-
8 - 12 - 2012, 12:12 AM
#11
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
في البيت، وقد رفضت أن تمضي ليلتك في ضيافة الصديق، كما اتفق، كانت النجوم تتساقط على رأسك، وكنت تتوخى الحذر من تسليط زحل، لمنجله على عنقك.. كنت تضحك أحياناً من سذاجة الشيخ الذي ظن أنك طفل أراد أن يهدهد مشاعرك لتنام على فخذه مستريحاً، ثم تنتفض مسترجعاً الحديث عن المرأة الجبارة المخادعة، تذكرت نيران، الفتاة الصحراوية، التي نبتت على الرمل فجأة، ثم ذابت مع أعشاب الكثبان، وتختفي إلى الأبد.. داهمك المساء، وكنت تنوي الذهاب إلى الصحراء، وتبحث عن نيران، تبحث عن المرأة الجبارة، لتسطو على جسدها في لحظة انهيارها، ثم تعود أدراجك، لتخيب ظن الشيخ ضاوي، الذي تمثل شخصية أم الدويس، كعملاق، ختار، مكار، جبار، مخادع، ومجرم فتاك.. تخيلت المرأة الأجنبية التي تمر في كل يوم بجوار نافذتك، تخيلتها وهي تهوي على رأسك بقضيب حديدي، وتجعلك تنزف إلى أن تموت وحيداً في غرفتك المعزولة.. تخيلت الموت.. قلت: الموت.. هل هو أنثى؟ هو أيضاً يقبض الأرواح، ويحيل البشر إلى العدم، الموت، يجعل الأشياء تذهب إلى اللاشيء، الموت يبكي، ويحزن، ويعذب.. قلت: قم يا فيروز، وأحكم إقفال باب غرفتك، ففي الصباح رباح.. ثم، أطرقت قائلاً: وإلى أين ستذهب؟ الموت في كل مكان، والشيخ ضاوي أكد، بيقين العارف، أن زحل، قابض الأرواح، وزحل يقف الآن فوق رأسك.. لن تستطيع أن تهرب بعيداً فهو في كل مكان..
…
قلت يائساً: سأبحث عن ماذا الآن.. عن زحل.. عن أم الدويس.. عن المرأة.. أم عني أنا.. أنا لا شيء في حضور امرأة، تحتفظ بمنجل ورغبة جامحة في القتل..
تقول إنك تخاف منها، لكنك ترغب في أن تراها، تقول إنك تشعر وكأنك ذاهب إلى الجحيم، لكنك تتمنى أن تراها، لتملأ عينيك، بزهو التفاصيل، الفخمة.. ماذا لو أطلت عليك الآن، من بين كثبان الرمل، ورمقتك بعينين لامعتين، وقالت لك: هيت لك..
تقول إن بدنك بدأ يسح بالعرق الغزير، وإن قلبك صار مضغة منبجسة جراء الحرقة الداخلية.. تحاول أن تكذب كل ما رواه الشيخ ضاوي حتى لا يثبت مقولتك إن المرأة كائن فظ غليظ القلب مهما تحايل على مشاعر الرجل، وأفصح عن مكنون هو غير جبلته.. تذهب بعيداً والصحراء الغارقة بتاريخها المجيد تطويك كطي السجل، تأخذك بين أحضانها، تضمك، وأنت طفل، روعته الثقافة، خذلته المرأة، طعنته الجهات المتوحشة.. صديقك أبو سيف، لم يبالِ بما قاله الشيخ ضاوي، قال لك جملة واحدة، لم تزل تطن في أذنيك.. دعك منه.. ولا تدري لماذا إذاً ساقك إلى مأواه؟ ولماذا وصفه في البداية بالكاهن؟ وبعد سماع حديثه عن أم الدويس، استحال إلى مناهض، أهو أيضاً خائف لكنه يريد أن يدس خوفه في حزمة كلمات غامضة.. أم أنه أصبح لا ملاذ له غير جسد المرأة، فلا يستطيع أن ينفر منه، أو يستعديه ضده؟.. تحتار أنت، تفتح علبة السيجارة التي خبأتها في جيبك، ثم تستل صلباً وتشعله.. تدخن بشراهة، وتنفخ الدخان، في فم الصحراء المفغور، وتتأوه.. الوقت لم يزل مضاء بالأشرطة الذهبية، المنبثقة من قرص الشمس، المستدير عند الغسق، أصفر لامع، يميل إلى البرودة شيئاً ما. قلت متذمراً: تحدث عن زحل، وربطه بالموت ولم يقل شيئاً عن الشمس.. كم من البشر دفنوا هنا تحت هذه الرمال، لأن الشمس امتصت الماء الذي يشربونه، ويسقون منه الزرع، ويروون به ركابهم.. لم يفه بكلمة عن الشمس، ويبدو أنه من أبناء زحل.. تضحك بمرارة، ثم تطرق: أليست هذه حكاية غرائبية.. يتحدثون عن زحل الذي لا يرونه ويشيحون عن الشمس؟
تمضي.. تتوغل في الرمل، القرص الأحمر، يذبل، يتهاوى شيئاً فشيئاً، يتوارى خلف حجب الكون.. وأنت لا تضيء طريقك سوى بعض أنوار البيوت السفلية المضاءة، بالجنريترات الخاصة.. تكتسب الصحراء وقاراً مسائياً، وأنت على يقين أن الفتاة التي تبحث عنها لن تجدها، وربما جئت في هذا الوقت بدافع باطني.. اللاشعور يحفزك على عدم الالتقاء بها، يخوفك من المرأة، يهز جذعك بعنف وأنت تقترب من منازل المخيمين صيفاً.. تسمع أصواتاً وضحكاً، وصراخاً، وأغاني في بعض الأفنية.. يشدك نشيد قديم إلى الأغاني الشعبية، تتوقف، وتنصت، لكن عينيك تبحلقان في العراء، ربما تبزغ نيران من بين أكفان هذه البيوت المتلفعة بالجريد وجذوع النخل.. عند منحدر رملي تسمع صراخ شبان، غطست مركبتهم في بحر من الرمل، زئير سيارة الفورويل، وهي تحاول أن تنتشل أقدامها من الرمل الذي غطست في أحشائه، وكذلك الدخان، والغبار، سحابة في فضاء متوحش، تسير بالجوار ولا تقترب، أنت تقول، إنك حريص على عدم الاقتراب من الشباب في هذه الأماكن، وبخاصة وقت المساء، أغلبهم يكون قد عبأ رأسه بالخمر وتاه في الصحراء بحثاً عن نقاهة، صرت الآن في مواجهة المركبة، صرت بعيداً قليلاً لكن تسمع الأصوات، وتختلس بمسمعيك أيضاً ضجيج نساء، إذاً الشبان بصحبة نساء، فقد يكن من أقاربهن وقد لا يكن.. الليل هذا، مجمع ثقافات، كما أنه وعاء تختلط فيه الأجساد، والأمزجة.. ابتعدت قليلاً، سمعت صوتاً يناديك.. صوتاً يريد المساعدة، سمعت في الصوت لون استغاثة، لكنك صممت على عدم الانصياع لضميرك الذي هش لإنقاذ مأزومين.. قلت يبدو أنهم في حاجة حقاً إلى المساعدة، لكنك تزم شفتيك، قائلاً: وما شأني أنا بهم.. دعهم يعانوا قليلاً، كما يعاني الآن الفقراء في هذا البلد، الذين يشقون، ويكدون ويكدحون، ويحفرون الصخر من أجل لقمة العيش.. المترفون يجب أن يشعروا بقيمة التعب..
تقول إنك وقفت على تلة.. ربوة رملية، محاطة بشريط من الأعشاب الشائكة، والظلام قد يخفي حشرات ودواب، والأفاعي السامة، هي المستوطنة هنا منذ الأزل.. كثيرون ذهبوا ضحايا هذه الوحوش، القاتلة، الحطابون، والمزارعون، والسقاؤون.. على الرغم من أن ضجيج المركبات الهادرة طرد الكثير من هذه الحشرات، إلا أن الأمر لا يخلو من بعضها المتربص بالضحايا بين هذه الأعشاب..
رميت بدنك على الرمل، المغسول بالندى، بعيداً عن التلة قليلاً عند المنحدر، ألقيت بأشواقك، مختلطة بأحزانك، ممزوجة بدهشتك، صرت تبحث عن الفكرة الضائعة، صرت تفتش عن زحل بين النجوم.. قلت لنفسك: أنا مجنون.. زحل، أي زحل، ليس هو إلا في رؤوس الذين يختبئون في عباءة أم الدويس.. بعد برهة، سمعت خشخشة بين الأعشاب القريبة، فرت عيناك، من محجريهما، انتفضت، جلست، ثم استقمت، قلت.. يجب أن أغادر المكان، حذراً، يبدو أن حشرة ما تكمن هنا.. تمشيت الهوينى، سرت بعيداً، بعد فترة، لمحت حيواناً صغيراً يهرول، في اتجاه المنحدر، بعيداً عن مكانك، تفحصته، تمليت شكله، فهمت.. قلت هذا ثعلب.. كيف جاء إلى هنا هذا الماكر المخادع.. الثعلب يجري بسرعة فائقة ثم يقع.. ظننت أنه يخدعك، تقدمت نحوه، وقفت قريباً منه، ركلته بقدمك، فلا حراك.. قلت.. يبدو أنه أصيب بلدغة.. قلت الحمد لله الذي فكرت في الابتعاد عن مكان العشب.. هذه لدغة أفعى مميتة.. لم تمر دقائق، على ارتطامه على الأرض، حتى انتفخ الثعلب، وذهب مع الريح.. قلت: مسكين، الثعلب غدار، لكنه يجد من يغدر به، ويلقيه صريعاً، ثم تطرق: إلا أم الدويس، فلا أحد يستطيع أن يفتك بها.. إذاً فهي إله، كما يقول الشيخ ضاوي. هي إله الموت في جميع الثقافات، منجلها يعني الحصاد، والانتهاء من الأشياء ساعة البطش..
الليل، مسامر، مقامر، مهاجر في معصية النور، لكنه خير دليل على صدى الهمسات، عندما تختلس جنحه، فتطير مع النسيم المبلل بقطرات السماء.. يصون الليل، شرف الناعسات الفارعات اليافعات المترفات، بمجون الأحلام الصبية، تقول إنك كنت وادعاً في مشيتك، متلاطفاً مع الشعاب الرملية الطبيعية، فإذا بك تسمع ضحكة، اخترقت شغاف القلب، توجست، بهت، كيف لهن، تسللن بين ما يعرشون، ويطفن الأمكنة كأنهن الفراشات التائهة.. كيف أودعن الخشب المسند بين الجريد المسقوف، وجئن إلى المنحدر.. انحدرن، بكعوبهن العالية، يخفقن، بصدور كواعب، ويهززن أردافاً ممتلئة بالفخر والاعتزاز.. تنحيت وأنت تمر بالقرب من عطرهن الأخاذ، تحريت الأنفاس، المشتاقة إلى رائحة التراب، تمليت العيون الملتصقة من خلف حجب السواد، اللعين، والمحتال على ثقافة البؤس.. كانت اللفتات، الملهمة، تجري في الدم جريان الشلال، في أحشاء وادٍ مقفر..
خففت من وطء قدميك، ولكن قلبك الذي هبط من علو مجده تخبط كثيراً، وأنت ما بين النزعة إلى اللحاق بركب السائرين، ورغبة التلحف بملاءة الليل، والتعوذ من رغبة الشيطان.. أنت ما بين البين، أنت في وسط الشلال المتدفق بين الشرايين والأوردة.. أنت تسمع بإنصات إلى زمجرة الداخل، الممتعض من الهرولة، الممتقع من هول المفاجأة.. نساء في هذه الساعة من العتمة، أين هن ذاهبات؟ لا تدري ولكن قلبك حدثك عن سر.. أن المرأة المتشحة بالسواد، المشنشلة بالجواهر، المعبقة بالعطر الساحر.. امرأة مكافحة من أجل المصير.. مصير أنثاها النائمة تحت جلدها، اللابدة بين الشريان والوريد.. قلت هل أتبعهن، وأجازف؟ فتلك مراهقة رعناء.. أم أمضي في طريقي بسلام؟
سيخبرك صديقك بالنبأ اليقين.. ويقول هازئاً بجفولك.. يا لك من رعديد جبان.. كيف لم تلبّ واجب الوطن؟
ستقول: وما علاقة الوطن.. بنساء، طارئات..
يقول: هن بنات الوطن.. خرجن للاطلاع على آخر مستجدات الطريق، وللأسف فإنهن قابلن مصدراً من مصادر البلادة، واليأس..
ستضحك، مستخفاً بعباراته الركيكة.. لكنك، سوف تفتح مصراع الباب الداخلي ستشعر بأنك متخاذل إلى أبعد الحدود.. الرديف الداخلي، سيؤنبك، ويوجه إليك إصبع الاتهام، بأنك شخص غير مرغوب فيه، في المكان الذي مررت به.. ستقول لماذا؟
سيقول لك، لأنك، حشوت الفؤاد بحزمة، من الأزمات الداخلية، حين اقشعر بدنك لمجرد أن صادفت نساء، كن يتوخين منك اللطف بالقوارير..
تضحك ساخراً.. لا تدري ممن تسخر.. من نفسك.. من صديقك.. أم من هذا المتوهم الداخلي، الذي بدأ يزلزل كيانك، ويجلجل مصرحاً بأنك بالفعل كائن جبان.. تقول.. جبان.. ثم تضرب الأرض بقدمك، وتنهزم من المكان، ناقماً، محتدماً، متورماً، متأزماً.. وفي الطريق، تبحث عن مركبة تقلك، تسأل عن خيرين يأخذونك إلى مأواك الأمين..
تقف على الرصيف متحاذراً من التائهات في حماقة.. يطير بدنك مع الهواء المنسحب بسرعة فائقة إثر مرور هذه الصواريخ الأرضية.. يتوقف شاب، يقول: لن تجد سيارة أجرة في هذا الوقت من الليل.. تفضل لأصحبك إلى حيث تريد..
شكراً.. تقول شكراً، وتلبد على الكرسي الأمامي، بجوار السائق، كتلميذ مهذب، لم تنبس بكلمة.. وكان يرمقك بنظرات خاطفة، ثم يحلق في الطريق..
نزلت وشكرته ثانية، وودعته بابتسامة حنونة، وغادر هو ممتناً..
أيقنت أنك عدت بخفي حنين..
…
شهر أغسطس ذروة الصيف، والحرارة في هذه البلاد تصل إلى الخمسين درجة مئوية.. بمعنى أنها حرارة تبلي الحديد فكيف بأجساد البشر.. قديماً كانوا عندما يصاب شخص بضربة الشمس، يقال إنه أصيب بمس.. أي أنه صفعه جني. ضحايا كثر ذهبوا جراء اضطهاد الطبيعة وظلم الناس للناس.. البيدار هذا خادم النخل، والمعني بشؤونها بدلاً من صاحبها، الذي يقف كالمتفرج، مقابل مبلغ زهيد من المال، وأحياناً لا شيء يأخذه هذا البيدار سوى ما يملأ بطنه من التمر وخشاش الأرض الذي يطعم به ماشيته قليلة العدد..
اليوم تغيرت الحال، البيدار سكن البيوت المكيفة، وصاحب النخل عافها، لتصير إلى إعجاز خاوية، تنحني جذوعها منتحية شاكية إلى الأرض، التي هي أيضاً فقدت نصيبها من الماء الذي ترطب به طينها..
كل شيء يبدو يابساً، أعجف، ولو زرت إحدى المزارع، ستظن أن حرباً طاحنة دارت رحاها على هذه الأرض، فخلفت الخراب والدمار، وعبوس البساتين التي كانت..
مررت عند شارع خال من المارة والسيارات ولا أحد غير عمال يسدون الطريق، ويعكفون على الحفر بالمناجل وقضبان الحديد، إيذاناً لرصف شارع، ضمن شبكة من الطرق، المزمع إنشاؤها.. تطور مذهل تشهده البلاد، وحشود من العمال الآسيويين، يتقاطرون على المكان، وشركات كبرى عالمية ومحلية، تنسج خيوطاً من العمل اليومي الدؤوب..
تقول.. أذهلك منظر وجوه العمال السابحة بالعرق، تحت جحيم ناري، يصلب أجسادهم السمراء الناحلة، وقفت تتأمل، وتتفرس في المشهد الجنائزي، الذي يعيشه البشر هنا، عصر من العصور الوسطى، يمارس في القرن الواحد والعشرين.. تُلِفتَ في داخلك.. هذه هي الرأسمالية المتوحشة، تأكل أجساد البشر، وتكوي قلوبهم، بالضئيل من المقابل المادي الذي لا يساوي شهقة عامل، ساعة الإنهاك..
انبجس قلبك وأنت ترقب الرجال المنهمكين المنهكين في مقارعة حمى الوقت بسواعد تورمت عروقها من سطوة التعب، لمست شيئاً من العار الذي ترتكبه الإنسانية عندما يموء وجدان بشر، تحت لظى الموت البطيء، بينما يختال آخرون مبتهجين بالسعادة الكونية التي نزلت على رؤوسهم، إثر بزوغ فجر النفط.. قلت في نفسك.. أتخيل هذا الزيت الأسود كذراع أم الدويس، العملاقة التي تهوي على الرؤوس، فتهشم عظامها.. غضب بشري، يقع على كاهل بشر آخرين.. ولكن الحياة يجب أن تستمر.. لا بد أن يموت أحد ليحيا أحد.. هذه سخرية من سخريات القدر، حينما يلهج الناس وراء النمو الحضاري، على حساب أرواح آخرين، تزهق، تحاول أن تأخذ مكاناً في الظل، لتحمي عظام رأسك من السياط اللاهبة، تحاول أن تكون بعيداً عن السعير.. قلت: ما الذي دفعني لأن أغادر البيت، وألتقط هذه النيران على قلبي.. أشعر بالموت وأنا أشاهد هذه النفايات البشرية تجمع هنا لتكون قرباناً لمن يريدون أن يسيروا بعجلات سياراتهم من دون ضجيج أو خضات توتر بطونهم المليئة بغازات الأكلات البروتينية.. قلت: لماذا لا أعود أدراجي إلى بيتي وأكتفي باتصال هاتفي أخبر أبا سيف بتغيير موعد اللقاء، كوني لا أستطيع الذهاب إليه اليوم؟ ولما عدت إلى منزلك، هاتفت صديقك، ولم تجده، أو بالأحرى أنه لم يرد..
قلت: لا بد أنه أمضى ليلته في أحضان إحدى فتياته، وأخذته نومة صباحية مفعمة برائحة جسد أنثوي رائع..
لبثت في مكانك، وصورة العمال الآسيويين تشاغب مخيلتك، فكرت ملياً، قلت: ما الذي يجعل الإنسان يمعن في طلب الاسترخاء، في الوقت نفسه الذي يقوم بإجبار آخر ليقوم بالمهمة نيابة عنه.. لأن الظاهرة أصبحت عامة، ولم تقتصر على قلة من البشر.. مجتمع بأكمله يتثاءب نهاراً، ويسهر ليلاً، في أوعية الملذات والشقاء الجسدي المجنون..
تخيلت صديقك، المدون ضمن قائمة الذين انبهروا بالحضارة، لكنه اتخذ زاوية قصية من الناس، وتنحى عن مزاولة المجالس، دافئاً بعزلته ليمحو كل ما تأخر وما تقدم من ذنوب الحراك الإنساني المشين.. قال لك ذات مرة: أنا نفضت يدي من الناس، ولم أعد أثق بالأصدقاء، واخترت لنفسي منهجاً جديداً.. ولما سألته عن منهجه.. قال: أمارس لذتي في العزلة، وبين أفخاذ العاريات الكاسيات.. ثم أكد لك.. قائلاً: المرأة السخية هي الحسنة الوحيدة، في هذا العالم، وكل ما عدا ذلك، فهو هراء.. لا تصدق ما يقولون.. وسخر من بحوثك، وقال: إن كل ما تفعله مجرد، لعب في الوقت الضائع، العالم ذاهب إلى زوال، طالما انحشر الجميع في فوضى، إما السياسات الخربة، أو الخرافات المتعجرفة.. تذمرت من لهجته الفظة، مقته، وأوغرت صدرك بسخرية لاذعة تجاهه، لكنك لم تستطع بغضه، لأنه صديق العمر، وتعرف عن نقاء طويته، وأنه ما فعل ذلك، إلا لأنه عجز عن إيجاد الحلول، للاندماج في محيط الناس..
تقول: طامة كبرى أن ييأس الإنسان.. ولا تشك أن صاحبك يعاني من أيام عصيبة على الرغم من تظاهره باللامبالاة.. قلت: عدم مسايرة الناس لا يعني الولوج في معمعة السلوكيات المستهترة.. ما يفعله أبو سيف ضرب من ضروب الانتحار.. والانتحار هزيمة، والهزيمة دلالة على الهشاشة والضعف..
الإحساس بالهزيمة هو خرافة أيضاً.. أبو سيف، يحاول أن يداوي الداء بالداء، والأمرّ من ذلك أنه يمارس الجنس ليس كفضيلة فلسفية المراد منها تطهير الروح من الاحتقان، وإنما يمارس هذه العادة كتعويض عن نقص..
الجنس الذي يمارسه ليس عفوياً، ولا فطرياً، إنما هو توغل مقيت في الهروب واستئناف الاضطهاد الذي ينتقده بطرق ملتوية.. حينما تحول المرأة إلى آلة تفريغ للشهوة، فهذا في حد ذاته إمعان في الاستغلال.. ماسة لم تحبه لذاته، بقدر ما تقوم بمسعى غير بريء لكسب المادة..
يتبع .
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى