.. تابع

تقرب الكأس إلى فمك، تنفخ قليلاً لتبعد الأوراق الطافية على سطح المشروب اللذيذ، ثم ترشف لذتك، وتنعم بالسخونة، الطاغية.. وتراه، ينشغل في لعق الأوراق الطافية عند شفة الكأس، ويأخذ نفسه..

تقول: تحت شمس الخريف، ازدهرت بعض الأشجار، وأرخت ذيولها الخضراء، عند نافذة الغرفة، كانت تطل بشفافية ووداعة، روح الطبيعة عندما تنتشي بمداعبة النسيم.. انتابتك شبه غفوة، وأنت ترقب الهفهفة اليافعة، وهي تمسح بأصابعها الشفيفة، زجاج النافذة، مصدره خشخشة ناعمة، مغرية.

تقول: إن الصديق اكتفى، من كأسه، ووضعه جانباً. وأردف قائلاً: لكثرة غيابك أحياناً أتوجس، وأقلق وأتمنى رؤيتك في أقرب وقت، ولا أدري، أين تمضي وقتك في هذه الفترة الطويلة، التي يغيب فيها نجمك عن عيني..

تقول: أضيع في الأمكنة وأحياناً تلتهمني، فلا أجد لنفسي أي أثر، ولا أعرف أين أنا أكون..

يضحك الصديق قائلاً: علم النفس ضيعك، ولو استغرقت في قراءته أكثر فسوف تذوب ولن أعثر لك على مكان..

تحك صدغك في حيرة.. تزم شفتيك وأنت تتلمظ حبات السكر العالقة في لسانك ثم تطرق: أفكر في الذهاب بعيداً..

يقول: إلى أين؟

تقول: إلى أي جزيرة نائية، تعزلني عن هذا العالم..

يقول: أكرهت الناس جميعاً..

تقول: لم أكره أحداً، لكني اقتنعت بأنه لا جدوى في المكوث، وسط محيط يرفضك، ولا يصغي إلى ما تقول..

يقول: أنت يائس..

تأخذ نفساً عميقاً.. تقول: بل أنا في أتم تفاؤلي..

يشيعك بنظرة حائرة، ثم يطرق: تتحدث عن عدم الجدوى، وتقول إنك متفائل.. كيف؟ حيرتني يا فيروز..

نطق اسمك.. وتكاد تكون نسيت هذا الاسم، كما نسيت أشياء كثيرة، وتذكرت أشياء.. تقول: أريد أن أختزل حياتي، أريد أن أطارد الحقيقة لأتخلص من الوهم..

يقول: تعترف بأنك كنت تعيش في وهم..

تقول: لا أريد مجادلتك.. جئتك، لكي تبوح لي عن سرك..

يقول دهشاً: سر؟ ما السر الذي تريدني أن أفصح عنه؟

تقول: أريد أن تفسر لي سبب مجيئك إلى هنا..

يفتل شاربيه.. يحدق فيك ملياً، ثم يردف: أتريد نصيحتي..؟

تقول: قل..

يقول: تخلص من قصة البحث عن أم الدويس، فلا شأن لك بها، وعش حياتك بواقعية كما أفعل.. هذا كل ما أستطيع البوح به لك..

تفكر.. تحدجه بعينين غارقتين في محيط هائج.. تقول: أهذه واقعية؟

يقول: أجل..

تقول: لكنك، أبحرت كثيراً في واقعيتك إلى درجة العبث..

يقول وهو يضغط على مخارج ألفاظه: صدقني لن تندم لو فعلت ما سرت إليه..

تقول: أتعتقد أنني سأستريح لمجرد السير على الطريق الذي تخوض فيه؟

يقول بثقة: وسوف تشكرني على نصيحتي..

تضحك.. تقول: ومن أين سآتي بالجرأة التي تجعلني في كل ليلة أنام في أحضان امرأة، وفي الصباح أذهب لأبحث عن أخرى..

يقول: أنا لا أبحث عن النساء.. بل هن اللائي يأتين لي..

تقول: هذه خدعة بصرية، يا صديقي.. فلولا تسكعك في الدهاليز المظلمة والنبش في المواخير العفنة، لما عثرت على خنفساء الروث..

يجلجل ضاحكاً.. يقول: أنت تصر على جبنك، وتدافع عن خذلانك بالإساءة إلى من يريد أن يتحلى بأشهى لذة صنعتها الطبيعة..

تستخف بكلامه.. لذة سخيفة، تعبر عن دونجوانية مقيتة..

يقول، في رعونة: جسد المرأة هو الكون الفسيح الذي لا يقطب، ولا يغضب ولا يعتب، ولا يعذب، بل يمنحك اكتشاف ذاتك ساعة الذروة القصوى، عندما تشهق الأنثى قائلة: أحبك، توغل فيني، وافني جسدي في ريعان غضبك المزلزل..

تقول: وبعد انطفاء الرغبة..

يقول: تلحس عرقها، وتشم جسدها الهامد تحتك، وتقبل الجنة على شفتيها، وتعتلي شموخك الأبدي، وأنت في أتم العافية النفسية..

تقول: وبعد ذلك..

يقول: تتفتح أزهار الروح، وتعطر الكون بعبق امرأة كانت قبل قليل ترتعش، مبتهلة تحت جسدك، وتشع النجوم أمام عينيك ببريق الحياة، وتنسى عتمة العالم من حولك، وتشعر بأنك بدأت للتو في تأسيس جمهورية الفرح..

تتخيل أنت كل ما قاله الصديق، وتتجسد أمامك امرأة رعناء، تفض شعر صدرك، وتغوص في الخضم المتوتر، تعصرك إلى حد الاختناق، تتشبث في جلدك المتصهد وأنت تحاول الفرار، تحاول أن تنتشل دماءك الغائرة في لسانها المحتدم، تنهض.. تقول: على أي حال، لم أعد أستطيع أن ألعب دور البطل الخرافي، فدعني أتخلص من خيالك الجامح، إنه الطوفان الذي يغرقني بالوحل.. تنهض.. بينما يتشبث أبو سيف بطرف قندورتك، قائلاً: هل ضايقتك؟

تقول: بل خنقتني.. دعني أرحل..

تغادر مكانه، وهو يتبعك بنظرات الدهشة، هازاً رأسه، في قنوط.. قائلاً: أيسعدك أن تترك صديقك وحيداً..

تقول: تركتك لزمن وحيداً، وظننت أنك تغيرت.. ولكن للأسف.. تخرج ذاهباً إلى الحلم البعيد، مستديراً نحو نفسك في الأتون المجهولة..

تقف عند ناصية، السؤال المرير.. يا فيروز.. تقول منادياً الأنا المهشمة، هل ستسقط وحيداً، كما تاه صديقك في عزلته؟

وتمضي متسائلاً عن سر هذه العملاقة، التي أجهضت أحلامك، وأودعتك في ظلمات السؤال، المحير.. تقول: جدير بي أن أذهب إلى الأبعد طالما بقيت الحارات متعفنة بأصوات النشاز..

تحت السقف المزخرف بأحلامك البعيدة، بين الجدران المسترخية على أنفاسك المتكاسلة، تقول.. صحيح أنا أبحث عن سعادتي.. عن الحقيقة الضائعة، في شخص آخر، تنتابني هذه، تشجيني، وتنتزعني مني، لأصير أنا أحياناً.. شخصاً آخر أحياناً أخرى.. حاولت مراراً أن أكون أنا، وجادلت أبا سيف كوني الأنا المضاد لأناه. لكنني عندما أعجز عن مداواة ذاتي بالصمود، وأنتكس، أستعيد شخصية أبي سيف، أحاول أن أكون هو لأهرب من ذاك الكامن في داخلي، لأنتصر على قديمي المهزوم.. لا أدري، عندما غادرته كنت غاضباً منه وربما لم أكن كذلك، ربما كنت غاضباً من نفسي لأنني لم أستطع أن أتقمص شخصيته بالقدر الكافي، فانكفأت على نفسي، أنبتها ووبختها، بصقت لكن بصقتي ذهبت رذاذاً طائشاً، بعضه ارتد على وجهي، أيقنت أنني كنت أتعمد فعل ذلك، لأهزأ من نفسي، المتلاشية في غضون سنوات من ازدواجية الشخصية.. عندما قال لي أنت معقد، غضبت، رفضت هذا التصنيف الذي لم يبدعه هو، بل اخترعه فرويد، وفرويد هذا كان بارعاً في نقض جذور النفس البشرية، ونبوغه في اكتشاف اللاشعور، جعله علامة بارزة في مجال علم النفس التحليلي.. الآن شيئاً فشيئاً، أحاول أن أقبض على الذات الهاربة مني، المختبئة في أحشاء اللاشعور العقيم.. إذاً لا بد أن أغتسل جيداً من هراءاتي البائسة، ويجب أن أتطهر جيداً لأستعيد أناي، وأصرخ في وجهي، بصوت وئيد، قائلاً: يا فيروز، هذا ليس أنت، وأنت الحقيقي، هو الشخص الخائف المرتجف، اللاهث خلف مشاهد وهمية، تصنعتها لتهرب من عذاباتك، إلا أنك لم تستطع، فلم تزل تغطس في أتون المجهول اللعين، تتحرك كأنك حشرة ضائعة في متاهات غيبية، تتلاشى فيها تصبح لا شيء.. أنا بالفعل لا شيء. عندما أتفحص ذاتي ولا أجدها أشعر بأنني شخص آخر، شخص يغيب عن الوعي، ويتحدث لغة غير مفهومة، يحلم أحلاماً مزعجة، تصدر من نفس مضطربة. عندما أذهب إلى أبي سيف، فإنني أبحث عن أناي المضطربة، وعندما أصطدم بصرامته المعهودة، أشعر وكأنه يغدرني، أو أن أناي الأخرى تخونني لكني واجهت الأنا الحقيقية.. عندما أحاول أن أتفحص شخصية أبي سيف، أتعذب، أنصهر في أحشاء فرن حامي الوطيس، أنتبه فجأة، فأهرب، وهكذا فعلت، فعندما لمس صديقي الجرح الغائر، قفزت مذعوراً، هربت، وفرت روحي إلى العراء الوسيع.. لم أكن أنا الذي يغادر منزل أبي سيف، بل كانت أناي الرافضة عن الإفصاح، أناي التي كانت تعاني وتخشى الإفصاح عن هويتها.. في البدء وأنا كنت في قعدة الصديق، استدعيت كل قواي، جيشت أحاسيسي، روعني، إلا أن أناي الطاغية توحشت فجأة، وامتشقت غضباً هائلاً، نازعتني وطردتني من حضوري أمام الصديق، احمرت عيناي ونشفت شفتاي، وارتعدت، سرت أتخبط الخلاء، تائهاً، ضائعاً، مأخوذاً، لا ألوي على شيء، فلم أفتح عيني إلا وأنا على هذا السرير الوغد.. هذا المهد، الممهد بأحلام بائسة، وأمنيات يائسة، وخضت معارك ضارية مع نفسي، حاولت أن أهدئ من روعي، استعنت بخيالات جمة، مغرمة، لكنها أجهضت أمام جحافل الأنا المتوترة، فعدت كما أنا.. أنا فيروز المضطرب، الناكص إلى عدمية بغيضة، تحاصرني بمخالب وأنياب، تعصرني بين ذراعي امرأة عملاقة شرسة، فأرتعش، كالسمكة المخطوفة بصنارة صياد، متمرس.. تتجسد أمام عيني صورة امرأة ضخمة، أظافرها مخالب حادة، تنهش جسدي المتهالك تحت ضخامتها، ألهث، أبحث عن أنفاسي الضائعة فلا أجدها، أبحث عن أناي، لا أجدني سوى أرنب مذعور، يحفر قلبه الصغير خوف مريع، يتطور نسلي المخضوض، أتهور، فأنهض لاهثاً، متقطع الأنفاس، أصرخ كطفل مفزوع إثر حلم مروع، أتناول كأساً، وأشرب الماء المتغطرس، أبل ريقي وألعق شفتي، أتلمظ كوحش مكسور، ثم أشعل سيجارة، وعلى وميض العقب المشتعل، تغيب المرأة العملاقة، أسند ظهري على المخدة، وأحملق، في السقف.. بدا لي أنه شبه عارٍ من الألوان والجدران تتلاشى في الظلام، ولم يبدُ أمامي سوى بقعة نارية، هي بصمة السيجارة، على الصبغ المصقول.. هذه الملاءة الملونة بالفرح الكاذب، لم تعد تخفيني من مشهد الخوف، بل إن الظل يتشكل كأنه وجوه لشياطين، تحاول أن تهاجم أناي المضعضع.. يتوغل الظلام داخلي، يلجني كأنه السهام الفانية في جسد ميت.. أقفز ثانية، وأقول لنفسي.. كنت في جولاتي أتوخى الحذر، لأجل التخلص من الخوف، لكنه للأسف، يتفاقم فيّ يوماً بعد يوم، ويقيد أناي كأنها الخشب المنتحل أثر رمة بغيضة.. كان بودي أن شخصاً دلني على حقيقة أم الدويس، لأنني لو توصلت إلى هذه العفريتة الشرسة، لاصطنعت لنفسي، نصباً وصرت أدنو من قدميه، أقبلهما بشراهة، بل وألعق العرق على جلدهما كأنني الكلب الظامئ.. لكن كل ما عرفته وسمعته من حكايات كانت مجرد شذرات ومقتطفات من أوهام أناس لم يروا أم الدويس، بل هم أيضاً سمعوا عنها.. الذي لا شيء يستطيع أن يتوصل إلى حقيقته، وهكذا أفعل أنا.. لم أزل بعيداً عن أناي، لم ألمسها، بالقدر الذي يحررني من الخوف منها.. كلانا، أنا وأناي، غريبان عن بعضنا، لذلك فأنا أخاف منها، وهي غاضبة مني، فكيف إذاً أستطيع أن أهزم خوفي..

يتبع ..