.. تابع

ساد صمت.. ثم انتفض سالم.. قائلاً: أنا أؤيد رأي هذا الشاب.. إنه كشف عن الرأي الصواب، يجب ألا نصمت إزاء هذه الجريمة النكراء، ويجب أن يخبرنا هذا الرجل عن الطلاسم، التي شابت القضية.. ما الذي دعاه أن يؤلف هذه القصة، وما جدوى تحريض شابين للذهاب إلى مكان خطير بوعورة مسالكه وجهلهم بصعود الجبال..

ينط العجوز كالأسد المجروح.. أتريدون الحقيقة.. إنني كنت أكره هذا الرجل، ويقصد سالم، والآن صرت أتمنى لو أضع سكيناً في عنقه، وأدعه ينزف بدمه حتى الموت..

يصعق الجميع.. يحدقون في وجهه الذي اكفهر فجأة، وقفزت عيناه، كجمرتين.. ساد صمت رهيب.. شعر الرجل صاحب الحمار، بعقدة الذنب، حاول أن يقمع إحساسه المتدفق، كشظايا جمر، حاول أن يلجم رغبته في الاعتراف، إلا أن جفول الجميع، وإبداءهم مشاعر التعاطف مع سالم، وامتعاضهم من الرجل العجوز الذي بدا لهم أنه كائن يكره حتى نفسه.. أصدر تمتمة.. قال: اسمحوا لي أن أقول الحقيقة.. كل ما رواه هذا الرجل ويقصد العجوز، ليس إلا خرافة، ومؤامرة، أراد من ورائها الإساءة إلى هذا الرجل الطيب..

ثم يسأل الجميع بصوت واحد: والشابان.. من قتلهما؟

يقول، وقد ارتعشت أطرافه، متخلصاً من عقدة الذنب، قائلاً بجرأة: أنا.

الجميع بصوت واحد.. أنت؟

نعم أنا.. لقد حرضني على قتلهما، مقابل تزويجي ابنته التي أحبها..

يسقط الصمت الرهيب، على رؤوس الجميع، ويتجمد الرجل العجوز، مشيعاً رفيقه بنظرات التوبيخ، والعتب، والإحساس بنهاية مأساوية..

ينهض أحد الشبان وفي لهجة حاسمة.. يجب أن نثأر لشابينا، وألا ندع دمهما يذهب. هذا ما فعله هذا الحثالة، يستحق عليه القتل، وكذلك صاحبه النذل..

صاح الجميع.. قتلهما حلال، ويجب أن يكون جهاراً نهاراً، وأمام أعين الناس جميعاً، عقاباً لهما على قتل الشابين، ثم ظلم هذا الرجل النجيب، ثم نشر الخرافة التي أدت إلى إرعاب الناس، وإشاعة الأفكار الزائفة..

تقول إن سالم شعر بالارتياح، وقد أفسد عدوانية رجل واستطاع أن يحتل مكانة عالية في نفوس مجايليه، وأن يتربع على عرش قلوبهم، التي أحبته أكثر، وصار الرجل بالنسبة إلى جميع الناس في القرية، كمنقذ وداحض للخرافة، ومدافع عن حقوق الناس، في العيش بأمن وسلام وطمأنينة.. وتمضي أيام، بعدها، يغيب سالم، ويختفي عن الوجود، وتظل العيون تتربص، والقلوب تتوجس، والأخبار تتداول بين الناس، ولم يتبين أحد، إن كان سالم سافر إلى بلاده أم مات، أم قتل، فكل التكهنات، والتأويلات بنت أعشاشاً في أذهان الناس، وعلى الرغم من التخلص من الرجل العجوز وصاحبه، إلا أن الخوف من وقوع خطر ما لم يزل موجوداً، كون اختفاء سالم أسس في نفوسهم جمهورية نافذة وواسعة الانتشار في وجدانهم، حتى إن بعضهم، ورغم اعتراف صاحب الحمار بقتله الشابين، إلا أن القصة في حد ذاتها ظلت مبهمة.. فلماذا كان العجوز يكره سالم، ولماذا حدت به هذه الكراهية إلى إفناء شابين، لا ذنب لهما بهذه المشاعر، المبطنة التي يكنها العجوز لسالم.. بقي سالم حكيماً، وبقي الجحر في قمة الجبل قصة غامضة، مشوبة بأسئلة كثيرة، لم يستطع أحد أن يعثر لها على إجابة..







تقول أصبحت الآن في حاجة إلى صديق حميم يداويك من هواجسك.. ويعينك على حل لغز الكوابيس الليلية التي صارت تؤرقك أكثر من أي وقت مضى. الآن في حاجة إلى صديق يبوح لك بالأسرار ويفتح لك قلبه من دون سخرية من معتقداتك أو الاستدلال على أشيائك الداخلية بشيء من الابتذال..

لا بد أن تطير بجسدك الناحل إلى أبي سيف لتحكي له هذه القصة التي نشأت في ذاكرتك فجأة، بعدما قفزت شخصية سالم الإنجليزي إلى رأسك، كأنه الفزاعة، تخرج من البيت صباحاً، مستطيراً، مهيباً، مفزوعاً، وكأنك تخبئ سراً، خطيراً تريد أن تفشيه لأعز صديق، لعله يتعاطف معك في محنتك الأبدية، ولعله يتخلص قليلاً من مشاعر العبث التي يعيشها.. تصل إلى المزرعة، والصديق أبو سيف يجلس منعزلاً في غرفته، منكباً على قراءة كتاب.. تفرح، ويملأك الحبور، عندما يستقبلك بابتسامة مشرقة، والهاً لرؤيتك بعد غيبة طويلة..

تقول له: هل تتذكر قصة سالم الإنجليزي.. مايكل.. ترفع حاجبيك قائلاً: هل تتذكره.. يرد أبو سيف في برود.. أجل أذكره، هذا الرجل حامت حوله شبهات كثيرة، وقيل إنه كان يرتدي ملابس النساء، ويرقص في الأعراس، مع الفرق الشعبية، التي كانت تحيي الأعراس.. ولكن للأمانة مازلت أذكر حكايته مع الرجل العجوز، عندما أحبط مؤامرته الدنيئة، واستطاع أن يكشف سر جريمته النكراء.. لكن ما يدهشني أنه اختفى بعد هذه الحادثة ولم يعثر له على أثر.. ثم يهز أبو سيف رأسه، في حيرة.. حقيقة هذا الرجل قصته أغرب من قصة أم الدويس، قام بأدوار غرائبية وعجيبة، ولا أحد يعرف سبب مجيئه إلى البلد، وتلبس هذه الأدوار المدهشة، ثم يختفي فجأة، كأنه الشيطان.. والغريب في الأمر، الكراهية التي كان يكنها له الرجل العجوز وكيف استطاع، أن يختلق القصص الخرافية، لأجل الإطاحة بسالم..

تقول: كان لأبي سيف البوح ولك الإصغاء، على الرغم من أنك جئته لكي تستعيد القصة وتسردها لصديقك لكنه بادر على الفور إلى سرد الحكاية والإضافة إليها، وكأنه كان أيضاً مشغولاً بها مثلك..

بعد أن ينهي أبو سيف حديثه.. يقول: ما الذي جعلك تنبش في قبر هذه القصة التي ماتت من زمن بعيد..

تقول: ألم تقل إنها شبيهة بقصة أم الدويس..

يقول: القصص الخرافية كثيرة، فلا تشغل بالك، بهذه الحكايات الماورائية..

تقول: لكن قصة سالم واقعية، وكلنا عشناها..

يقول: سالم كشخص عشنا قصته، ولكن ما دار حوله من روايات أشبه بحكايات الجن.. قصة غيابه.. ثم حضوره، ثم اختفاؤه إلى الأبد.. وكذلك قصة الجبل. الجحر الذي ركبه الرجل العجوز، وكذلك مقتل الشابين اللذين لم يفهم أي من الناس كيف تمت، ولماذا..

تقول: صاحب الحمار اعترف بقتلهما..

يقول: صحيح هو اعترف، ولكن لماذا أذعن لرغبة العجوز، هذا إذا كانت القصة صحيحة، وأنا لا أثق كثيراً بالرواية ذاتها..

تقول: كيف؟

يقول: لأن صاحب الحمار، كان شخصاً ضعيفاً، ومسناً، والشابان يتمتعان بصحة وشباب يافع، كان في إمكانهما القضاء عليه..

يزوغ بصرك.. تقول: وكيف فاتت هذه الفكرة عن المحكمين في ذلك الوقت..

يقول: الناس أحياناً تأخذهم العاطفة وينساقون خلف أفكار لا تعدم لهم النتائج الحقيقية لأي قضية، الأمر الذي يجعلهم يطلقون أحكامهم جزافاً، ويغيبون عن الأسباب الحقيقية وراء أي قصة..

تتوجس أنت، تشعر بأن هذه الأنا الكريهة، تدفعك لاستقصاء أوهام تظن أنها الحقيقة.. تتردد في مناقشة الصديق.. الذي غاب برهة، ثم يعود، ليقدم لك كأس الشاي.. يقول: اشرب من خمر المسلمين، وارتشف من الأحمر الشفاف لعلك تنجو من غيبوبة السؤال عن قصص لا جدوى من الفوز بها..



يتبع ..