.. تابع

منذ أربعين عاماً تقريباً جاء إلى هنا رجل إنجليزي كان يدعى مايكل، وبعد فترة من الزمن غير اسمه الإنجليزي، وأطلق على نفسه اسم سالم، كان رجلاً نحيفاً، طويل القامة، أشقر الشعر، وسيماً، وهو في سن الثلاثين.. كان دمثاً خلوقاً، لطيفاً مرحاً بشوشاً، الابتسامة الرقيقة لا تفارق محياه الصبيح.. يشارك الناس في أفراحهم، وفي أتراحهم، في الأعراس تجده حاضراً، ينشط بحيوية وكأنه من أقارب أحد العروسين، وفي الولائم يأكل بيده، ويقطع اللحم المقدد بأسنانه، ويرقص، ويردد الأغاني الشعبية، بطلاقة بعد أن أجاد لهجة البلد.. وكان الصبية والشباب، يلهجون باسمه، ويبحثون عنه ويسألون عندما يغيب.. أحبوه كثيراً، تحمى الطبول، ويرتفع التصفيق، يدخل سالم في حلقة الرقص، ويرقص ويهز كتفيه، وردفيه بجدارة الأشخاص المتمرسين، ويرتدي سالم القندورة العربية، ويعتصم بالغترة، ومن لا يعرفه لا يصدق أنه رجل أجنبي.. كان سخياً جداً، حيث كان يهب في عطائه للأولاد الصغار، الذين تتهلل وجوههم بالفرح، عندما يقبل نحوهم بإشراقته الفضية، الناعمة، وفي المناسبات الرسمية، يكون سالم بين الحشود، يجلس في الأرجوحة الدائرية، مصفقاً مزغرداً، مجلجلاً بصوت رخيم، وعلى نغمات الأرجوحة الزاعقة، في صفير مهيب كان يقلب رأسه منسجماً، متناغماً من الأصوات المجلجلة.. في المجالس، كان سالم يحضر وبيديه مدونة صغيرة، يسجل فيها ملاحظاته باللغة الإنجليزية، وبعد أن ينتهي من التدوين يحفظها في جيب قندورته السفلي، ويقتعد مسنداً، متكئاً، باسترخاء، مستمعاً، ناصتاً، مبتسماً، ملاطفاً الجميع بلهجة حانية دفاقة بمشاعر رقيقة.. كان سالم يعشق تسلق الجبال، والسير في الشعاب، والوديان، والولوج في المزارع، والسؤال عن الأشياء الغامضة، كان لحوحاً إلى درجة الخوض في التفاصيل.. وكان يمتهن كل المهن، فهو طبيب، ومهندس، وأخصائي اجتماعي، وراوي حكايات، وكان يبدو من أقاصيصه أنه رجل دار العالم، وعرف الكثير من تقاليد الشعوب، وبخاصة الخرافات والأساطير.. زار الصين، والهند وشرق آسيا، ويقول إنه يحب هذه الشعوب، لأنها شعوب وجدانية وعاطفية إلى درجة التفاني.. وكان يتحدث كثيراً عن تعاليم بوذا التي يعشقها، وكونفوشيوس العظيم.. فيلسوف الصين، المصلح الاجتماعي الأسطورة، كان الشباب يتحلقون حوله، مبهوتين بلغته السردية، البليغة والطليقة، وقدرته الفائقة على اجتذاب الانتباه، والغوص في مجاهيل الفلسفات القديمة.. كان يتحدث عن السحر في تلك البلاد التي زارها كثيراً، ويعتبر هذا الصنف من الشعوذة جزءاً من حياة الناس، البسطاء، كان يقول: السحر قوة باطنية رهيبة، والساحر إنسان استبطن خوافي الأمور، ما لا يستطيع أي شخص عادي أن يصل إليها، وكان يقول: الناس لجأوا إلى السحر بعجزهم عن تفسير الكثير من الظواهر الطبيعية الكبرى كالكوارث، الزلازل، والبراكين، والفيضانات، وكذلك قضية الموت.. يقول عن الموت إنه القوة الرهيبة التي كانت ترعب الإنسان على مدى القرون، لذلك كان السحرة، يلجأون إلى هذه الحيل، باعتمادهم قوة إقناعية تجبر الناس على الانصياع لهم، وتنفيذ أوامرهم، واللوذ إليهم في حال إصابتهم بمكروه.. سالم كان يبهر جلاسه، بأحاديثه المدهشة، وكانت كلماته تلقى استحساناً جماً لدى الصغار والكبار.. حتى إن أحد الكبار كان يقول عنه.. إنه لو كان يصلي لقلنا إنه نبي، لسماحته وصفاء روحه، وعبقريته الفذة في معرفة ما يحيط بالإنسان من قضايا مبهمة.. ويقال إنه فسر قصة أم الدويس على أنها حكاية عالمية، وأنها موجودة في تراث شعوب كثيرة، وبأسماء مختلفة.. في بعض الأحيان، كان سالم يختفي ويغيب أياماً عدة، وأحياناً أسبوعاً، ثم يهل على الناس مشرقاً، متهللاً، وعندما يسألونه عن سبب غيابه كان يرد بإبهام، قائلاً: سافرت بلدي، أو أنه يقول ذهبت في عمل خاص.. ولم يكن الأمر مستغرباً لدى الناس، بل إن إجاباته الغامضة كانت تمر مرور الكرام، ولا يتم التلجلج في شأنها، وببساطة كانوا يقبلونه على علاته، رجلاً مسالماً، متفانياً في تقديم المساعدة للآخرين..

أمضى سالم سنوات عدة في البلد، ولم يكن يتأفف من حرارة صيف أو رطوبة قيظ، أو شظف حياة، أو عوز في حاجة من حاجات الناس.. بل كان معيناً مغيثاً، وكان كل فترة غياب، يجلب معه الهدايا للصغار، من لعب وحلوى، وكانوا يتناهشونها في عجل ووجل، وأحياناً يتشاجرون، إذا ما سبق أحدهم في قطف القسم الأكبر من الهدايا.. كان يضحك، وينتابه شعور بالفخر وهو يتوسط محيطاً من البشر، يسعدونه في التفافهم حوله، في ضراعة، ووداعة، وكان دائماً يقول أنتم شعب مسالم ومحب.. أحبكم كثيراً لأنكم طيبون.. كانوا يمشتقون الابتسامات العريضة، معجبين بإطرائه، وثنائه عليهم، بالتصفيق والتهليل..

ثم فجأة، يغيب الرجل، ويظل الناس يبحثون عنه ويسألون في لوعة المشتاق، كانوا يهتفون باسمه، ويأتون بسيرته بالحسنى، ويتحسرون على غيابه.. وبخاصة الصغار الذين اعتادوا على مزاحه الخفيف، وهداياه الثمينة، ومعاشرته الطيبة. حتى إن كبار السن نسجوا حوله القصص والروايات التي كاد يصدقها الكثيرون، وبخاصة صغار السن المندهشون بشخصيته، الذين لم يستطيعوا نسيان هالته، المسيطرة على وجدانهم.. يقول بعض كبار السن: قد يكون سالم من كائنات العالم الآخر.. لكنه تلبس بهيئة بشر. وبعضهم قال إنه ساحر، لكنه من السحرة الطيبين الذين لا يسيؤون إلى البشر.. وعلى الرغم من غموض شخصيته، والريبة من غياباته المتكررة، إلا أن البعض لم يستطع أن يصدق أنه كائن عادي، الأمر الذي جعلهم يتمنون عودته، ليتعرفوا عليه جيداً، لكن سالم لم يعد، ولم يبقَ له أثر، اختفى فجأة، لمجرد أنه أعلن أنه سيختفي لمدة أيام ثم يعود، لأمر خاص، لكن الأيام مرت والقلق تزايدت وتيرته في قلوب محبيه، وأصبح الناس في مرية من أمره، كالأسرار الغامضة، يشيع الشك، ويثير غباراً من الأفكار، سيئة أم حسنة، لكن بعد فترة من الزمن تأكد الجميع أن سالم، إما أن يكون قد مات، أو أنه التحق بعمل معين، ولم يستطع العودة، أو أنه كما قال أحد كبار السن، إنه كائن غريب ليس من جنس البشر..

رجل عجوز جاء في يوم، وقد مضت فترة طويلة على غياب سالم، وانقطعت به وعنه الأخبار، حتى تقاعس الكثيرون عن السؤال حول غيابه بعد سأم، وفقدان أمل. قال العجوز: تسألون عن سالم، الذي تحبونه.. إنه موجود فوق قمة ذاك الجبل، منقطعاً عن الناس، ساهماً لا يريد أن يحدث أحداً، ولا يصغي إلى أحد. وعندما سألوه: كيف استطعت أن تصل إلى قمة الجبل، وأنت لا تقطع مسافة مترين إلا متكئاً على عكاز.. قال: لقد حلمت به.. رأيته في المنام، كان جالساً في جوف جحر عميق، مظلم، لا ماء فيه ولا طعام، وكان عاري الجسد، وجهه مكفهر، وعيناه جاحظتان وفمه يسيل منه الزبد..

قالوا: ألم يقل لك شيئاً.. ألم ينطق بكلمة تند عن سبب لاعتزاله الجماعة.

قال.. لم يقل شيئاً، لم يفه بكلمة، كان مبحلقاً، شارداً، والدموع تذرف من عينيه، وقد نمت له لحية طويلة وكثة..

بهت الكبار والصغار، تحولوا حول بعضهم بنظرات دهشة، والصغار ارتعشت أطرافهم، مبتئسين مما يحصل في قريتهم.. فانتصب أحد الشبان، في حماسة منقطعة النظير قائلاً: أريد أن أراه، أنا سأذهب لألاقيه.. ويلتفت إلى الرجل العجوز.. دلني على مكانه.. أشر فقط إلى موقعه بالضبط، وسأذهب بمفردي، قال آخر، وأنا سأرافقك، يجب أن نحظى بسالم، بأي وسيلة.. لا يجب أن نذعن للحيرة، ونحن نعلم مكان وجوده..

يتبع ..