفن الأمكنة كأنهن الفراشات التائهة.. كيف أودعن الخشب المسند بين الجريد المسقوف، وجئن إلى المنحدر.. انحدرن، بكعوبهن العالية، يخفقن، بصدور كواعب، ويهززن أردافاً ممتلئة بالفخر والاعتزاز.. تنحيت وأنت تمر بالقرب من عطرهن الأخاذ، تحريت الأنفاس، المشتاقة إلى رائحة التراب، تمليت العيون الملتصقة من خلف حجب السواد، اللعين، والمحتال على ثقافة البؤس.. كانت اللفتات، الملهمة، تجري في الدم جريان الشلال، في أحشاء وادٍ مقفر..
خففت من وطء قدميك، ولكن قلبك الذي هبط من علو مجده تخبط كثيراً، وأنت ما بين النزعة إلى اللحاق بركب السائرين، ورغبة التلحف بملاءة الليل، والتعوذ من رغبة الشيطان.. أنت ما بين البين، أنت في وسط الشلال المتدفق بين الشرايين والأوردة.. أنت تسمع بإنصات إلى زمجرة الداخل، الممتعض من الهرولة، الممتقع من هول المفاجأة.. نساء في هذه الساعة من العتمة، أين هن ذاهبات؟ لا تدري ولكن قلبك حدثك عن سر.. أن المرأة المتشحة بالسواد، المشنشلة بالجواهر، المعبقة بالعطر الساحر.. امرأة مكافحة من أجل المصير.. مصير أنثاها النائمة تحت جلدها، اللابدة بين الشريان والوريد.. قلت هل أتبعهن، وأجازف؟ فتلك مراهقة رعناء.. أم أمضي في طريقي بسلام؟
سيخبرك صديقك بالنبأ اليقين.. ويقول هازئاً بجفولك.. يا لك من رعديد جبان.. كيف لم تلبّ واجب الوطن؟
ستقول: وما علاقة الوطن.. بنساء، طارئات..
يقول: هن بنات الوطن.. خرجن للاطلاع على آخر مستجدات الطريق، وللأسف فإنهن قابلن مصدراً من مصادر البلادة، واليأس..
ستضحك، مستخفاً بعباراته الركيكة.. لكنك، سوف تفتح مصراع الباب الداخلي ستشعر بأنك متخاذل إلى أبعد الحدود.. الرديف الداخلي، سيؤنبك، ويوجه إليك إصبع الاتهام، بأنك شخص غير مرغوب فيه، في المكان الذي مررت به.. ستقول لماذا؟
سيقول لك، لأنك، حشوت الفؤاد بحزمة، من الأزمات الداخلية، حين اقشعر بدنك لمجرد أن صادفت نساء، كن يتوخين منك اللطف بالقوارير..
تضحك ساخراً.. لا تدري ممن تسخر.. من نفسك.. من صديقك.. أم من هذا المتوهم الداخلي، الذي بدأ يزلزل كيانك، ويجلجل مصرحاً بأنك بالفعل كائن جبان.. تقول.. جبان.. ثم تضرب الأرض بقدمك، وتنهزم من المكان، ناقماً، محتدماً، متورماً، متأزماً.. وفي الطريق، تبحث عن مركبة تقلك، تسأل عن خيرين يأخذونك إلى مأواك الأمين..
تقف على الرصيف متحاذراً من التائهات في حماقة.. يطير بدنك مع الهواء المنسحب بسرعة فائقة إثر مرور هذه الصواريخ الأرضية.. يتوقف شاب، يقول: لن تجد سيارة أجرة في هذا الوقت من الليل.. تفضل لأصحبك إلى حيث تريد..
شكراً.. تقول شكراً، وتلبد على الكرسي الأمامي، بجوار السائق، كتلميذ مهذب، لم تنبس بكلمة.. وكان يرمقك بنظرات خاطفة، ثم يحلق في الطريق..
نزلت وشكرته ثانية، وودعته بابتسامة حنونة، وغادر هو ممتناً..
أيقنت أنك عدت بخفي حنين..
…
شهر أغسطس ذروة الصيف، والحرارة في هذه البلاد تصل إلى الخمسين درجة مئوية.. بمعنى أنها حرارة تبلي الحديد فكيف بأجساد البشر.. قديماً كانوا عندما يصاب شخص بضربة الشمس، يقال إنه أصيب بمس.. أي أنه صفعه جني. ضحايا كثر ذهبوا جراء اضطهاد الطبيعة وظلم الناس للناس.. البيدار هذا خادم النخل، والمعني بشؤونها بدلاً من صاحبها، الذي يقف كالمتفرج، مقابل مبلغ زهيد من المال، وأحياناً لا شيء يأخذه هذا البيدار سوى ما يملأ بطنه من التمر وخشاش الأرض الذي يطعم به ماشيته قليلة العدد..
اليوم تغيرت الحال، البيدار سكن البيوت المكيفة، وصاحب النخل عافها، لتصير إلى إعجاز خاوية، تنحني جذوعها منتحية شاكية إلى الأرض، التي هي أيضاً فقدت نصيبها من الماء الذي ترطب به طينها..
كل شيء يبدو يابساً، أعجف، ولو زرت إحدى المزارع، ستظن أن حرباً طاحنة دارت رحاها على هذه الأرض، فخلفت الخراب والدمار، وعبوس البساتين التي كانت..
مررت عند شارع خال من المارة والسيارات ولا أحد غير عمال يسدون الطريق، ويعكفون على الحفر بالمناجل وقضبان الحديد، إيذاناً لرصف شارع، ضمن شبكة من الطرق، المزمع إنشاؤها.. تطور مذهل تشهده البلاد، وحشود من العمال الآسيويين، يتقاطرون على المكان، وشركات كبرى عالمية ومحلية، تنسج خيوطاً من العمل اليومي الدؤوب..
تقول.. أذهلك منظر وجوه العمال السابحة بالعرق، تحت جحيم ناري، يصلب أجسادهم السمراء الناحلة، وقفت تتأمل، وتتفرس في المشهد الجنائزي، الذي يعيشه البشر هنا، عصر من العصور الوسطى، يمارس في القرن الواحد والعشرين.. تُلِفتَ في داخلك.. هذه هي الرأسمالية المتوحشة، تأكل أجساد البشر، وتكوي قلوبهم، بالضئيل من المقابل المادي الذي لا يساوي شهقة عامل، ساعة الإنهاك..
انبجس قلبك وأنت ترقب الرجال المنهمكين المنهكين في مقارعة حمى الوقت بسواعد تورمت عروقها من سطوة التعب، لمست شيئاً من العار الذي ترتكبه الإنسانية عندما يموء وجدان بشر، تحت لظى الموت البطيء، بينما يختال آخرون مبتهجين بالسعادة الكونية التي نزلت على رؤوسهم، إثر بزوغ فجر النفط.. قلت في نفسك.. أتخيل هذا الزيت الأسود كذراع أم الدويس، العملاقة التي تهوي على الرؤوس، فتهشم عظامها.. غضب بشري، يقع على كاهل بشر آخرين.. ولكن الحياة يجب أن تستمر.. لا بد أن يموت أحد ليحيا أحد.. هذه سخرية من سخريات القدر، حينما يلهج الناس وراء النمو الحضاري، على حساب أرواح آخرين، تزهق، تحاول أن تأخذ مكاناً في الظل، لتحمي عظام رأسك من السياط اللاهبة، تحاول أن تكون بعيداً عن السعير.. قلت: ما الذي دفعني لأن أغادر البيت، وألتقط هذه النيران على قلبي.. أشعر بالموت وأنا أشاهد هذه النفايات البشرية تجمع هنا لتكون قرباناً لمن يريدون أن يسيروا بعجلات سياراتهم من دون ضجيج أو خضات توتر بطونهم المليئة بغازات الأكلات البروتينية.. قلت: لماذا لا أعود أدراجي إلى بيتي وأكتفي باتصال هاتفي أخبر أبا سيف بتغيير موعد اللقاء، كوني لا أستطيع الذهاب إليه اليوم؟ ولما عدت إلى منزلك، هاتفت صديقك، ولم تجده، أو بالأحرى أنه لم يرد..
قلت: لا بد أنه أمضى ليلته في أحضان إحدى فتياته، وأخذته نومة صباحية مفعمة برائحة جسد أنثوي رائع..
لبثت في مكانك، وصورة العمال الآسيويين تشاغب مخيلتك، فكرت ملياً، قلت: ما الذي يجعل الإنسان يمعن في طلب الاسترخاء، في الوقت نفسه الذي يقوم بإجبار آخر ليقوم بالمهمة نيابة عنه.. لأن الظاهرة أصبحت عامة، ولم تقتصر على قلة من البشر.. مجتمع بأكمله يتثاءب نهاراً، ويسهر ليلاً، في أوعية الملذات والشقاء الجسدي المجنون..
تخيلت صديقك، المدون ضمن قائمة الذين انبهروا بالحضارة، لكنه اتخذ زاوية قصية من الناس، وتنحى عن مزاولة المجالس، دافئاً بعزلته ليمحو كل ما تأخر وما تقدم من ذنوب الحراك الإنساني المشين.. قال لك ذات مرة: أنا نفضت يدي من الناس، ولم أعد أثق بالأصدقاء، واخترت لنفسي منهجاً جديداً.. ولما سألته عن منهجه.. قال: أمارس لذتي في العزلة، وبين أفخاذ العاريات الكاسيات.. ثم أكد لك.. قائلاً: المرأة السخية هي الحسنة الوحيدة، في هذا العالم، وكل ما عدا ذلك، فهو هراء.. لا تصدق ما يقولون.. وسخر من بحوثك، وقال: إن كل ما تفعله مجرد، لعب في الوقت الضائع، العالم ذاهب إلى زوال، طالما انحشر الجميع في فوضى، إما السياسات الخربة، أو الخرافات المتعجرفة.. تذمرت من لهجته الفظة، مقته، وأوغرت صدرك بسخرية لاذعة تجاهه، لكنك لم تستطع بغضه، لأنه صديق العمر، وتعرف عن نقاء طويته، وأنه ما فعل ذلك، إلا لأنه عجز عن إيجاد الحلول، للاندماج في محيط الناس..
تقول: طامة كبرى أن ييأس الإنسان.. ولا تشك أن صاحبك يعاني من أيام عصيبة على الرغم من تظاهره باللامبالاة.. قلت: عدم مسايرة الناس لا يعني الولوج في معمعة السلوكيات المستهترة.. ما يفعله أبو سيف ضرب من ضروب الانتحار.. والانتحار هزيمة، والهزيمة دلالة على الهشاشة والضعف..
الإحساس بالهزيمة هو خرافة أيضاً.. أبو سيف، يحاول أن يداوي الداء بالداء، والأمرّ من ذلك أنه يمارس الجنس ليس كفضيلة فلسفية المراد منها تطهير الروح من الاحتقان، وإنما يمارس هذه العادة كتعويض عن نقص..
الجنس الذي يمارسه ليس عفوياً، ولا فطرياً، إنما هو توغل مقيت في الهروب واستئناف الاضطهاد الذي ينتقده بطرق ملتوية.. حينما تحول المرأة إلى آلة تفريغ للشهوة، فهذا في حد ذاته إمعان في الاستغلال.. ماسة لم تحبه لذاته، بقدر ما تقوم بمسعى غير بريء لكسب المادة..
يتبع .
-
8 - 12 - 2012, 12:12 AM
#15
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
تذهب نحو الشاطئ، عند صخرة مسطحة، وقفت في البعيد تلمح المباني الكبيرة، قلت بلهجة محايدة.. ربما كان الخرافيون على حق، عندما انسحبوا إلى ذواتهم، وذهبوا بعيداً في معتقداتهم، لأنهم لم يروا شيئاً مجسداً غير أم الدويس التي تقصف الأرواح، وتبيد تاريخ البشر بضربات منجلها.. وتذهب أنت بعيداً، إذ تقول: ماذا سيطعم العمال الأجانب لولا أنهم ما جاءوا إلى هنا، ورضوا بالأمر الواقع.. إذا القضية تمر ضمن حلقة مستديرة، لا ينقطع وصالها إلا بتوقف حركة الكون.. تمرغت الفكرة في رأسك وأنت تحوم حول ما يدور في هذا الرأس، تشعر بأنك أيضاً تحوم في حلقة مفرغة.. تجتهد.. تجهد نفسك لكي تلقي حجراً في المياه الآسنة.. البحر الآن ساكن، لكن نفسك تقرر بمعطيات لا يبدو لك أن لها نهاية.. تبحث في قائمة الأسماء، في هاتفك، تريد أن تتصل بأصدقاء الماضي، قوة رهيبة تستيقظ داخلك، توقظك، تنبهك، بأن الزمن دار دورة سريعة، وأخفى أسماء، وأطل بأسماء، وأسماء أخرى لم تزل تتموضع عند حافة الذاكرة، لكنها لا تتذكرك.. كنت أنت الذي بادرت بالانفصال، وانشغلت في البحث وتحري الحقيقة، حقيقة من؟ لا تدري، حقيقة نفسك الضائعة في خزائن التاريخ الهارب من جلده، أم حقيقة أم الدويس، التي لم تزل مجرد أحفورة في الذاكرة، تقول: لا شك في أن الناس الآن نسوا شيئاً اسمه أم الدويس، والأضواء الكاشفة أذابت الكثير من الطلاسم، ولكن هل تذيب هذه الأضواء الصدأ أيضاً.. في النفوس صدأ، وفي النفوس شوائب تتطور أشكالها، لكن مضمونها يبقى متشبثاً في الباطن إلى أجل غير مسمى.. تقول: يا ترى من يسمي الأشياء بأسمائها؟ لا أحد.. لأن كل واحد يريد أن يهرب، كل واحد يريد أن يتغير. الجلابيب التي كانت رمادية بفعل القذارة، أصبحت الآن بيضاء ناصعة، المخاط الذي كان يسيل كالصديد من فتحات الأنف، اختفى الآن.. أشياء كثيرة رديئة تلاشت.. أشياء كثيرة قميئة اضمحلت، لكن هل تلون الكون بالجمال الكلي..؟
تقول: ما الجمال الكلي.. أهو أن يضع الناس جمهوريتهم المثالية على أعقاب ماضٍ ملوث.. تهز رأسك.. تقول ممتعضاً لا.. الأشياء هنا لم تتغير هكذا. أنا مثلاً.. أعد نفسي مثقفاً.. أليس كذلك؟ تقول: نعم.. لكن هذه الثقافة، التي اكتسبتها بفعل القراءة والبحث، لم تزل بعد، مسجونة بين أنقاض الشك.. ثم ترفع حاجبيك.. تقول: آه.. الشك هذا العملاق العظيم الذي لم أستطع أن أهزمه.. كما لم يهزم غيري أم الدويس.. ولكن.. تقول، في حيرة: لو هيئ لي وهزمت الشك.. ماذا سأكون بعد ذلك؟ هل معنى هذا أنني سأكون أمسكت بزمام الحقيقة.. وما هي الحقيقة.. إنها الوهم، الذي نلهث خلفه ولا نجده.. إذن هو الشك.. إذن هو أم الدويس.. تدخن.. تشعل سيجارتك، وتنفث الدخام بكثافة، تزفر نفساً ساخناً، وتنظر إلى البحر.. البحر الذي يطوق اليابسة، البحر الذي يمارس وعياً جنسياً فظيعاً عندما تزمجر موجاته حافرة جوف الأرض برعونة الشباب اليافع، لكنه الآن يستريح، ويبدو أنه يمارس الاستدراج، من أجل صولات جديدة، تدفن العقب في الرمل المبلل، تدفن الفكرة، تنهض، تقول: يجب أن أعود إلى البيت، بدأت الشمس، تخنع للذبول، وصار الشفق الأحمر، كخد أنثى خجلى، وانعكاسه يراوغ الماء، ويسجي لوناً تاريخياً مهيباً، على الفضاء.. الفضاء يطارد طيوره، العائدة إلى أعشاشها، تقول: الأشياء عندما يقفل الوقت ساعته، تعود عودة مباركة بالانتصارات وأخرى مخيبة بالهزائم.. لا بد أن يكون طوال هذا النهار، أن دارت معارك بين الطير والطير، وبين الطير وطرائده.. والكل يهم بالظفر على الكل.. وفي النهاية، تبقى الأزمنة تتوالى، والقاسم المشترك أحلام لا تتحقق..
…
من جديد تحرى أبو سيف نظرات الفتاة المتمددة بجواره.. كانت شبه عارية إلا من حمالة الصدر وسروال قصير شفاف.. قال في نفسه: أحب أن أكون وحيداً مع أنثى تستسلم بكل ضراعة، وتسلم جسدها لي من دون تمنع.. والشمس تشرق في الخارج، وتتلصص من خلال زجاج النافذة، ثم تمد لساناً خافتاً من النور تسقط على جسد عذاب.. عذاب أشبه بالنائمة وهي تسبل جفنين ذابلين، مخدرين، تحت توهج لمسات الأصابع التي تمر على التفاصيل وكأنها تعيد خارطة الجسد من جديد..
قال في سره: أبداً لن أكون السبب في خسارتك..
تقولين إنك خسرت جل مدخراتك، في غرفة الفندق، عندما هرعت للرد على المكالمة، في الطابق الأرضي، وتركت باب الغرفة مشرعاً..
قال: وماذا سنفعل إزاء هذه الكارثة؟
مرر أبو سيف أنامله على جيدها.. قائلاً: لا تجزعي، كل شيء معوض..
قالت: كيف؟.. إن ما فقدته يوازي مبلغاً كبيراً..
قال: كم..؟
قالت: لا أدري بالضبط.. لكنه.. يساوي شقاء العمر.
قال في لهجة بارعة: عمرك الأبقى..
قالت: وما فائدة العمر من دون مال..
قال.. لا تقنطي.. سأعوضك كل ما فقدته..
انبجس قلبها.. ورفعت رأسها، مسندة جزءها العلوي على زند أبي سيف..
أصحيح ما تقول؟
قال وهو يهز رأسه: أنا لا أخذل أحداً..
قالت بابتسامة غانجة: كل أحد..
قال: لا.. فقط المخلصين..
قالت: وهل ستجدني مخلصة..
قال: بلى، ولكنك قلقة إلى حد ما..
قالت: ولم لا أقلق.. أتعرف أن هذا الذي فقدته، هو اللقمة التي ستعتاش منها أسرة بكاملها..
حدق في وجهها.. تغرس في الجسد الحار، فكر في من يفكرون في أسرهم، فقال في سره: ما هذه الخدعة البصرية التي يسمونها أسرة.. إنها أكذوبة.. خرافة.. الحرية أجمل من كل الأساطير الأسرية.. ثم أردف.. أأنت متزوجة؟
قالت: كنت.
والآن.. ليس لي غير هذا الجسد، يحملني كالقارب إلى بلاد العالم، لأجلب من خلاله ما يجعل أسرتي تعيش بلا معاناة..
قال مازحاً: جسدك هذا ليس قارباً، بل أيقونة الزمان، والمكان.. ثم يستطرد.. أنت يا عذابي، تملكين ما لا يملكه ملوك وأباطرة..
قالت متسائلة: ماذا تقصد..؟
مشيراً إليها: هذا الجسد.. لديك ثروة هائلة تستحق التقدير..
قالت يائسة: ثروة بائرة..
قال مندهشاً: كيف..؟
قالت: عندما لا تعلي الثروة شأن صاحبها، فإنها أشبه بالنقمة..
قال: كيف..؟
قالت: جسدي هذا الذي تعتقد أنه كنز، تداوله زوج جاحد، خانني بعد مضي سنة من زواجنا، وبعد أن انتقم من جسدي، وجدتني في الشارع، أبحث عن الحقيقة الضائعة..
يرفع حاجبيه.. الحقيقة الضائعة؟!
قالت: أجل الحقيقة الضائعة.. ألا تعرفها..
قال.. في قنوط: لا..
قالت: الحقيقة الضائعة يا سيدي، هي المرأة في حد ذاتها..
قال في سذاجة: المرأة نصف المجتمع..
أجابت في فتور يبطن غيظاً: نصف المجتمع عندما يمور تحت سوط العهر، فإنه أمر مقرف، ومسيء إلى الإنسانية..
بهت أبو سيف.. كيف تصفين نفسك بالعاهرة..
قالت محتجة: أنا.. وأنت.. وهم، الجميع لا يصفونني إلا بالعاهرة..
أومأ بيده، قائلاً: لا.. لا، لا تفكري في الأمر بهذه النفسية المحبطة..
لست أنا المحبطة، بل جل نساء العالم محبطات..
لماذا..؟
قالت: لأنهن مضطهدات..
ومن اضطهدهن..؟
أنت وهو...
شعر أبو سيف بتأنيب ضميره.. انتابه شعور بالخزى، وهو مستلقٍ عارٍ بجوار امرأة محبطة، وأطرق قائلاً: ألا تمارسين الحب بطواعية وعن رغبة..
قالت وهي تأخذ نفساً عميقاً: لا توجد امرأة في الكون تقدم جسدها لأكثر من رجل، عن رغبة وحب.. إنما دوافع أخرى، ترغمها على فعل ذلك..
تصهد الرجل، ذابت كل خيالاته التي نصبها قبل سماعه هذه الكلمات السامة، ذبل جسده، وخابت مساعيه النفسية في استنهاض القوة السحرية، لجأ إلى السيجارة، دخن بنهم، وعفر فمه بالدخان، وملأ صدره بغبار ما يقذفه عقب السيجارة من ثاني أكسيد الكربون، وتمنى أن يعاقب نفسه أكثر، إذ أوقع نفسه في شرك امرأة يائسة، حانقة.. فكر أن يرفسها بقدمه لتقع عن السرير مضرجة بدمائها.. فعلاً انتابه شعور بأن هذه المرأة لم تأتِ للمؤانسة، وإنما جاءت لتكيل له الضربات القاسية.. أحس بأنها العقاب الذي حل به جراء عدم اختياره للمرأة التي تنحاز لشهوته، أكثر مما تنفر منه، لتؤكد أحقيتها في الوجود..
يتبع ..
-
8 - 12 - 2012, 12:13 AM
#16
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
لكنه أيضاً، وجد من الضروري أن يلملم شتاتها، وأن يحاول بقدر الإمكان طمأنتها بأنه لا يريد من جسدها شيئاً إذا لم تكن راغبة..
قال لها بحنكة المجرب، وبلهجة هادئة.. عليك أن تطمئني أنني لم أصطحبك إلى هنا من أجل الاستمتاع بجسدك.. إنما لأنني أعزل، فأحب مؤانسة أنثى تشاطرني لغة الحوار الدافئ..
نظرت إليه بشيء من الريبة.. قالت بلهجة مكسورة: أرجو المعذرة.. يبدو أنني تجاوزت الحدود.. حدود العلاقة بين رجل وامرأة، لم يسبق لهما معرفة بعضهما بعضاً.. مدت يدها تمسح على صدره الكث.. سامحني..
أخذ نفساً عميقاً وقد نهشت الحيرة صدره.. وتجاذبته الأفكار، فكيف يمكن له أن يخرج من هذا اللقاء من دون خسائر، وخير ما يريحه من الفتاة التي تقع بجواره، ممارسة، هادئة بلا منغصات فلسفية..
قال بصوت مشروخ: لا تقلقي. كل ما تودي أن تحصلي عليه فهو ملبى ثم ينظر إلى عينيها اللامعتين، بشعاع أنثوي، رهيب.. سأعوضك كل ما فقدته من دون مقابل.. وأشعر بأن من واجبي أن أكون رجلاً لا يقايض امرأة من أجل الحصول على اللذة..
لبثت عذاب بين ذراعيه، لبدت كأرنبة تتوخى الدفء.. قالت في صوت متحشرج، اعذرني لم أقصد مضايقتك..
قال متشجعاً: لا بل أنا في أتم السعادة..
قفزت عذاب، هاجمت شفتيه بشراسة، بينما هو أسلم جسده بهدوء، غرقت عذاب، في مجون رغبة طالعة من أعماق جسدها، أعطته كل شيء، ولج فيها بذكورة يافعة، تهادى فوق جسدها، وارتمت هي كأفعى تتلوى شظفاً.. غابت الكلمات وذابت الفلسفات، وحمي وطيس الجسدين في غيبوبة الآمال المؤجلة.. شعر أبو سيف بأنه يخرج تواً من أحشاء أنثى ويصرخ، متوهجاً، وأحست عذاب بأنها من جديد تعيد ترتيب مشاعرها، وتخصب العالم بشهقة أنثوية، مدوية، تتفجر الأرض من تحتها، كما تنهمر فوق أبي سيف شلالات من الرغبات والأمنيات مفرغاً حثالاته النائمة في باطنه في جوف اللحظة الراهنة، كل شيء تحرك فجأة بعد مخاض عسير، كل شيء تنامى كالزهر في أرض صحراوية، حاول أن يقتص من بقايا العمر المأزوم، ولأول مرة يشعر بأنه يمارس الحب مع أنثى تتوارى تحت جسده، كنجمة تذوب في ريعان سطوع القمر، يهتدي أبو سيف إلى جل التضاريس الغائبة في المجهول، يتحرى ما اختفى من ضوء ساعة ما انبلج فجر وعي المرأة الغارقة في خصومات قديمة مع الذكور.. الآن يشعر بأنه تحدى طيشه، وتجاوز حدود ما أغمض عنه العينين، الآن فقط، بدأ يفكر في كلام صديقه فيروز.. قال في سره: صحيح أنه كائن يثبط الهمم، لكنه في الحقيقة قد يرى ما لم أكن أراه.. هذه المرأة أيقظت حساً غريباً في نفسي، ولما تمادت في صلبي على لوح التأنيب، علمت أن الممارسة البديهية ليست إلا ضرب من ضروب البؤس البشري..
نفضت عذاب جسدها، كهرة مشبعة، واستدارت ناحية أبي سيف قائلة..
أتصدق أنني لم أشعر بمكانة جسدي إلا الآن.. معك..
اغتبط الرجل، تنحنح، قال مسروراً: شكراً لك يا عذاب..
فتح محفظته.. قال، خذي ما يرضيك يا سيدتي..
قالت حبورة: لن آخذ شيئاً.. لا أريد شيئاً..
قال: لم..؟
قالت: لقد أخذت منك ما يقنعني..
قال: بل لن أدعك تغادري من هنا إلا لما أعرف لماذا ترفضين أن تأخذي المقابل، وقد أبلغتني لتوك أنك قد خسرت مالك..
قالت: المال يعوض.. ولكن المشاعر المهدرة لا مقابل لها..
قال: إذاً سأعطيك هدية.. أتقبلينها؟
قالت: في مرة تالية..
…
عندما دخلت غرفته، كانت النار متأججة في صدره، وعيناه تلمعان بشرر لم تره من قبل، في هذه الحال، شعرت بالخوف، خشيت من أنه قد أصيب بمرض، أو مس.. وجه أبي سيف، ليس وجهه المعتاد، فقد غابت البشاشة، وذابت الابتسامة تحت ركام هائل من الغضون.. للوهلة الأولى انبجس قلبك وظننت أنك دخلت في مكان غلط، وأن هذا الشخص الذي يبدو أمامك ليس هو صديقك.. شحوب واصفرار، اكتسح وجهه، وشفتاه مطبقتان على صمت رهيب، عندما ألقيت عليه التحية، رد باقتضاب وكأنه شخص لا يعرفك..
قلت مندهشاً، وبلهجة ملهوجة: ماذا دهاك يا صديقي؟
رد بلهجة مختزلة: لا شيء..
قلت: لا بل إنك تعاني من شيء ما.. قل لي ماذا دهاك؟
أومأ متململاً: لا شيء.. لا شيء..
جلست قبالته.. تفحصته.. تفرست في وجهه.. ثم أردفت مبتئساً: هذا المكان مكروه.. قلت لك إن ما تفعله بنفسك شيء من الجنون..
يلتفت ناحيتك، وعيناه تغرورقان بالدمع.. ثم يطرق: الآن عرفت الحقيقة.
قلت دهشاً: حقيقة؟ حقيقة ماذا؟
قال مرتبكاً وشفتاه ترتجفان: إنني كنت غائباً عن الوعي..
قلت: وهل نزل عليك الآن الوحي..
قال بلهجة جادة: بل الوعي الحقيقي..
قلت في لهوجة: نورني يا صديقي.. قل لي.. كيف سقط عليك الوعي فجأة..
قال محتدماً.. ليس فجأة، وإنما هي الحقيقة عندما تكون ساطعة في عيني امرأة مكظومة، فهي الكفيلة بأن تضع الإنسان أمام نفسه ولا ثالث لهما غير الحقيقة المطلقة..
قلت متذمراً: أطلق سراحي، وصارحني.. ماذا جرى من بين يوم وليلة؟
اعتدل في جلسته.. قال في لهجة واثقة: لقد زارتني امرأة، وكنت أعتقد أنها كسائر النساء اللائي عرفتهن.. للوهلة الأولى حاولت أن أعتليها كما كنت أفعل في صولاتي السابقة، لكنها رفضت. في البداية بكت منتحبة، فاستغربت من سلوكها، وظننت أنها تريد أن تستدرجني لتكسب مزيداً من المال، لكنها بعد أن كفكفت دموعها، اعتدلت، شائحة بوجوم، قائلة أرجوك لا تجرحني، أريدك أن تفهمني، أريدك ألا تكون كسائر الرجال الذين يمتطون جسد المرأة كخيل جامح، ثم يروضونها بالدغدغة والهدهدة، واللجلجة، ثم يسرقون منها ما يريدون، ويلفظونها عارية مضرجة بدماء الرذيلة، بعد ذلك، يمدون لها مبلغاً من المال، لكي تدسه في حقيبتها، وتذهب، لتقع فريسة في أحضان آخر، ثم ثالث، وهكذا..
ويستطرد: قالت هذه الكلمات، وكأنها صفعتني على وجهي، فدارت الدنيا بي ومادت الأرض من تحتي، وسقطت السماء على رأسي.. حاولت أن أستقطب مشاعرها متشهياً إياها بعنف، ضغطت على جسدها، عصرتها، بيد أنها أشاحت في وجوم محتجة على الهمجية، قائلة: لا تفعل معي هكذا.. لا تحاول أن تستغلني كعاهرة.. ثم تشجت بعنف.. صدقني لست عاهرة.. لست عاهرة..
قلت لها: إذاً ماذا أنت تكونين إن لم تكوني عاهرة..
قالت امرأة، فقدت قدرتها على عصيان رجل لم ينظر إلا إلى جسدها..
بعدها جنحت على صدري، كتلة من جحيم، حاصرني حزن رهيب.. أيقنت أنني بهيمة، وأنني أستعمل عضوي لحرث أجواف النساء لمجرد التفريغ لا غير، وفهمت لماذا كنت أشعر بالانكسار، وتطويني موجة من الحزن فور التخلص من السموم التي تنثال من جسدي.. عرفت أن كل ما كنت أفهمه مجرد إفراز حيواني، لا علاقة له بالفطرة البشرية.. حاولت أن أهدئ من روعها، اقتربت منها، قلت لها، لقد أعطيتني درساً لن أنساه، لذلك لا تخشي شيئاً، لن ألمسك، لن أمارس الحب معك، بل أريدك أن تبقي هكذا نظيفة، أريدك قديسة، وأنا كائن ضئيل أمامك.. فقط كل ما أريده أن تلبثي أمامي لأتأملك جيداً.. ومضى الوقت وبعد حين، شعرت بأنها تتغير، وتقترب مني، تداهمني في قبلات غير التي كنت أتلقاها من الأخريات..
قلت وأنت تبحلق في وجهه، مرتعداً.. وماذا بعد.. هل مارست معك الحب..
لوح بيده قائلاً: أرجوك لا تفهمني خطأ.. بالفعل مارست ولكن، بشكل مختلف.. ولما حاولت أن أكافئها بمبلغ من المال، رفضت.. قالت: أنا لست عاهرة، أنا أبحث عن رجل يحتويني بكرامة، ويضمني إلى صدره من دون نفاق اجتماعي.. وذهبت وودعتني، وأنا أمتلئ امتناناً لها.. ولكن في تلك الليلة لم أنم.. فكرت فيها جيداً.. فكرت في تاريخي المنمق بالهنات الأخلاقية، فكرت فيما جنته عقيدتي البائسة..
قلت له: والآن ماذا تريد أن تفعل..
قال وهو يتأفف: لا أدري.. أشعر بانقباض صدري، وحرقة تكوي جسدي، وفراغ وسيع يلتهمني، ويخفيني عن الوجود.. أشعر بأنني الآن، كائن يذوب شيئاً فشيئاً، أشعر بأنني أغوص في حفرة عميقة بلا قرار..
حاولت أن تهدئ روعه، حاولت أن تتجنب تأنيبه، حاولت ألا تدعه يغرق في التشاؤم، دنوت منه، ربت على كتفه، قلت له بلهجة وادعة.. لا تجزع يا صديقي، الآن أنت في الطريق الصواب، ولكن لا تدع نفسك فريسة الشعور بالذنب، إن ما فعلته في السابق يجب أن يكون شيئاً من الماضي..
يقاطعك.. الماضي ليس مادة معدومة.. الماضي كائن حي، يعيش في داخلنا..
قلت: لكنه كائن يستطيع أن يشذب من أوراقه الصفراء، لتتحد أوراقاً حية خضراء، فينتعش حاضره بالازدهار..
قال: الذاكرة.. الذاكرة ليست وعاء مثقوباً، بل هي قربة تنضح بالملح، الملح قد يتسرب إلى التربة، ويميت الزرع والضرع..
قلت في لهجة جادة.. لا.. لا يا سيدي، يجب عليك أن تنهض من هذا الوهم، وأن تستأنف حياتك من جديد، ربما كان مجيء هذه المرأة إلى مخدعك لأجل أن تصفع الماضي وتسحق جذوره، لتبدأ أنت من جديد.. ابدأ من جديد، ويكفي أنك استيقظت قبل فوات الأوان..
يأخذ سيجارة، ويعطيك أخرى..
يمج الدخان بكثافة، ويتنهد، يحملق في السقف.. قال: يا له من سقف عنيد، كم تحمل من التأوهات، والشهقات لكنه صامد..
قلت: إذاً يجب أن تصمد أنت كذلك، لأنك نمت تحته لسنوات، ويجب أن تتماهى بهذا السقف الذي ضم شهقاتك..
يبتسم.. ينفض رماد السيجارة، ثم يشعل جمرتها برشفة عميقة، وينفث الدخان.. قائلاً.. عذاب.. اسمها عذاب، لكنها فعلاً عذبتني، بسلوكها الذي لم أشهد له مثيلاً في حياتي.. لا أدري كيف خرجت هذه الأنثى من بين براثن الفنادق، التي لا تدلق غير العارهات..
قلت له: لا عجب.. لا تندهش، ألا تخرج الجمرات من تحت ركام الرماد التالف؟ فليس من الطبيعي أن تكون جميع النساء اللاتي يهجعن في مخادع الجنس كلهن فاجرات.. ثم تضيف.. هذه عقيدة اجتماعية بائسة، بل كذبة، نحن الرجال اخترعناها، وصدقناها، وعلينا أن نحاول التخلص من الكذب.. الكذب جزء من الخرافة التي نحيك خيوطها، ونرسم لها أشكالاً هندسية مذهلة، ونظن أنها الحقيقة..
قال: إذاً أنت لم تصدق ما قاله الشيخ ضاوي..
قلت: ليست المسألة أن أصدق أو لا أصدق.. بل يجب البحث عن الحقيقة فالقضية الأساسية لا تتعلق بأم الدويس ككائن قد يكون مخترعاً، بل إن الجوهر في الموضوع.. الأبعاد الاجتماعية واللاشعور الجمعي الذي يصنع مثل هذه القصص.. وتستطرد: يجب أن نسأل أنفسنا، كيف جاءت قصة أم الدويس، وكيف تجسدت ككائن طبيعي يعيشه الناس، ويصيغون حوله الحكايات والروايات..
قال: هل رأيت وجه الشيخ ضاوي كيف كان يتلون وتجحظ عيناه؟
قلت: أجل وهذا أمر طبيعي.. فالشيخ ضاوي ضحية من ضحايا التاريخ المزور، هو يعتقد أنه يعلم ما لا يعلمه غيره، بينما هو مجرد محفظة لقصص تراكمت محتوياتها عبر عصور من الخوف..
قال: الخوف.. الخوف من ماذا..؟
قلت: هذا الذي يجب أن نبحث عنه.. الخوف.. الخوف هو الكائن المجهول الذي صنع كل هذه القصص، ودبلج المشاعر البشرية، لتصير مجرد أكوام من الخيال، يعيش على ضخامته شريحة من البشر..
قال: ألست مقتنعاً بالخوف؟
قلت: ولم لا؟.. لكنني يجب أن أبحث في كنهه..
إذاً أنت تخاف؟
قلت: أجل..
قال: ولماذا ترفض الخوف ولا تعترف به؟
كوني أبحث في جذوره، فهذا لا يعني أنني أرفضه.. أنا أريد أن أعرف..
تعرف؟ تعرف ماذا؟
قلت: أعرف لماذا الناس يخافون؟
أهذي فلسفة؟
قلت: سمها ما تشاء.. المهم، كل ما أريده هو أن أدافع عن نفسي..
قال: ضد من؟
قلت: ضد نفسي..
ضد نفسك؟
قلت: أجل..
قال: إذاً هذه فلسفة..
قلت: قلت لك سمها ما تشاء..
يتبع ..
-
8 - 12 - 2012, 12:13 AM
#17
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
وحيداً تتخبط في هذا العراء، يخيفك الليل بسواده المعتم، وتتلقفك الأرض وخطواتك، تلج الصمت، بطرقات، تقدح الصخر، تحلم حبات التراب بماء الجسد المتصبب، هلعاً.. لا تدري، أين تأخذك الريح، لا تدري أين تمضي بك الدقائق، وأنت تحاول أن ترتب أفكارك..
صدمة.. بل لطمة أن تشهد لمعان الدمع في عيني صاحبك، الماجن، وأن ترى يديه ترتجفان كزعنفتي سمكة مذعورة.. فأي امرأة ساحرة هذه زلزلت كيان الرجل، ليستحيل إلى بقعة زيتية مترعة بالمخاوف والإرهاصات الزمنية.. كان في الماضي يقول على الحياة وعاء مترف بالملذات، فاغرف منه كيف شئت قبل أن يمتص رحيقه غيرك.. اليوم، ينكفئ متكئاً على مشاعر مبعثرة، ويخض خضيضه شعور بالذنب لم تشهد له مثيلاً.. أبو سيف، تحلل من كل ثيابه القديمة والرثة، اغتسل من عفونة زمنية غابرة، وتجلى شخصاً آخر، وانبرى يتهدج بلغة مجروحة، متمخضاً عن مشاعر طفولية ورعة، منتشلاً نفسه من وعورة سلوكيات، ظننت أنه لن يخرج منها سالماً، طالما غاص في ضحالتها، واستمرأ اللذة حتى باتت شيمة من شيمه الأخلاقية، كان يسخر من عصاميتك، يقول إنك تضيع العمر في ترهات وبحوث لا تجدي، يقول عنك، إنك متقاعس كثيراً من جانب المرأة، ولم تعطها حقها.. كان يؤمن بأن اللذة هي ثمرة الحياة، ومن يبخسها حقها فإنه كائن مجافٍ لملة الكائنات الحية..
يا إلهي.. تقول: كيف استطاعت هذه الشيطانة اللئيمة أن تطير عقله، وتحتل مساحة واسعة من روعه وتستولي على مشاعره، ليصبح كائناً آخر مختلفاً متميزاً؟ ثم، تبتسم.. أبو سيف يتميز في انحرافاته ويذهب إلى أقصى حدود التطرف، ويتميز في مثاليته، ليأخذ جانباً حاداً من مهارات العفة..
تصمت قليلاً.. تقول: يا ترى هل سيصمد أبو سيف؟ هل سيمقت الماضي إلى الأبد، وينفض يديه من براثنه وحثالاته المزرية؟ تتأمل صورة وجه الرجل الذي جلس قبالتك قبل ساعات، تتبين دمعة الخنوع، وتستمع إلى شريط الكلمات المبهمة التي كانت تخرج من فيه، كالتلاوات الغامضة، حتى كدت تشك في أمره.. لكنك أيقنت أن أبا سيف، الذي يجلس أمامك هو نفسه الذي تركته قبل يومين، لكنه ليس هو نفسه في مشاعره التي تدفقت مندفعة كشلال، يمر على سفح جبل مغبر، فيغسله، ويرمي بطينه وغباره، عند مستنقع الأرض الخفيضة.. أبو سيف فعلاً تغير، وهو يسرد قصة الفتاة عذاب، ويسرف في الإطراء عليها، والثناء على أخلاقها، جعلك تتأكد تماماً أن صاحبك قطع النية، واستفاق بعد غيبوبة.. تصمت.. تفكر، تتأمل الظلام، تقول ولم لا.. أبعد هذا الظلام الدامس، تنشق السماء عن نور ساطع، أبعد هذا النسيم الوادع، يهب هواء النهار الساخن، يسكب جحيمه على الوجوه.. التغير حتمي في الوجود، وأن يتغير أبو سيف، فالأمر ليس مستحيلاً.. عند منتصف الطريق، وقبل أن تصل إلى منعطف يؤدي بك إلى الشارع العام، تقف.. ثم تجلس على ظهر صخرة جبلية.. تأخذ نفسك.. تدخن.. تمج الدخان في الهواء، فتتصاعد حلقاته في دوائر رشيقة، ثم رويداً رويداً تذوب في المجهول، تقول.. كأن تصرفات أبي سيف، استدارت إلى حلقات، ثم صعدت إلى الخلاء، ثم تلاشت إلى لا شيء، لتنبري أخلاقه الجديدة، ناصعة كبياض قندورته التترون، ثم تنظر إلى الخلاء، تنظر إلى الصمت الذي تجسد شيئاً واقعاً، في هذا المكان، تصفو القريحة، إذ لا ضجيج، لذلك، يستطيع الإنسان أن يلتقط حبات الفكرة، حبة حبة من دون تشتيت.. أبو سيف في هذه العزلة على الرغم من كل سلبياتها، إلا أنه عثر على نفسه التائهة بعد ضياع..
ثم تبهت.. تقول: لكنه قال إنه ضاجعها.. مارس معها الحب، برغبة عارمة، ثم غادرت راضية مرضية.. إذاً ما الفرق.. لماذا تظاهر وكأنه نبي، وصار يذرف الدمع مدراراً، ويخشن صوته، وترتجف أطرافه؟ تقول: قال لي إنه أيقن أن نظرته إلى المرأة كما إلى الحياة تغيرت، وأنه اعترف بأنه كان شخصاً آخر، واليوم يريد أن يسلك طريقاً مختلفاً.. ما الفرق؟
تكرر الكلمة، وتقول: أكان يريد أن يخدعني بتظاهره بالورع؟
تقول: لا.. لا شيء يضطره أن يفعل ذلك، فهو بنفسه الذي كان يجاهر برغباته الجنونية في كسب اللذة، وكان يعتبر كل من مج اللذة متبلداً، يائساً، ولا يحب الحياة.. إذاً ما الفرق؟ أريد أن أعرف، أريد أن أخرج من هذه التهمة الفظيعة، أريد أن أحرر عنقي من طوق الشكوك والخيالات القاتلة.. تصمت.. تشعل سيجارة أخرى، تقول: لقد أصبحت مدمناً على التدخين، صرت لا أفوت فرصة إلا أشعل سيجارة.. القلق، يدفعني دفعاً إلى التدخين، وقد اتفقت مع نفسي على أنني لن أدع هذه السيجارة تسيطر على إرادتي، لكنها اليوم باتت شيئاً مهماً، بالنسبة إليّ رائحتها تلاحقني، وتتكدس في أنفي، كرائحة أي مخدر.. تدفن العقب في الرمل، تنهض، تأخذ نفساً عميقاً فتمضي..
تقول: لقد أشعلت قلبي، يا أبا سيف، بخزعبلاتك هذه.. كنت تتهمني بالهزيمة، والتصرفات المبهمة، والآن، أنت صرت أشد فظاظة وفجاجة، صرت كائناً غريباً تدحرج فجأة، فوقع أمام قدمي فلم أستطع إزالته من أمامي، ولم أستطع الفرار منه.. أنا الآن أمام متغيراتك المدهشة.. أنا، تستعبدني عبثيتك، تعبث بداخلي، تحركني لا أستطيع أن أذعن لفكرة بعينها، لأنني مازلت في قلب الصدمة.. وأسأل نفسي: ما الفرق؟ لقد اعتليت جسدها، ولعقت رضابها، حتى ذاب فيها القلب والروح، ماذا بقي أن تتساوى به أيها المأفون.. ثم تضيف.. لكنك بالتأكيد لا تمزح، ولا تريد أن تخادع، أو تراوغ.. إذاً الأمر يستحق التفكير والتأمل.. تقول في آخر المطاف، لا بد أنك ستقتنع بأن صديقك قد انتعل مشاعر جديدة. وأنه حين قال قد علمته تلك المرأة ما لم يعلمه، فإنه كان يتحدث بجدية، بل كان متأثراً بكلامه من جراء إحساسه أنه أذنب في الماضي في حق المرأة..
…
فكرت.. تذكرت كلامه، فقد قال إنها رفضت تقاضي مال مقابل الممارسة، كان يقصد أن الفتاة جاءت لتكسب الحب وليس المال، كان يرمي إلى أنها ليست عاهرة، فكل امرأة تمارس الحب من أجل الحب، فهي طاهرة وخيرة، لأنها لا تتكسب، لا تبتز، ولا تستغل، وأفضل من ذلك كله أنها لا تتاجر بجسدها.. المرأة التي تحترم الجسد فإنها تحترم الطرف الذي يتعاطى معها الحب، ومن تفعل ذلك فإنها تمارس قدسية التسامي البشري.. ثم تقول: معنى ذلك فإن أبا سيف سوف يقتصر على فتاته الأخيرة، ولن يمارس عادته القديمة، ينام في النهار، ويخرج في الليل كالخفاش، باحثاً عن فرائسه، في ردهات الفنادق، وكواليس البارات، وكذلك الأزقة المعتمة في أنحاء البلد.. تقول إن أبا سيف سوف يمارس الحب، ولكن بقوانين حمورابي، أي لا عدوان ولا استغلال.. ثم تردف: الآن في إمكاني أن أكون حليفاً لصيقاً لهذا الصديق، المرتد عن تعاطي الفكر الفوضوي.. ثم تصمت، ثم تقول: لكنه ينقصه شيء واحد.. أنه لم يزل مقتنعاً بالكثير من مقتنيات المجتمع، لم يزل يؤمن بأن الكثير من القيم الاجتماعية، لا غنى عنها، ولذلك لا بد من التشرب بألوانها كونها تحفظ ماء الوجه لإنسان لا يستطيع ممارسة التمرد في أقصى صورة.. معنى ذلك أن أبا سيف سوف يدحض اعتقاداتك بأن الخرافات مصدرها الخوف.. أنت توصلت إلى أن الاعتقاد بوجود كائن قوي يسدد ضرباته متى ما شاء، ضد كل من يعترض طريقه فكرة الإحساس بالنقص.. ثم تقول النقص من ماذا؟ من الضعف.. والضعف كيف يستولي على الإنسان.. تقول الجهل.. لكن أبا سيف لا يفكر في كل ذلك، هو لم يزل متشبثاً بلذة، رغم اختصارها.. أبو سيف يريد أن يعيش في نفس المحيط بشروطه.. وأنت تريد أن تدور خارج فلك هذا المحيط بشروطك.. إذاً كلاكما يختلف عن الآخر، أنت خرجت عن ملة المجتمع لأنك تتهمه بالخرافة.. وهو خرج عن سياق المجتمع، لأنه يبحث عن لذة.. ثم تقول: كلانا يبحث عن لذته، ولكن لكل منا منهجه. وعندما تصل إلى البيت.. ترى جسدك المنهك، تقول في نفسك: لماذا لم أستقل مركبة..؟ ثم تستغرب كيف قطعت كل هذه المسافة الشاسعة مشياً على الأقدام ولم تشعر بالمسافة، وبالتعب إلا عندما وطأت قدماك فناء المنزل، ثم ألقيت بجسدك على المخدع الأمن.. تقول، الفكرة تدحض الألم، والانغماس في تفكير ما يجعل الإنسان لا يشعر بالمحيط الذي يطوقه، الأمر الذي يجعل الكثير من الأطباء، عندما يريدون إجراء عملية جراحية لمريض، فإنهم يستخدمون التنويم المغناطيسي. تبهت.. تقول يا إلهي.. أكنت منوماً مغناطيسياً، أثناء سيري في الطريق.. أحقاً كنت كذلك.. ثم تطرق ولم لا؟ فالفكرة عميقة، والإحساس بهذه الفكرة كان متقداً، ما أذهلني وجعلني أنسى التفكير في أي شيء إلا فيما دار بيني وبين أبي سيف..
وأنت تستلقي على السرير، وتزحف شيئاً فشيئاً تحت الملاءة، القطنية، قلت: إذاً كلانا يبحث عن لذته، وكلانا يظل سؤاله مطروحاً إلى الأبد.. تقول إلى الأبد، فهذه معجزة، أن تبقى تسأل من دون جواب.. ثم تستدير وأن تأخذ سيجارتك، وتقول: بعض الأسئلة تبقى هي الأجمل، والإجابة عنها تفقدها معناها، بل وتتفه مغزاها.. تدخن.. تستمتع بدوائر الدخان وبأفكارك التي صارت تنثال عليك كرذاذ المطر..
عندما اختلى أبو سيف بالفتاة الضالعة في الحزن. شعر بأنه من الواجب عليه أن يرفه عنها، وأن يحمل عن كاهلها بعض الحزن الذي أثقل قلبها، وجرح روحها، كان لا بد أن يجاهر بتعاطفه معها، وعلى الرغم من أن الرغبة الجامحة تفور تحت جلده وإن لم يزل، يحتفظ بجزء كبير من ماضيه المفعم بالغزوات والحروب النسائية الطاحنة، لكنه وجد نفسه أمام واقع جديد، أمام امرأة، تتقلب على جمرات عذابات سابقة، ولم يصدق أن ما تعانيه عذاب مجرد إحساس بالذنب من تصرفات ذكورية هوجاء عصفت بروحها بعد أن دمرت معالم الجسد الشاب.. نظر الرجل إلى وجه الفتاة، الجامد، وملامحها المشوبة بتجاويف التعب والبؤس.. قال: هلا أخبرتني بالحقيقة؟
قالت متوجسة: وماذا تريد أن تعرفه، فقد فصلت لك جل تاريخي الأسود..
قال: لا بل أريد أن أفهم ما هو الأهم؟
قالت وهي تلملم أطراف ثوبها الطويل الشفاف، وتلعق رضابها، وتضغط على مخارج ألفاظها أي أمر مهم تريد أن تعرفه..
قال: لست مقتنعاً بأنك تمقتين الرجال، كونهم فقط استغلوا جسدك لشهواتهم، وأتصور أن أمراً آخر هو الأهم، وهو الذي جعلك تشعرين بكل هذه الانكسارات التي ألمت بك..
تصمت الفتاة.. تنظر إلى الرجل الرابض بجانبها، بعينين دامعتين، وقلب مقبوض.. تقول: لماذا تريد أن تقلب المواجع.. لماذا تريد مني أن أستعيد تاريخاً قررت دفنه، والمضي بعيداً نحو غايات أرحب.. لماذا تبخل عليّ بلحظة سعادة، بعدما استأنست بوجودي بجانبك؟
قال: لم أقصد أذيتك، ما أردته هو الانسجام معك، بعد أن نتقاسم معاً الهم.. ثم يستطرد: صدقيني، أنا كنت إنساناً لاذعاً، ومؤذياً، وديماجوجياً، وصرت الآن إنساناً آخر.. أريد أن أكفر عن ذنوبي، وأتطهر من كل المآسي التي ارتكبتها.. ثم يضيف ملوحاً بيدين مرتعشتين، وشفتين مرتجفتين: صدقيني لم أقصد التسلية، أو التلهي بعذاباتك، بل كل ما أتوق إليه هو أنني أريد أن أبدأ بداية لا تشوبها شائبة، أي غموض..
تعتدل عذاب، تتبين ملامح وجهه الجامدة، تتفرسه جيداً، ثم تردف بلغة جادة، وعيناها متصوبتان في وجهه المكفهر.. تقول: يا عزيزي إن مأساتي أنني من أسرة مسلمة في أذربيجان، وكنت سعيدة بين أفراد أسرتي، المكونة من ثلاثة إخوة وشقيقتين، أنا أصغرهم سناً، كنت في المدرسة ذكية ونبيهة، وأحصد الدرجات العالية، ولكن بعد وفاة أمي، لم يمهلنا أبي الوقت الكافي، بل سرعان ما عثر على الزوجة والتحق بها، وجلبها إلى البيت الذي عاشت فيه أمي والسرير الذي ضمها وإياه.. والمطبخ الذي كانت تطهو له الطعام بيديها فيه.. الزوجة الجديدة.. تصمت، تتنهد، تأخذ نفساً عميقاً، ثم تخبئ وجهها بين يديها، وتنشج.. مد أبو سيف يده، رفع يديها عن وجهها، كفكف دموعها، قائلاً: أرجوك لا وقت للدموع، أريد أن تتجلدي قليلاً، وتحكي لي القصة بتفاصيلها، وجزئياتها.. مسحت الدموع، بأنامل رقيقة، ونخرت ترفع المخاط المنسال من تحت فتحتي الأنف، ثم أطرقت: زوجة أبي كانت قاسية، ولاذعة، وبذيئة، كانت دائماً تناديني وكذلك شقيقتيّ.. بالعاهرات.. كنت أشمئز من هذه الكلمة، لكنها لصقت في ذهني، كانت دائماً تشي إلى أبي عني وعن شقيقتيّ، وكان ينصاع لأخبارها السيئة عنا، فينهال علينا شتماً، وضرباً.. حتى إنه صار يكرر نفس عبارتها البذيئة، كان يقول لي أيتها العاهرة الصغيرة، وأحياناً يقول لي: أنت مشروع عاهرة.. أنا لست مطمئناً لمستقبلك.. كنت أحس بالبؤس وتنتابني نوبة حزن رهيبة، كنت أدخل غرفتي التي تشاركني فيها شقيقتاي، وأنكب على السرير، كانت أختي الكبرى تحاول أن تخفف عني، تهدهدني، لكنها لا تصمد كثيراً، بل كانت تنهار، وتظل تبكي معي، ونظل طوال الليل نتذكر أمنا، ونتخيل صورة زوجة أبي البشعة، ولا نملك غير إكالة اللعنات لها، ولكنها عند الصباح تجازينا، بالشتم، واللطم والتهديد لنا بأنها سوف تشردنا، وتجعلنا عاهرات رسميات.. ومرت الأيام، كان لزوجة أبي أخ، استضافته في البيت، ولم يكن معها سواي، حيث كانت أختي وأشقائي الثلاثة خارج المنزل في زيارة لأحد الأقارب في بلدة قريبة من قريتنا، بينما أنا تقاعست عن الذهاب معهم.. أحضرته زوجة أبي إلى البيت، وطلبت مني أن أبقى معه، بحجة أنها ذاهبة للتبضع في السوق، وشراء بعض الاحتياجات المنزلية، أذعنت لرغبتها، وما كان لي غير أن أنفذ ما تريد، لبثت معه في البيت بمفردنا، وكان في البداية، بدا لي أنه شخص لطيف، وصار يحكي لي عن أمنياته وطموحاته في المستقبل، وكنت أصغى له ببراءة، واطمئنان، كونه قريبي، وشقيق زوجة أبي، لكن بعد فترة وجيزة، وجدته ينحرف بالحديث نحو قضايا أخرى عاطفية، فتوجست، وحاولت أن أحترس من التعاطي معه، لكنني لم أبين له انزعاجي من حديثه، لكنه رويداً رويداً صار يقترب مني، حتى صار لصقاً، فشعرت بالخطورة.. حاولت أن أتملص بادعاء أنني أشعر بالصداع ولا بد أن أذهب إلى غرفتي، بيد أنه لم يتركني أذهب، بل تشبث بي، وصار يلهث ويزبد، فعرفت أن الخطر داهم، حاولت أن انتزع نفسي بقوة، بيد أن شبابه اليافع ساعده على إخضاعي، وإجباري على الجلوس من دون مقاومة، انصعت مرغمة، لبثت جامدة، لكني حذرة، صار يتوغل فـيّ، يتفرس إلى جسدي، ويطري على جمالي، ثم امتدت يده إلى جسدي، نهضت حاولت أن أفر، لكنه اجتذبني بعنف، وبطحني على الأرض واعتلى جسدي، وصار يمرغ يده على كامل جسدي، ثم انتزع ثيابي وأنا أحاول أن أتحرر من بين يديه، دون جدوى، كانت ذراعاه القويتان تجبرانني على الخضوع، حتى استطاع أن يتوغل فـيّ، وأن يفرغ سمومه في جوفي، ثم رفع جسده، وفر من البيت.. ولما جاءت زوجة أبي، ووجدتني، معذبة بدمائي، سابحة بدموعي، سألت عن أخيها، أومأت لها بأنه هرب.. انهالت علي بالضرب قائلة بلهجة قاسية.. انصرفي من هنا يا عاهرة، ثم مهددة، ومتوعدة إياي، لو أنني صرحت بذلك لأبي، وأخبرته عن الأمر، فسوف تقول له، إنها شاهدتني وأنا أمارس الجنس مع أحد الشبان الذي لا تعرفه، هضمت غيظي، ورحت إلى غرفتي ودخلت الحمام، وغسلت بدني، وغيرت ملابسي، وعدت إلى سريري، أحاول أن أستعيد الموقف الوحشي الذي عشته مع ذاك الكائن المتوحش، شعرت بحقد لا يوصف تجاه تلك المرأة التي تسمى زوجة أبي، وأيقنت أن ادعاءها بالذهاب إلى السوق ليس إلا خطة مدبرة، الهدف منها الإيقاع بي، وكانت تريد أن تكسرني وتجعلني ضحية عقدة، لا براء منها، كوني الوحيدة في البيت، التي كنت أحياناً أشاكسها، وأرد على بعض ألفاظها النابية بعدما يفيض بي الكيل، لذلك كانت تريد أن تنحرني بسكين الشرف، وأن تفقدني عذريتي لكي لا أفكر في الاستقامة إلى الأبد..
تلهج عذاب، ويصفر وجهها، ويغرق محياها بالدمع الغزير، تقول: تاريخ أكثر سواداً من الحروب والكوارث الطبيعية، تاريخ يكمن في الروح، ويقبض على شغاف القلب بكل شراسة..
وينظر إليها أبو سيف بشفقة، وتعاطف جم، يريد أن يفعل شيئاً ما يغير من مجرى حياة الفتاة.. يفكر في الزواج بها، لكن هذا الرهان الذي لن يكسبه أبداً، لن يستطيع أن يخترق حاجزاً نفسياً صنع منذ الأزل، ليجعل شرف المرأة وكيانها ومستقبلها مرتبطاً بذلك الغشاء الرقيق الذي لا يساوي قشرة بصلة..
يقول أبو سيف: إذاً في إمكانك أن تفعل كي تستعيد عذاب بقايا قلبها المحطم.. انكفأت.. لا شيء يمكن أن يرمم هذا الجدار المتهالك.. غير الغشاء المفقود.. هذا مستحيل.. رفعت بصرك، قلت: لكنك لا يجب أن تعيشي هذه المأساة إلى الأبد، الإنسان يستطيع أن يدفن الماضي بشيء من الثقة وتستمر الحياة..
عذاب.. تتأمله.. وإذا كانت الثقة في الأساس سحقت تحت عجلات الشك الرهيب، وما تبعثر من مشاعر إثر الانسحاق اليومي في مجمل العلاقات الإنسانية..
يرد أبو سيف.. أريدك أن تتفاءلي، أريدك أن ترتفعي عن هذه الجروح..
عذاب: أنت تقول ذلك لأنك لم تجرح، ولأنك رجل، ولا تربطني بك صلة القرابة.. تصور لو أنك أخي أو قريب مني، ماذا ستفعل، وكيف ستنظر إليّ وأنت تعرف أنني فقدت عذريتي إثر اغتصاب بغيض؟
أبو سيف.. سوف أقتل المجرم الذي ارتكب هذه الجريمة الشنيعة..
ردت بلهجة معاتبة.. أعرفت الآن، مدى فداحة الجرم؟ نحن لا نهون من هذه الأمور إلا عندما تكون عند جيراننا، لكنها عندما تلمس ثيابنا فإنها تصبح كارثة كونية لا يمكن السكوت عنها.. ثم وهي تلعق شفتيها.. أرجوك اعذرني لقد أشقيتك بهذه القصة المأساوية، لكنني كنت مرغمة أمام إصرارك على معرفة كل ما يجول في ذهني.. ثم تقترب من أبي سيف قائلة: هل أزعجتك؟ سامحني..
أبو سيف.. لا بل أشعر بأنني أصبحت أكثر قرباً منك..
عذاب.. وهي تمرر يدها على جبينه: صحيح..
أبو سيف: هذه هي الحقيقة.. ثم يردف قائلاً: يبدو أننا نتقاسم الجروح، على الرغم من أننا لم نتعرف إلى بعضنا إلا من فترة وجيزة..
تأملت وجهه بنظرات طفولية، وقالت وهي تقبل فمه: هل تسمح لي بسؤال صغير، بحجم هذا الفم الناعم..
قال: نعم يا غاليتي الصغيرة.. أسمعك..
قالت: في بلادكم الناس يعبدون الجنس، بل ويفضلونه على الأكل والشراب..
قال دهشاً: وفي بلادكم، كيف يرون الجنس؟
قالت بصوت رخيم: ربما أكثر من هنا..
قال متعجباً: ولماذا تستغربين من عبادة الناس للجنس هنا؟
قالت: لأنكم الأقرب إلى الأماكن المقدسة..
ضحك بسخرية قائلاً: وكلما تقتربين أكثر تجدينه أكثر سطوة على قلوب الناس، وهذا أمر طبيعي..
قالت باستغراب: كيف؟
قال: لأن الجنس جزء من عبادة الإنسان، سر الله في خلقه..
أزاحت خصلة من شعرها، انسحبت على جبينها، لتنظر إليه جيداً، ثم أطرقت: أهذه فلسفة.. أم تقليد اجتماعي؟
قال.. بل هي فلسفة كونية.. ثم استطرد، الشعوب تتطور، والحضارات تتبدل، وتندثر حضارة، وتمتد على أثرها حضارة أخرى، لكن الإيمان بقوة الجنس في تشكيل حياة الإنسان مبدأ لا يتغير..
يتبع ..
-
8 - 12 - 2012, 12:14 AM
#18
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
--------------------------------------------------------------------------------
.. تابع
قالت: ولكنك تغيرت لمجرد أنك فهمت قصتي تبدلت كثيراً..
يأخذ شهيقاً عميقاً، ثم يزفر، تغيرت نحوك، وليس نحو الجنس.. هذا شيء وذاك شيء آخر..
قالت في حيرة: لم أفهم..
قال: يجب أن تفهمي..
قالت: أوضح أكثر..
يعتدل في جلسته.. ثم يطرق..
كوني أعدل عن ممارسة الجنس بوحشية الكائنات الضارية شيء، وكوني أحب الممارسة، بطريقة حضارية شيء آخر.
قالت: هذا ما قصدته..
قال: ماذا؟
قالت: الناس.. بل الكثير من الأشخاص، الذين مارست معهم الحب، شعرت بأنهم يتعاملون مع جسد المرأة كما لو أنهم يقضمون شرائح من اللحم الحيواني، النيئ.
يضحك. ثم يستأنف: أمر طبيعي.. البشر أصناف، وأخلاقهم تتعدد، بتعدد ثقافتهم وتنشئتهم.. أليس كذلك؟
لم تنبس بكلمة، واكتفت بإيماءة إيجابية.. قالت: أشعر بأن ريقي ناشف وأحتاج إلى كأس شاي..
قال: الشاي على النار، انتظري قليلاً وسوف يكون جاهزاً..
ابتسمت، وأرخت رأسها على كتف أبي سيف المضطجع، ثم راحت تمسد شعر صدره، بأناملها الرقيقة، بينما سبل هو جفنيه، مسترخياً، متوائماً مع حركة أصابعها، التي بدأت تمشط الشعيرات النابتة كالعشب عند ربوتي الصدر وعلى ضفتي الحلمتين المنتفختين، كحبتي الحمص الصغيرتين، المحمصتين على نار الجلد المتوهج.. لبث هكذا حتى سمع أبو سيف صوت فوران الشاي، قفز قائلاً: لقد طفر الشاي.. كانت عذاب قد استتبت قليلاً، بعد أن نفضت من صدرها حثالة ماضٍ قديم، وشعرت بأنها أوصلت الرسالة بالشكل المأمول، ما جعلها تطمئن لمشاعر أبي سيف نحوها، وما أبداه من تعاطف تجاهها..
أخذت الفتاة كأسها، قربت أنفها الصغير من الدخان المتطاير، قالت منتشية: كم أحب رائحة الشاي أكثر من طعمه.. إنه يذكرني بشاي المساء الذي كانت تعده أمي للأسرة يومياً، حيث كنا نجتمع معاً حول سفرة مستديرة، وكانت أمي تدير الجلسة، بحوارات عائلية شاعرية. ثم تهز رأسها، في أسف.. ولكن، القدر لم يمهلها، وكأنه كان يريد أن يعاقبني في غيابها، لتحل محلها تلك اللبؤة الفاجرة..
يقول أبو سيف: هدئي من روعك. وعليك أن تنسي، لا داعي لاجترار الماضي، فإنه فعل شيطاني بغيض. عيشي أيامك الحلوة، عيشي الحاضر، فإنه الأجمل.. وليس أحد منا يخلو من الهموم، لكن لا بد أن نضع الماضي وراءنا، ونسير إلى الأمام حتى نستطيع أن نعيش..
تضع الكأس جانباً، وتقول: وأين هي الحياة الحلوة؟
قال: الحياة التي تعيشينها..
قالت.. لو تعلم كم قاسيت منذ أن وطأت قدماي أرض الله، لقد قاسيت الأمر نفسه، تلقفتني أجساد الرجال، وراحوا يهيلون عليّ حثالة عقدهم، حتى شعرت بأن هذا الكون يضيق بالأنذال والأوغاد..
أبو سيف: قلت لك يا غاليتي الصغيرة، يجب أن تفندي علاقاتك، وألا تضعي كل الرجال في كفة واحدة، الناس أجناس.. وأنفاس..
تهز رأسها: أجل، ولكنني لا أستطيع أن أتخلص بسرعة من أحزاني.. إنها ضخمة وثقيلة، وجسدي يرزح تحت أوزان لا تحتمل..
قال بصوت مبتهج: أريدك أن تضحكي قليلاً..
ضحكت..
يتبع ..
-
8 - 12 - 2012, 12:15 AM
#19
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
ثم قال.. أريدك أن تغمضي عينيك..
أغمضت عينيها..
فتح علبة صغيرة، ووضع في يدها عقداً ذهبياً، لمع في كفها الناصع، ثم قال: افتحي عينيك الآن..
فتحت عينيها، شهقت، قالت: ما هذا؟
قال: كما ترين..
قالت في حبور: أهذا لي؟
قال: أجل، وتستحقين ما هو أثمن..
لبثت تقلب العقد، وتتفحصه وتتأمله، بعينين دامعتين فرحاً، ثم قالت منشرحة: كم أنت نبيل، يا أبا سيف..
قال معتداً: لا يا غاليتي، أخلاقك النبيلة جعلتني أراك بعين مختلفة، وما هذه الهدية إلا جزء يسير من أفضالك..
قالت معاتبة، أفضالي، وماذا قدمت لك، حتى تذكرني بالفضيلة؟
قال: لقد علمتني كيف أرى الحياة.. كيف أرى النساء..
خفضت بصرها، متلمظة، وقد ملأ قلبها الفرح، فأطرقت: لولا أنك رجل ذو سجية نقية، وسريرة نظيفة لما استطاعت كل نساء العالم أن تثنيك عن عقيدك، ثم تستطرد: يبدو لي أنك الحظ السعيد، الذي وعدني به الله، فالتقيتك، وهذا ما حصل..
يأخذ أبو سيف رشفة الشاي، وهو ينظر إلى فتاته من خلال الدخان المتطاير، ومن خلال خصلة الشعر المنسحبة على جبينها اللجين، ثم يطرق: يا الله.. كم كنت غائباً عن الوعي. هل تصدقين عندما علم صديق لي بنبأ تخلصي من إغواءاتي السابقة، أصيب بالصدمة، ولم يصدق ظل ساهماً، شارداً يتأملني، ويتفرس وجهي، وكأنه يقرأ تفاصيل وجه رجل غريب، وبعد محاولات لإقناعه، والتي باءت بنجاح باهر، قال.. الآن أشعر بأنك إنسان طبيعي تنتمي إلى حظيرة البشر..
ضحكت مسرورة.. قالت.. يبدو أنك كنت موغراً صدره بمشاعر التشاؤم.
أبو سيف: بل كان يائساً من إصلاحي..
وكيف كان يتعامل معك..؟
أبو سيف: كان يقوم بدور الإصلاحي، وكنت أتبوأ دور الماجن الذي لا أمل في إصلاح شأنه..
عذاب: لكنه كان يرتاد مأواك..
لقد غاب عني لسنوات طويلة، وبعدها، وجدته فجأة. يتصل بي، فرحت برؤيته، كصديق، لكني ضقت به ذرعاً وهو يملي عليّ شروط الاستقامة..
وماذا فعل..؟
أبو سيف: حقيقة، صديقي هذا رجل، صبور، ومحنك، وفيلسوف.. ينظر إلى الحياة بمنظور مختلف، عما يراه الآخرون، وأنا واحد منهم..
تبحلق عذاب: ما هي فلسفته..؟
أبو سيف: طبعاً لن تعجبك رؤيته للحياة..
تبسمت عذاب: كيف..؟
هو كان على الضد تماماً.. لا يحب الاقتراب من النساء، وله رؤيته الخاصة في ذلك، حتى إنني كنت أسخر منه أحياناً وأقول له: أنت من الجنس الثالث. وكان يغضب مني، ويهزأ بنظرتي إليه، لكنه سرعان ما يهدأ، ويتحول إلى حوار آخر..
عذاب: ولم لا يكون كذلك..؟
أبو سيف.. يزم بوزه، ويطقطق، قائلاً: لا يمكن أنا أعرفه جيداً.. قلت لك إنه رجل فيلسوف، ويقوم الآن ببحث يدور حول الخرافات..
ولكن ألا تشعر بأن مقت النساء، جملة وتفصيلاً، مرض.
ربما يكون، لكن لا علاقة له بأي عنة جسدية، أو خلل في هرموناته الجنسية..
تقول بلهجة مازحة.. وهل فحصته؟
يضحك: كنت أود أن أفعل ذلك، لكنني خشيت أن يلطمني على وجهي، ثم يقفز فوقي، ليثبت أنه فحل ومارد..
تضحك عذاب، بجلجلة، وتقول منشرحة، ما أعذب حديثك..
يقترب منها أبو سيف.. يمهد مشاعرها، يهدهد جسدها، وتغوص أصابعه في الخصلات المتدلية كعناقيد، ناعمة، تغمض الفتاة عينيها، يلفحه نسيم فمها الدافئ، يذوب، يمرر أصابعه بين الجبلين المنتصبين، يضع رأس سبابته فوق حبة الكرز القرمزية، تتورم، يلمس ندا العرق، يلمس الخفقات، يتحسس الخلود المتربص به، ثم يدخل فمه كاملاً في لجة الفم الملتهب، يتوارى أبو سيف خلف الجلجلة الواعدة، يتلاشى، وتذوب عذاب، تتعذب شيئاً فشيئاً، وهي تحاول أن تنفض النيران المشتعلة في الأقاصي، تغيب المبادئ والقيم والأخلاق، تغيب الذاكرة المكتظة بالأوهام، وينشأ المتعانقان تحت وطأة الجحيم، يستديران، وينغمسان في الغيبوبة، يستبدان في دعك الجسدين، تستولي عليها أعاصير ورياح هائجة، ولا يحرس شهيقها المتهور، غير الجدران المكابدة عناء الزمن، والصمود الأبدي.
يتبع ..
-
8 - 12 - 2012, 12:15 AM
#20
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
قال، وهو يشهق في وجهها، كم أشتهيك، وأنت تمتصين لعنات الجسد النبيلة، وتباركين قدسية العناق اللذيذ.
قالت: ليس من نبل غير الممارسة، عندما تكون أشبه بصلوات الابتهال، إنها الفريضة، التي تنتصب لها أطراف الجسد، وتنحني شهامة الوجود، إجلالاً وتكريماً..
ينهض أبو سيف، تعتدل عذاب، تتغرس في وجهه، المتشرب بحمرة الالتحام، يتفحص وجهها، يغرس ناظريه في العينين اللامعتين، لنجمتين تتألقان في الوجه الناضح بعرق اللهفة، تقول له.. يجب أن أغادر..
يرمقها بنظرة اشتهاء، يجب أن أراك في أقرب وقت..
…
قالت وهي ترتب خصلاتها.. أسندت جسدها إلى الباب: إلى القريب العاجل..
تجلس وحدك في هذا المكان النائي، المختبئ تحت خاصرة الجبل العملاق..
تجلس وحدك، ولا تدري كيف حملتك قدماك، في غضون الوعورة والأحراش، والطرقات المزدحمة بالوحشة، الثملة بصمت مريع، وتتأمل المكان، تتمثل لك الأشياء من حولك، كأنها قوافل جاءت من عصور وسطى مطحونة بصلابة الصحراء، وشح الأيدي التي لا تصل إلى جذورها، إلا بشق الأنفس، تنظر إلى سفح الجبل المنحدر بصخوره العارية، المجلودة بتراكم السنين العجاف. وجماجم الذين تدحرجت آمالهم بين الشقوق الصخرية، والمتعرجات الجبلية، وأحراش الأعشاب الشوكية، وكذلك تداهمك صور قديمة بقدم الأشخاص الذين مروا من هنا، وتسلقوا أحلامهم بأقدام حافية، وأحياناً على ظهور الحمير، المجيدة، وربما أنهم أيضاً استراحوا عند الوهاد الساخرة، واستحموا بالعرق، واغتسلوا بالتعب، والتأموا تحت القنادير الصفراء، الحالكة، مزملين بمعاصم الرأس، وأعقلة الجمال التي تاهت في ضياعها الصحراوي الرهيب..
وحدك تمارس غيك، وحدك تمارس وعيك، ووحدك تتحرى نجوم الظهر، المختبئة تحت ظلال الغيوم الشاحبة، وضوء الشمس المزخرف بحلي السماوات العريقة.. هنا عند حافة الجبل، تربض هذه العين الحارة، تحتضن أجساد نساء، تربصن بالدفء، وتلملم زعيق الصغار الذين جاؤوا من أقاصي البلاد سعياً وراء العفوية الملائمة.. الحفرة الواسعة، تجويف يقع في باطن الأرض، تنثر قطرات حليبه الساخن، حتى حافة الحفرة، ثم يستدير باتجاه البساتين المجاورة، المحملقة بدهشة، جراء إمعانها في سماع أصوات النساء المزغردات بابتهاج، بالزيارة الميمونة.. الجبل يقف حارساً أميناً منذ البدء، يحدق بالزائرين، ويمنحهم صلابة الأشياء الخالدة.. تنظر إلى الأعلى، تلمح الفندق المتألق بجدرانه الشاهقة، والأشكال الهندسية الرائعة، ترفع رأسك عالياً، تحدق في النوافير التي أسكتت صوت العصافير، وحمام البر والبلابل، واتخذت مقعداً مجاوراً وراحت تمخر الفضاء، بخرير لا يشبه جمال الطبيعة في شيء، لكنه يحاول التماهي.. تقف، تتمشى على الصلابة الصخرية فتيات صغيرات، يافعات، يتأبطن، أذرع بعضهن، ويهبطن قادمات من العلو الشاهق، ومع الهبوط المترف، تتخبط الكواكب المنصوبة في فضاء الأجساد الباذخة، وتسمع الهمسات تخترق أسماع المحيط الذي يطويك، وتنصت شجية وشهية، تحرك أشجانك، وأنت تحاول أن تتلاشى بعيداً عن أعينهن، ربما لأنك تريد ألا تسوف ذهنك برغبات مشوشة، وربما لأنك كعادتك تفر من الأصوات التي تلامس الشغاف.. ابتعدت ونأين هن عنك، صرن في الجانب الآخر، لا ترى إلا كتلة من السواد يلمع بعض البصيص من خلال شقوق في الأثواب الملفوفة بعناية الحائكين البارعين.. تقف على الجانب البعيد، إلى ظل شجرة، وعلى الرغم من أن شهر سبتمبر لا يسلط لهيباً كشهر أغسطس، إلا أنك شعرت بالإنهاك لأنك قطعت مسافة طائلة مشياً على قدميك.. تحت الشجرة، تمر عليك حشرات واثبة، تقلب مواجعها بحثاً عن فرائس أو طعام، تنظر إلى مسافة قريبة، ترى خنفساء الروث، تدحرج ذخيرة، وافرة، مبتهجة إلى ملاذ قريب.. والعصافير تزغرد، وترفرف بأجنحة كأوراق التوت الشفيفة، وشجرة الغاف تمد الأذرع والسيقان، متذرعة بالصبر، والجلد، الأشياء تمر من حولها، وهي كما هي تخلد مع الأيام كهذا الجبل..
تقول: كانت هناك عين أخرى، كان الرجال يؤمونها في فصل الشتاء، عندما تلتئم العائلات، ويتزايد عندها النساء والرجال، كانت أصغر حجماً، لكنها كانت تكفي لأن تمنح زوارها المتعة، والاستجمام بالماء الدافئ، تقترب من الحفرة، تمعن النظر، لقد أصبحت مجرد حفرة جافة، لا تسمع فيها غير الصرير، وبقايا ماء صار مستنقعاً، تتقافز في حثالته الضفادع، وفي الشقوق تستقر أنسجة العناكب.. تأخذ نفساً عميقاً، تتذكر أنك جئت مع أفراد العائلة، وقد حرمت أمك المجيء إلى هنا في أعقاب غرق أحد الأطفال، وإصابة أمه بالجنون، إثر الفاجعة الأليمة..
قلت: لم أكن شقياً، لكن، قلب أمي كان مرهفاً إلى حد تخويفي من أي شيء، كانت تطاردني، وتمنعني من الذهاب بمفردي حتى إلى أقرب بقالة..
يتبع ..
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى