.. تابع

ثم قال.. أريدك أن تغمضي عينيك..

أغمضت عينيها..

فتح علبة صغيرة، ووضع في يدها عقداً ذهبياً، لمع في كفها الناصع، ثم قال: افتحي عينيك الآن..

فتحت عينيها، شهقت، قالت: ما هذا؟

قال: كما ترين..

قالت في حبور: أهذا لي؟

قال: أجل، وتستحقين ما هو أثمن..

لبثت تقلب العقد، وتتفحصه وتتأمله، بعينين دامعتين فرحاً، ثم قالت منشرحة: كم أنت نبيل، يا أبا سيف..

قال معتداً: لا يا غاليتي، أخلاقك النبيلة جعلتني أراك بعين مختلفة، وما هذه الهدية إلا جزء يسير من أفضالك..

قالت معاتبة، أفضالي، وماذا قدمت لك، حتى تذكرني بالفضيلة؟

قال: لقد علمتني كيف أرى الحياة.. كيف أرى النساء..

خفضت بصرها، متلمظة، وقد ملأ قلبها الفرح، فأطرقت: لولا أنك رجل ذو سجية نقية، وسريرة نظيفة لما استطاعت كل نساء العالم أن تثنيك عن عقيدك، ثم تستطرد: يبدو لي أنك الحظ السعيد، الذي وعدني به الله، فالتقيتك، وهذا ما حصل..

يأخذ أبو سيف رشفة الشاي، وهو ينظر إلى فتاته من خلال الدخان المتطاير، ومن خلال خصلة الشعر المنسحبة على جبينها اللجين، ثم يطرق: يا الله.. كم كنت غائباً عن الوعي. هل تصدقين عندما علم صديق لي بنبأ تخلصي من إغواءاتي السابقة، أصيب بالصدمة، ولم يصدق ظل ساهماً، شارداً يتأملني، ويتفرس وجهي، وكأنه يقرأ تفاصيل وجه رجل غريب، وبعد محاولات لإقناعه، والتي باءت بنجاح باهر، قال.. الآن أشعر بأنك إنسان طبيعي تنتمي إلى حظيرة البشر..

ضحكت مسرورة.. قالت.. يبدو أنك كنت موغراً صدره بمشاعر التشاؤم.

أبو سيف: بل كان يائساً من إصلاحي..

وكيف كان يتعامل معك..؟

أبو سيف: كان يقوم بدور الإصلاحي، وكنت أتبوأ دور الماجن الذي لا أمل في إصلاح شأنه..

عذاب: لكنه كان يرتاد مأواك..

لقد غاب عني لسنوات طويلة، وبعدها، وجدته فجأة. يتصل بي، فرحت برؤيته، كصديق، لكني ضقت به ذرعاً وهو يملي عليّ شروط الاستقامة..

وماذا فعل..؟

أبو سيف: حقيقة، صديقي هذا رجل، صبور، ومحنك، وفيلسوف.. ينظر إلى الحياة بمنظور مختلف، عما يراه الآخرون، وأنا واحد منهم..

تبحلق عذاب: ما هي فلسفته..؟

أبو سيف: طبعاً لن تعجبك رؤيته للحياة..

تبسمت عذاب: كيف..؟

هو كان على الضد تماماً.. لا يحب الاقتراب من النساء، وله رؤيته الخاصة في ذلك، حتى إنني كنت أسخر منه أحياناً وأقول له: أنت من الجنس الثالث. وكان يغضب مني، ويهزأ بنظرتي إليه، لكنه سرعان ما يهدأ، ويتحول إلى حوار آخر..

عذاب: ولم لا يكون كذلك..؟

أبو سيف.. يزم بوزه، ويطقطق، قائلاً: لا يمكن أنا أعرفه جيداً.. قلت لك إنه رجل فيلسوف، ويقوم الآن ببحث يدور حول الخرافات..

ولكن ألا تشعر بأن مقت النساء، جملة وتفصيلاً، مرض.

ربما يكون، لكن لا علاقة له بأي عنة جسدية، أو خلل في هرموناته الجنسية..

تقول بلهجة مازحة.. وهل فحصته؟

يضحك: كنت أود أن أفعل ذلك، لكنني خشيت أن يلطمني على وجهي، ثم يقفز فوقي، ليثبت أنه فحل ومارد..

تضحك عذاب، بجلجلة، وتقول منشرحة، ما أعذب حديثك..

يقترب منها أبو سيف.. يمهد مشاعرها، يهدهد جسدها، وتغوص أصابعه في الخصلات المتدلية كعناقيد، ناعمة، تغمض الفتاة عينيها، يلفحه نسيم فمها الدافئ، يذوب، يمرر أصابعه بين الجبلين المنتصبين، يضع رأس سبابته فوق حبة الكرز القرمزية، تتورم، يلمس ندا العرق، يلمس الخفقات، يتحسس الخلود المتربص به، ثم يدخل فمه كاملاً في لجة الفم الملتهب، يتوارى أبو سيف خلف الجلجلة الواعدة، يتلاشى، وتذوب عذاب، تتعذب شيئاً فشيئاً، وهي تحاول أن تنفض النيران المشتعلة في الأقاصي، تغيب المبادئ والقيم والأخلاق، تغيب الذاكرة المكتظة بالأوهام، وينشأ المتعانقان تحت وطأة الجحيم، يستديران، وينغمسان في الغيبوبة، يستبدان في دعك الجسدين، تستولي عليها أعاصير ورياح هائجة، ولا يحرس شهيقها المتهور، غير الجدران المكابدة عناء الزمن، والصمود الأبدي.



يتبع ..