.. تابع

أسود تنتفض نحوك، أسود جائعة، متهالكة، متحسرة، مبتسرة، مغتالة منذ زمن.. ملابس الصغار، أشبه برقع من القماش المهترئ، يرثي زمان الوصل، وينعى حال أناس باتوا أشبه بشتات بشر، يلهجون إلى النعيم المفقود، ويغطون تحت هذه المضارب، الكوخية من سعف وجذوع نخل، مدثر بطرابيل، تشققت أحشاؤها.. الرجال المكسورون، وما أشنع كسر الرجال، يتوكأون على عصي بؤسهم، ويروغون الصغار، لينأوا عنك بعيداً، يريدون أن يستفسروا عن سبب مجيئك، لكن صخب الملتفين حولك يحول دون إيصال أصواتهم لسماع صوتك، حشرجة في المكان، يندى لها الجبين، أنين أرواح داخلي مبطن بابتسامات متقاعسة، وثغور، تفرج عن أسنان أشبه بمسامير صدئة، أسنان رجال لم تفكر في المنتج الصناعي العجيب الذي يسمى معجوناً، وجوه أطفال في عمر الورود شاخت واتسخت بأحلام الليل المفزعة، أيديهم تعجرفت، مختلطة مع التراب، وبقايا طعام بات معها تحت الفراش الرث، وأحذية بلاستيكية مسحوقة بالحصاد والتراب، وتراكم التواريخ على نسيجها.. تحاول أن تلتقط أنفاسك، تجاهد، لكي تفرج لنفسك فسحة، تلتقط نفساً خارج الدائرة المغلقة التي أحكمت إغلاقها أجساد البشر، المتهافتين، المتراكمين حولك، ومعهم كلابهم، وقططهم، عدا الأغنام الشحيحة، التي ماءت عن قرب، مربوطة بحبال قدرها المحتوم، في انتظار حفنة من طعام قد تأتي أو لا تأتي. من خلال ثقب ضيق تطور إلى فسحة بفعل تحرك الأجساد، نظرت في المتناهي القريب، امرأة تقرفص حول قطعة قماش، ربما تحيك ثوباً أو ترقع سروالاً، ترفع بصرها ثم تخفضه، نظرت بإمعان، إلى المرأة، إلى عينيها اللامعتين، بحزن الأسلاف وانقباض الصدر، ربما تكون أجمل من نيران، ولكن ماذا يمكن أن يخلف كل هذا الانحسار الجبلي للنعمة، ماذا يمكن أن يفعل الفقر المدقع، والشظف المتسلق، كالأعشاب الشوكية المطوقة للمكان، كأنها مشدات حراسة.. تقول: انتابك شعور بالذعر وأنت محاط بهذه الهالة القاتمة من الأجساد المحنطة.. تقول: أجل هي أشبه بالجثث المحنطة، لأنها أجساد بلا أرواح ما يحركها ليس الأرواح، وإنما الجوع..

ما ينقصك أن كل شيء هنا مكسور أو منحنٍ.. الرجال، النساء، الأطفال، الأشجار البيوت الخرافية، أعمدة الكهرباء العارية من أي حياة، الكلاب، القطط، لا شيء ينبض.. لا شيء يبتسم ابتسامة طبيعية، كما هم البشر العاديون.. إذاً هؤلاء ليسوا بشراً كسائر الناس، هؤلاء ربما جاؤوا، من خارج التاريخ ومن وراء الجغرافيا.. الجغرافيا التي تلفظ البشر، فهي ليست موطنهم، والجغرافيا التي لا تحترم دموع الناس الذين يلوبون على تضاريسها، فهي ليست ملاذهم.. كيف جاء هؤلاء البشر إلى هنا؟ وكيف تناسلوا؟ تقول: المشكلة أنهم يتناسلون، وينجبون، ويتكاثرون، والأرض مازالت حامية تحت أقدامهم، تحرقهم بلظى الحرمان، وهم ينتصبون قامات في الليل، وينحتون أعجاز نخل في النهار.. بالقرب من هذه الأكواخ يقطن وادٍ، تنزلق منه أحجار وأشجار، وفي باطنه تنام الوحشة، وفي الشتاء عندما يمتلئ بطنه بغدير الماء، ربما يطفح، ربما يزأر، ويجرف أكتاف الرجال، ويبقر بطون النساء الحوامل، واللائي يصررن على مقارعة القوة بالقوة، لكنها قوة تنتهي إلى جحافل من الأفواه، التي لا تكاد تطفأ، مهما امتدت الأيدي، وتسابقت السيقان من أجل الالتفاف حول لقمة خاطفة جاءت من بعيد..

تقول: المرأة الجالسة، هناك تروغ الذباب من حولها، وتهش البعوض، ثم تستأنف غرس الإبرة في أحشاء قطعة القماش.. وتنظر.. تنظر إلى لا شيء بطبيعة الحال، لأن اللاشيء هو الموجود الخالد، الديمومي، والشيء هو العدم، اللانهائي..

تقول: ألم يبتكر أحد فكرة جهنمية تنقذ هذه الأجساد من الفقدان، هذا الفقدان، المتطور نسلاً من عقد الإقصاء، وإلغاء الحق، طالما ليس له مطالب.. ثم تستدرك: الفقدان، يعني، المرض، والجهل والفقر والنسيان في قعر المجهول الذي ليس له بداية ولا نهاية.. تحاول أن تحرك قدميك، فقد تنملتا من شدة الوقوف، تأملت ملياً، وقلبك المنبجس يتقطر، ولكن يبدو الحل هنا أصعب من العثور على أم الدويس.. لأن البئر عميقة، والدلو غير موجود..

تقول بحسرة: هذه قيامة البشر المسحوقين، هنا يحشرون، وهنا تسلط على رؤوسهم سياط ملائكة العذاب.. منذ أكثر من ثلاثين عاماً، كنت أجيء مع والدتي لزيارة أقاربي، كانت هذه الأكواخ تنتصب بين التلال الصخرية، ولكن لم تكن نافرة إلى حد البؤس، كما هي الآن.. اليوم، تبدو الجدران المحيطة بالبيوت، تكتسي بالأسمنت وزخرفة ألوان الأصباغ الزاهية، والأشكال الهندسية الحديثة، تفكر في بيوت الطين التي استبدلت وتغيرت، وتوهجت نوافذها بأضواء النيون، وزحفت حولها أشجار الزينة، ورصفت السيارات الفارهة، بعيونها الضوئية المدهشة.. كانت أمك تقول لك: هؤلاء جاؤوا من أقاصي الأرض، واستوطنوا في أماكن متفرقة في الحديبة، والغب، وشمل، لكن بعضهم اندمج وذاب في النسيج، ولم يبن له أثر. أما البعض وهم الذين يتكدسون هنا، فلم يزل الوقت يؤجل منحهم الحظ.. تقول الحظ وأنت مقتنع بأن الحظ وحده السبيل لارتفاع هامة أو خفضها.. فلا أحد يعرف بالضبط عن فصيلة دمه، وليست الجينات البشرية كتب عليها أسماء من يحظون بالحظوة، ومن لا يحظون.. تقول: لا توجد علامات فارقة تبين، النوع، في هذا الجانب، كنت تأتي مع أمك. تمران حول هذه المضارب المأهولة بالسكان، وكان أصحاب المزارع يستعينون بالرجال، كمزارعين، يفلحون ويحرثون، ويرعون، ويأخذون أجورهم، من التمر والملابس المستعملة، وبعض المؤونة اليومية.. وكانوا يعيشون، في ثبات ونبات، ويدجنون الأولاد والبنات، تحت هذه الخيام الوادعة، وعيونهم معلقة في سقف السماء ينتظرون المدد، وربما يكون ذلك من أكثر من مئة عام، لكن الأعوام أكلت لحومهم، وشربت من دمائهم ولم ترتوِ، بل جاشت في كل عام، في إقصائهم بشكل أزيد، لأنهم باتوا جزءاً من هذا التشرد المريع، وقد ذكر لك أحد الأشخاص.. هكذا تقول، أنه شاهد أحد الصبية من أبناء هذه الأكواخ، يتجول بين طوابير السيارات، في أحد الشوارع المزدحمة، ويعرض جسده.. بعضهم ينظر إليه شذراً، وبعضهم يساومه، لا تدري على ماذا يساومه، فقد بدا وجه الصبي أشبه بورقة اللوز المتعجرفة.. ولكن ربما لاكتشاف المجهول..

وقد أفاد لك آخر أن صبياً، لم يتجاوز عمره الرابعة عشرة، كان يشحذ الدراهم، ليشتري الحشيش.. تقول دهشاً.. جائع ويحشش، هذا من سخرية القدر، الإنسان عندما يفقد الأمل، لا يفكر في بطنه، بقدر ما يفكر في إعدام فكره الإحساس بالعدمية.. وأنت في المحيط المتزاحم، لا تجد مجالاً للتملص والتخلص من الاختناق، أحياناً تراودك فكرة شتم الحشود، ثم قذفهم بالحجارة، ثم الهروب بلا رجعة، لكن ضميرك يهزأ من هذه الفكرة، قلبك يحدثك عن مأساة قوم، وجريمة قتل جماعية، تمارس بصمت وتحت جنح العبث الجاثم على الصدور. تتوقف مستسلماً، ساهماً، جاهماً، لا تتعاطى بلغة معينة مع أحد، وتتصور أن جميعهم لا يريدون التحدث بقدر ما يريدون أن يعرفوا، كم تخبئ في جيبك، ليطمئنوا على قوت هذا اليوم، وجيبك لا يسفر عن مخزون سوى الحسرة البالغة، ولا تستطيع أن تفسر ما يجري.. تقول: ألا يعقل أن تكون أم الدويس تنبلج أسرارها من هذا المكان.. ترتعد فرائصك وأنت تلاحق نظرات تلك المرأة، الحائكة ثوب الحياة، المقرفصة عند وجدان تخضه الاحتمالات المبتورة، والنظرات المكسورة، والشفاه المشطورة، بجفاف ورعاف واستخفاف، مراحل ما بعد الفراغ، وتفاصيل أخرى، قد تبدو غامضة، ومدلهمة، وجاهمة.. تقول إنك تشعر الآن في قبضة المجهول، تحاول أن تستنفر قواك الذهنية بلا جدوى، لأن الفكرة المبهمة تهيمن على الرأس، وتسلبك القدرة على ترتيب مشاعرك.. تفكر أن تخرج بسرعة، وتغادر المكان، بلا خسائر على الرغم من إحساسك بالانقباض، وقد سورك المكان برائحة خانقة، ومشاهد مزرية، مشيت.. خطوات متباطئة بعد أن كلّ الجمع ولم يعثر على مراده.. تقول إنك أنت أيضاً شعرت بالغصة لأنك لم تمنح الأفواه ما يملأها، ولأنك فعلت كما يفعل الآخرون، تفرجت، وأغظت، وذهبت كما تفعل الرياح الخاطفة، هدأت الأصوات، واختفت الوجوه، تلاشت شيئاً فشيئاً، أحسست بشيء من راحة الضمير، لأنك لم تر الوجوه البائسة..



يتبع ..