-
8 - 12 - 2012, 12:44 AM
#30
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 50
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
تقول ما الحل إذاً.. إذا لم يكن بوسعك أن تحيد عن قناعاتك، وليس في إمكان الآخرين أن يتغيروا.. أليست هذه معضلة أن تواجه المستبد من حياتك، وتكبر المعاناة إلى أن تفجر فقاعة الغبن في صدرك، ويوافيك اليقين دون أن تبلغ مبتغاك..
تفكر ملياً، تقول: الآخرون لن يغادروا المكان، كما أنهم لن يتخلوا عن الفكرة ذاتها، لأنهم اقتنعوا بعد ما توارثوا الفكرة، وضرب الخيال أطنابه في وجدانهم.. فأنت مقتنع بأن ليست كل امرأة أم الدويس، وكذلك ليست كل أم الدويس امرأة، إذاً لا بد من الانعتاق، ولا بد من الانفصال عن واقع يخلق أوهامه، بنفسه، ويزرعها حقائق لا فكاك منها.. تفكر ملياً، تنفجر الفكرة في خيالك، تتطور تكبر، تصير بحجم الجزيرة النائية التي تود أن تلوذ بها، وتختبئ هناك، بعيداً عن وشوشة الموجات التي خلفها الآخرون في الذاكرة، وبعيداً عن تشويش الأصوات التي انغرست في الذاكرة منذ نعومة الأظافر، حتى صارت ضجيجاً، عارماً، يشوه الصور أمام عينيك.. تقول إن صوتاً داخلياً يهدر، يزلزل المياه الآسنة في أعماقك، يدوي بعنف الانفجارات الأرضية، النابتة من براكين الآلهة، يقول لك اخرج من هنا يا فيروز، ولا تهدر سنوات العمر، في الالتقاء مع آخر، استمد معرفته من الصور الخيالية واستشاط حمقاً وعصبية.. فتستجيب بضراعة الطيعين، تغادر، تلملم أشياءك الصغيرة، وتتأبط حقيبة أحلامك، باحثاً عن نفسك، وعن ضياعك، وعن جزيرتك الوادعة، عند مخيلة الحقيقة..
تقول هل للحقيقة خيال؟ أجل بل إن الحقيقة في الأصل، نبتت من بذرة خيال جامح، إذاً لا بد أن تتفجر أنت، لا بد أن تحمي ضلوعك من غثيان، المراحل المفرغة من المعنى..
وفي الجزيرة النائية، ترى الصورة واضحة، ترى الحلم المؤزر بالنصوع، الجزيرة التي يتساوى فيها الليل والنهار، ويمتزج الصيف بالشتاء، والحرارة بالبرودة، والرطوبة باليبوسة، بمعنى أنك وصلت إلى الأشياء المتوحدة، المختلطة في كل واحد، لا يشق له غبار..
في الجزيرة النائية، تتنفس الصعداء، وترى صورتك الحقيقية، تنشأ في النصوع، في العالم الماورائي، تقتنع بأنك وصلت إلى حافة الحقيقة، في الجزيرة النائية، قد تمشي والرمل وحيداً، بلا جلجلة أقدام، واستراح الماء، يغطس في أحلامه، ويتهجى حروف عوالمه البعيدة، بلسان عربي فصيح.. تنام، تغطيك السماء، بلحاف أزرق، صافٍ، يتلألأ بمصابيح الطبيعة، الراقصة على عزف أزلي لم يكف عن ترميم أحشاء التراب، جراء ما لحقه من بلاء التعرية.. وفي صباحك تنهض، تفرك جفنيك، وتفتح عينيك على صورة كائن، اختبأ خلف ورعه، وصيامه الأبدي.. للوهلة الأولى تفزع، لكنك لا تفكر أن تقاوم، أو تساوم، بل لبثت شاخص البصر، كما هو الماء عندما تداهمه موجة صارخة، تحاول أن تلملم بقاياك، تحاول أن تجمع شتاتك، تقول بصوت مشروخ من أنت..
في البدء لم تسمع صوتاً، وما طرق أذنيك، مجرد فحيح، شنف الأذنين، اعترتك القشعريرة، فاختض جناح فؤادك، حاولت أن تقضي على خوفك، وأن تجتاز اللحظة الراهنة، بالصمت.. لبثت ساهماً، شارداً تفكر في المخلوق الذي يقف أمامك، تفكر في نفسك كيف طارت بك قدماك إلى المكان الموحش. فلا كائن يتنفس هنا غير هذا الجذع البشري.. تفحصت الوجه، قرأت الملامح، سقطت عيناك على ابتسامة، وديعة، بديعة، استقرت في سويداء قلبك.. قرأت آية الكرسي، قلت إن كان جنياً فسوف يفر، لكن المخلوق ظل محاذياً خوفك، والشعاع الرهيب، يتسرب من عينيه إلى نياط قلبك، قلت لن أتوجس، لن أدع الخرافة تطاردني بعدما فررت من موطنها.. أنا هنا في عالمي الخاص، ويتبقى أن أضع مخيلتي كما أريد، لا كما عرفت.. عدت مرة أخرى، قلت بصوت جامد.. من أنت؟
قال في صوت رخيم، وكأنه يخرج من فم نجمة، تهاوت على سفوح جبل.. أنا صديقك الذي جئت تبحث عنه..
دهشت.. قلت في نفسك.. صديقي.. ليس لي أي صديق، فقد هجرت الأصدقاء جلهم، وآخرهم أبو سيف..
يهز رأسه، الذي بدا أمامك، كأنه كرة تتزحلق على عشب قشيب.. أجل أنا صديقك..
تقول: أتعرفني؟
يقول: أجل أعرفك..
تقول: من أنا..؟
يقول بلهجة عذبة: ألست أنت فيروز..؟
ترتج الأرض من تحت قدميك، وتسقط الشمس التي تردت كالجحيم، ثم ترفع رأسك، تمد يدك، تحاول أن تتعرف على الملامح..
ويداهمك.. قائلاً: ألست أنت الذي تبحث عن الحقيقة؟
تقول: بلى..
يقول أنا الحقيقة.. وشيئاً فشيئاً، تغمض عينيك، وتفرك جفنيك، ثم تفتح العينين، وترى أمامك ما يشبه الحلم.. امرأة..
في هذه الجزيرة، تذوب الأشياء بين يديك، كما تذوب قطعة السكر بين أنامل امرأة، حالمة، تحصد وعيك، سنابل أمل تهيم في الورطة اللذيذة، تتوغل.. لا يوجد هنا بشر، ولا شجر، ولا حجر، وكأنك اقتطفت نجمة من السماء، وأقعدتها تحت قدميك، الضوء الذي يأتيك يتسلل من داخلك، العذوبة تتسرب من أصابع روحك، فتنتشي، تشعر وكأنك تطير في عوالم لم ترها من قبل.. أجل أنت في هذه الجزيرة، التي انطلقت نحوها أو أنها هي التي سبحت على رمل القلب، واغتسلت من دمائك حتى ارتوت. وتلونت بلون وجهك، وجهك الذي لم تكتشف ملامحه، إلا بعد أن أطللت على انعكاسه في رمل صفائك..
تقول بجرأة لم تعهدها من قبل.. أنا لست خائفاً، أشعر بأن هذه الجزيرة تطوقني بذراعين دافئتين، وتلقمني لساناً أعذب من رعشة امرأة متأججة، لذا أصبح المكان بدفئه يحرضني على البقاء.. البقاء هنا يشعل الفكرة، يقلبها، يمنحها بريقاً، أنيقاً، أتلقى أنا.. وكأنني أولد من جديد، كأنني كنت عدماً، فأصبحت وجوداً، بكل خواصه، ومقدماته، ودهشته.. تقول إنك سوف تصعد إلى السماء، وسوف تعد النجوم، وتقبل القمر، وتمسح بيديك وجه الشمس، لتأخذ من خصلاتها المتدلية خصلة، لكي تنير وجه الجزيرة، وتضيء داخلك، تقول إنك بحاجة إلى ضوء شمس، وإنك بحاجة إلى وهج يطارد العتمة المتوارثة، فكل ما تخشاه أم الدويس، هو الضوء، كما أن الأشياء السيئة، تتوارى بمجرد رؤيتها اللألأة..
تقول إنك الآن تتلألأ، وهذا ما يدحض افتراءات صاحبك، أبي سيف، الصديق الذي أنكر انطفاءك، لمجرد أنك لمحت وجه امرأة، تلاصقه، ولما شممت الرائحة شعرت بالزكام، عطست وكأنك تريد أن تطرد شيئاً خبيثاً، كأنك تريد أن تسحق أي أنثى تصادفك، فقط لأنها تنتمي إلى جنس أم الدويس..
الآن تعترف بأنك لم تكن محقاً، وكذلك صديقك.. شيء ما كان يحجب عنك الرؤية، وعن صديقك، ربما يكون التاريخ، ولكن التاريخ تحرك في أماكن كثيرة، وتلون ولون، إذاً ما هذا التنين الخطير الذي أطعمك البؤس، وجعلك تبحث عن شيء تخافه..؟ فهل كنت تخدع نفسك عندما كنت تلاحق شبح أم الدويس في عيون الآخرين، وتسأل عن أخبارها على ألسنتهم؟
تقول وأنت تشعر بالحيرة، أي قوة رهيبة هذه، جعلتك تندفع بقوة، كما تحجم بقوة، عن شيء واحد بعينه.. تتذكر الآن، لقد نصحك الصديق، أبو سيف، بأن تمتطي إحداهن، وتمسح عرقك بمنشفة صدرها، ثم تنهض، معلقاً سروالك المبتل، على مشبك كتفها المرتعشة.. لكنك، لم تذعن لفكرته، واعتبرتها أفكاراً جهنمية تقود إلى دمارك، فانتفضت زاعقاً في وجهه، متذمراً، ثم هارباً إلى فراغك، التقمتك السفوح، تعثرت بالأحجار الصلدة، حتى أدمت قدميك، لعنت الصديق، شتمته، عدت أدراجك إلى غرفتك، صرت تبحث عن طمأنينتك في العتمة وتنشف عرقك، بفوطة السكون، هدأت قليلاً، لكنك انتبابتك القشعريرة لمجرد سماعك صوت نباح كلب، قلت حينها الكلاب لا تنبح من عدم، لا بد أن هناك خطراً، أو على الأقل أنها تنادي أنثى.. أي أنثى تريد فقط أن تتخلص من سموم ظهورها، لكي تهدأ.. كذلك كان يفعل أبو سيف، وقد قال في مرة، إنه عندما يشعر بحاجة إلى امرأة، فإنه مستعد أن يتأبط أي أنثى، ويمنحها مشاعره، بكثافة في تلك الدقائق، وما إن ينطفئ، يبدو شخصاً آخر، يتورع فجأة، ويلوذ عنها بعيداً، لتذهب هي مع الريح، تجر أذيال انكسارها وغربتها..
يتبع ..
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى