.. تابع

تقول.. في تلك الليلة أصررت على أن تدخل تجربة جديدة، تجربة تجرد نفسك من التردد، ويجب أن تتقمص شخصية أبي سيف حتى تستطيع أن تكافح هذه الجرثومة التي استوطنت داخلك.. فكرت بجدية أن تغامر وأن تسهر على تنفيذ الخطة الجهنمية كي تخرج من هذا الظلام الدامس.. فكرت أن تكون أنت هو أبو سيف، وتحارب هذا التردد بضراوة، وتستبسل بكل شجاعة، لم يعد أمامك من سبيل غير أنك تكون هو، لأن أناك التي هي أنت لم تعد قادرة على تحمل أعبائك الباهظة، والعمر يمضي وأنت في هذا الضياع، تغيب نفسك عن الحقيقة أو أن الحقيقة قفلت من بين يديك.. فلا بد أن تمسك بنفسك لتصل إلى آخر قمة في الجبل الشاهق داخلك..

شيئاً فشيئاً بدأت أحس بأن كائناً ما بدأ يستعمرني، ويحتل مساحة واسعة من جغرافية روحي، بدأت أشعر بأنني لست أنا، بل أنا أخرى صارت تستوطن أناي، وتطرد الأنا التي كانت مبهمة، وغامضة.. كائن ما أقرب بالنسبة إلى أبي سيف، لكنه بالتأكيد ليس هو، لكنني صرت كائناً آخر، عندما توحشت هذه المرأة، الفارعة، وصارت تغوص بأنفها الصغير في شعيرات صدري وتكاد تلتهم حلمتي صدري، وأنا أذوب، وتفنى روحي في جسدها المتهور، أشبه باحتفال صاخب، ترن فيه طبول القلب، وتدوي روحها عند جهة الشمال من صدري، تقول لي بصوت هادر، وكأنه زئير قادم من جبال مقفرة، لج جسدي، ثم تلقمني حلمتيها، فألعق العرق المتصبب بشهية، غارقاً في العطر الجسدي بنهم الشهوات الأبدية، أهيم وجداً في الغابة الاستوائية وسنابل السفانا تتدلى على وجهي، فلا أرى نفسي إلا في بئر ليست معطلة، تتوهج بالجحيم الأزلي، وتحصد عمري في غضون الأسلاف والسلالات البشرية، النابتة كالشرور، تحك جسدي الصدئ بسكاكين الشهوة العارمة.. هذه هي لعبة التحول السلالي، تعيد أناي، إلى بدايات طفولية غابرة، أتشبث بها، بعنفوان عفوي وأطوقها بذراعين مرتعشتين، غائبتين في السكرة النبيلة.. تقول: توغل أيها الإنسان البدائي، وخصب هذه التربة اليافعة، بمنجل الحياة، توغل أيها الهمجي، واعصرني واثني جسدي، وأعيدني إلى الجبلة الأولى، وأنا لا أفوه ببنت شفة، ساهماً، مساهماً، في مزيد من الارتعاش، متفاقماً كأنني في حومة عبثية، أفتش عن نطفة الخلق، بين الضفتين المحتقنتين، وعند لب المعضلة، أضع لساني، وأضمه في الجوف المتصهد كأنها في الموقد المشتعل، أسأل عن رغيف الحياة.. عن استتباب الروح، ومعالجة الأنا الضائعة.. لا أنتهي من القبض على الحشرجة الكونية الهائلة والمنتعشة في فجور وأسدد رغبتي بكل ما أوتيت من شراسة، وعندما تصرخ مدوية ويزبد فمها وتشيعني بنظرات الحرقة، أربض فوقها مستريحاً على حرير التضاريس المدهشة.. وفي سري، أقول يا فيروز، في هذه السنحة الوجيزة اقطف ثمرات اللوز واقضم من الزيتون ما توافر، وهي تحتي تفور، ويغلي صدرها، كأنه النيران الوارية في هشيم الأبد.. خلال زمني هذا، مع هذه الفتاة، القادمة من جاهلية الأسلاف الغابرين، لم أتذكر فيروز، لم يخطر على بالي ذاك الشخص الذي كان يحاصرني بالخوف.. وبعد مضي زمن، بعد أن انطفأت النيران، وشدا العصفور في رأسي، عدت متضوراً، عدت خابياً، كسولاً، وتتضافر الأسئلة في مخيلتي.. من كان مع تلك الفتاة، من أفضى إليها بأسرار الكائنات القديمة، وتجلى كالنسر يضع مخالبه في الخارطة المعشوشبة.. بعد ذلك انحنيت فوق الموجتين وقبلت وحشين ضاريين، ضارعاً من خشية النبوغ الكوني، رضعت قليلاً ثم استلقيت متراخياً، وتجشأ كوني، متباهياً بالفحولة، وعبقرية النخوة الجامحة.. شعرت حينها بأنني لست أنا.. بالفعل لم أكن أنا.. وكذلك، لم يكن أبو سيف، لكن ربما شخص آخر يشبه الصديق، ولكن ما شغل ذهني، هو هذا التقمص المفاجئ، هذه الرحلة التي غامرت بها من أجل أن أكون ليس أنا.. غادرتني الفتاة، متعضة من تجربة فريدة، مبتسمة بعد إشباع، شيعتني بنظرة وكأنها تريد أن تهزأ بالتاريخ، وتشمت باللاشعور المهيض.. بقيت بمفردي تحت هذا السقف في الفندق الذي اخترته ليكون، أول ساحة سجال، تدور بيني وبين أول أنثى.. تدور عيناي في السقف، المزخرف بالأضواء، وأنظر إلى الجدران التي كانت ترصد قبل قليل حركة الجسدين، وتسجل تاريخاً جديداً لكائن تقمص أنا غير أناه.. قلت في نفسي ما الذي كان يرغمني على الهرب من السعادة، لأغوص في أتون المجاهيل المعتمة، لماذا لم تضطهدني هذه المرأة، كما كنت أشعر من قبل.. لماذا لم تستل منجل أم الدويس، وتجز عنقي؟ لماذا لم تطوقني بذراعين عملاقتين، وتنتزع روحي.. يا ترى هل كان أبو سيف على حق عندما كان يصمني بالمعقد..؟

تقول بتهكم.. لقد انقضضت وأدميت وصرخت ولم تشمر عن ذراع الغضب، غبت بين العالمين العملاقين ولم أغرق، بل احتوتني بضراعة، وناولتني اليقظة الكونية بكل سماحة، وحنان..

تبقى هكذا على السرير، ممدداً مستريحاً، محدقاً، وتتساءل عن السعادة، التي تجتاحك، كأنها العطر المرشوش في جوانب الكون، لا تريد أن تفارق المكان، بل داهمك خوف من المغادرة، لعل وعسى، أن يقبض على اللحظة الباقية من العمر، تشعر بأنك لو أفلت من اللحظة تفلتت منك أناك الجديدة.. تقول: هل أنا شخص آخر، بأنا أخرى الآن، ولربما عدت إلى سابق الزمن، هل سأظل أبحث عن أم الدويس.. ترتعش، ويجيش خاطرك بشخوص ووجوه، تتكالب عليك كأنها الوحوش الضارية.. تقفز من مكانك، تنهض، ثم تشعل السيجارة، بيد مرتعشة تتحرى المكان من جديد.. تقول: هل أنا الآن في فندق؟ أي هل أنا على سرير هو غير سريري الذي أرقد على فراشه كل ليلة؟.. هل صحيح أنني افترست كائناً آخر، دون وجل؟ أين ذهبت المرأة الآن.. لقد قلت لها أريدك لساعات، لكنها لم تمض أكثر من ساعة، واختفت.. هل عذاب.. أم ماسة.. أم نيران.. بطبيعة الحال، فهي لا تشبه أحداً منهن.. هذه المرأة، انتزعتها من دهاليز هذا الفندق، والذي يعج بالنساء، المتباهيات بالأنوثة، المتفجرات برغبات لا حدود لها.. كما أن سمرة محياها لا تدل على أنها من شرق آسيا، بل هي من تضاريس هذا المكان، وكلمة فديتك سمعتها أكثر من مرة، وهي تطوقني بذراعيها، وتلتهمني، متفجرة من مكبوتات ضالعة في القدم.. إذاً كيف جاءت إلى هنا؟ وكيف تخطت اعترافات الذات؟ وكيف استفزتني بكل هذه الأنشطة الجسدية التي لم أشهد لها مثيلاً؟ لم أخبئ شيئاً، لم أتردد، ولم أغضن جبيني وأنا أقترب من القارة الخصبة، ولم أتوجس من مغامرة، ولم ينبجس قلبي لمجرد أنها تشهق، وكأنها تريد أن تنتزع النجوم من أعماق عروقي.. تضحك.. تجلجل، وتصخب وكأنك تحيي احتفالات بميلاد أنا جديدة في داخلك.. تطفئ السيجارة، وتخفي دموعك تحت أصابعك التي مررتها بسلاسة تحت الجفنين.. نهضت، غادرت غرفة الفندق، منتشياً شيئاً ما، لكنك لم تستطع إخفاء غليل بدأ يساورك.. تحاشيت الخنوع، وتلاشيت طلوع الأنا المحتومة مرة أخرى.. وفي البيت، تحت سقف غرفتك، تفانيت من أجل الاحتفاظ بصورة المرأة الرائعة، نصعت مرة أخرى أمام عينيك، بشعاع عينين شرقيتين نادرتين، أشعلت سيجارة أخرى.. تقول إنك كلما تستعر تشعر بحاجة إلى السيجارة، وتلهمك الدوائر الرمادية، الذاهبة إلى الفناء، بتاريخ يتلاشى أمامك، تفرح لذلك كثيراً، ويسعدك أن تتقمص أنا شخص آخر، وقد لا يكون آخر، وربما تكون أنت الآخر، ولم لا؟ فالإنسان قد يكون مزدوج الشخصية، نتيجة لتاريخ عتيد يمر به، يجعله يعيش حالات مختلفة، فقد تسيطر شخصية على أخرى، وقد تطفو مشاعر وتخبو أخرى.. تبتسم وأنت تغيب العقب في جوف المطفأة.. تقول: هذه المطفأة، كالنفس البشرية، فيها الرماد، وفيها الأعقاب، وفيها الجمرات الملتهبة.. تبتسم تقول: أنا كالمطفأة، أنا أحوي كل هذه المكونات.. تشعر بالجوع.. تقول.. لأول مرة في حياتي أشعر بالجوع، والحاجة إلى الطعام بشهية.. لم أكن في حياتي أن تناولت الطعام عن رغبة، غير رغبة حشو الأحشاء، حتى لا أموت جوعاً.. تنهض، تأخذ أصلاب خبز الصمون، وشرائح جبن الكرافت، تلف الرغيف تلو الآخر، تأكل بنهم، أكلت في هذا المساء أكثر من أربع صمونات، وهذه خطوة نادرة، كنت لا تكمل الرغيف الواحد، وتشعر بانسداد الشهية.. أعددت الشاي، وأخذت كأساً ضخماً، مع دخان السيجارة، كانت اللذة متناهية.. تبادر إلى ذهنك أنك بحاجة إلى الاسترخاء، فلم يزل الليل في أوله، ولا حاجة لك للنوم، لكنك لم تعتد على الخروج من البيت لأجل التجوال.. لبثت هكذا، منشرح الصدر، تتجول في التضاريس الجسدية التي ألهمتك القوة، وأعطتك الموعظة الحسنة، في إخلاء سبيل الأنا.. تقول: في الصباح الباكر يجب أن أزور صديقي، يجب أن أخبره، عن هذا السحر الذي مارسته السيدة الفاتنة.. بالطبع سوف يصعق لكن لا بد أنه سيسر للأمر..

تقول، إنك بدأت تشعر بشيء أشبه باختلال التوازن.. فما الذي جرى، في ليلة البارحة.. هل صحيح أنك ضاجعت الشقراء التي التقيتها فجأة أم أنه مجرد حلم..؟ في واقع الأمر لا يوجد أي مسوغ موضوعي يؤكد أنك فعلاً مارست الجنس مع تلك الفتاة، إذاً يبقى الأمر مجرد حلم.. ولكن، لماذا تحلم بكل هذه التفاصيل، والجزئيات، في شكل الممارسات.. فأنت مازلت في حال الحرب مع المرأة.. أو الأحرى أنك لم تزل تعيش في جلباب أم الدويس، التي تبحث عنها، وتهابها في الوقت نفسه.. أنت وعلى ما يبدو متلبس بازدواجية الشخصية، والأعراض التي تبين عليك تؤكد ذلك.. يقشعر بدنك، ترتعد، تريد أن تفر إلى مكان ما، إلى أي مكان، يجنبك الوقوع في شرك مثل هذه الأعراض الخطيرة، والتي قرأت عنها الكثير في كتب علم النفس، والتي تؤكد أن الشخص المصاب بمثل هذه الأعراض هو شخص على شفا حفرة من الوقوع في جحيم أعتى الأمراض النفسية، ألا وهو مرض الفصام.. تريد أن تهرب، فهذا المأوى الذي تقطنه أصبح موبوءاً، وغير قابل للتآلف، وما عدت أنت مهيأ لقبول واقع يجيش ضدك الأحلام المفزعة..

يتبع ..