-
8 - 12 - 2012, 12:45 AM
#32
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 51
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
قلت: أي فكرة؟
قال: فكرة الكذب..
قلت: وهل أنت مقتنع بكذب ما يدعون؟
قال: أجل.. أجل..
قلت: فلماذا إذاً تبحث عن الكذب؟
قال: لأعرف الحقيقة.. ثم يستطرد: الحقائق لا تكشف شفاهة وإنما هي تبدو في ثنايا البحث عنها.. ثم يضيف.. المهم ألا تصدق كل ما يقال..
استسلمت لفكرته، لما وجدتها تترادف مع ما تسكعت من أجله.. قلت في حبور: إذاً نحن متفقان..
رفع حاجبيه دهشاً.. قال: على ماذا نتفق؟
قلت: لأنني جئت إلى هنا أبحث عن الحقيقة.. ولكني لم آتِ لأبحث عن سمكة كبيرة، وإنما عن أم الدويس..
يضحك بجلجلة.. أم الدويس؟ ما هذه أم الدويس؟
قلت: ألا تعرفها.. ألم تسمع عن امرأة عملاقة، تتقصى أثر الرجال، والأطفال، فتغرس مخالبها الضخمة في أجسادهم، ثم تمتص دماءهم حتى الموت..
يضحك.. ثم تجحظ عيناه، مزمجراً بصوت كهدير الموج.. غبي.. أنت غبي..
تنتفض غاضباً، تفكر في القضاء عليه، لكنك لم تجرؤ على فعل أي شيء.. ابتلعت أنفاسك، غصت في قفصك الصدري، صمت..
اقترب منك أكثر، ربت على كتفك، ملاطفاً، قائلاً: هل أغضبك كلامي؟
قلت كاظماً غيظك: لا بل ما قلته هو الحقيقة..
تفرس في وجهك، قال بلهجة ودودة، أم الدويس خرافة.. وكل ما يدعونه أقرب إلى الحمل الكاذب.. تهيؤات بشر لا أكثر..
قلت بلهجة جادة: ولكن تصرفات هذه المخلوقة بائنة للعيان، وبين فترة وأخرى يفقد الناس عزيزاً لهم، ولا يعود.. يا ترى أين يذهب المفقودون..؟
قال بحدة: وكذلك حال الصيادين، بين فترة وأخرى، تفقد البلد صياداً، أو أكثر، ولا يعودون..
قلت في حيرة: ما السر إذاً..؟
قال: السر يكمن في جهل الناس..
قلت: ما العمل؟
قال: أن يتخلص الناس من الجهل..
قلت: كيف؟
قال: إذا أنت.. وأنا لم نسايرهم، في ما يعتقدون، ينتهي الجهل إلى زوال..
قلت: هل تستطيع أنت أن تفعل ذلك، وتخرج عن معتقد العامة؟
قال: وأنا الآن أفعل ذلك، عندما أخلف ورائي كل ما يدعونه، وآتي إلى هنا، مجازفاً، باحثاً عن الحقيقة.. ثم يردف قائلاً: هل تستطيع أنت؟
قلت: أجل أستطيع، وهذا ما جئت من أجله..
يضع يده على كتفك، قائلاً: إذاً اتفقنا..
قلت: اتفقنا.. ثم تضيف متسائلاً: ولكن كيف سنكشف الحقيقة؟
قال: نزيف حقيقة.. ونضع حقيقة أخرى..
قلت: كيف؟
قال: أليس ما يدعون أنها حقيقة..
قلت: أجل..
قال: سوف نخترع حقيقة أخرى، أنا وأنت متفقان بها، نجهض بها الحقيقة التي يدعونها..
قلت: وهل الحقائق تصنع..؟
قال: كل ما يدعيه الإنسان، حقيقة من صنع الخيال، ومع التسليم بالخيال يصبح حقيقة تتوارثها الأجيال..
تبهت.. تشعر بأنك أمام خيال جامح، وكائن عبقري لا يجارى.. تتذكر أبا سيف.. كان مقتنعاً بما يقول، ويتصرف ويتهمك بالجهل أحياناً، وبالجنون أحياناً، كان يمارس رغباته بإحكام، وبتقنيات فنية عالية، كان يقول إن مضاجعة النساء فضيلة، لأنه يمنحهن اللذة، ويثري جيوبهن بالدراهم.. أما أنت، فتظل هائماً في عرائك، بلا معنى، ولا تقدم للبشرية ما يعينها على التخلص من الكبوات والاحتقان.. تتذكر هذا الصديق، وتتفرس في ملامح الصياد نبهان، فتقرأ العبقرية الفذة، التي أخرجتك من فراغك..
تستعيد خوفك من أم الدويس، ومن الأنثى التي أنجبتك يوماً.. تفكر.. تقول: كيف يمكن أن تكون الأنثى بهذه الشراسة.. الأنثى التي منحت اللذة، واعتصرت وجداً ليخرج الجنين، ويصبح رجلاً يمنح أخرى ما تستحقه من عصارة الجسد..
وتستطرد: هذه الأرض، أنثى تحمل البحر على كتفها، وتتأبط الجبال، وتحمي الأشجار من الضياع، وتسير الأنهار لترتوي الكائنات بالماء.. لم ترتعش الأرض يوماً إلا لأن الصخور في باطنها تتشاغب، وتلتهب، وعندما تيأس الأرض من ترويضها، تلفظها متبرئة من حثالاتها، ونزالاتها.. ولكن انظر إلى هذا البحر، الذكر المتوحش، إنه يعطي ويسلب، يمنح وينهب، ويسلب الأرواح إذا ما غضب.. الذكر وحده، الذي يصطنع الأفكار ويجيرها، ويجعلها حقائق، ليظل باسطاً نفوذه، وكل ما يختلقه من خرافة لأجل إضاعة الأنثى في متاهة الإجابات الغامضة..
تلتفت ناحية الصياد، تفكر في تقبيل رأسه، تقترب منه، تطوق ذراعيك حول جسده الناحل، ثم تضع وجهك مقابل وجهه قائلاً: شكراً لهديتك.. شكراً لعبقريتك، فلنفكر معاً لأجل الحقيقة..
يبتسم الصياد.. قائلاً: وهل تستطيع معي، صبراً..
تقول: أجل، سأكون رهن إشارتك..
تمضيان على رمل الجزيرة، تحدق أنت في العتمة، بينما يدب الصياد بأناه وتؤدة ويتلفت وكأنه يبحث عن وسيلة، كأنه يريد أن يخترع الحيلة، كأنه ينسل في الظلام خيطاً رفيعاً، تتبعه أنت، باستسلام.. ويتبعك توجسك شيئاً ما..
تقول إن نبهان، اصطحبك بالقارب، الخشبي، صرت أنت والرجل في جوف الزرقة، وعلى أسنان الموج الأبيض، تهاوى القارب، شعرت بدوار، شعرت باحتدام معدتك، حدقت في وجهه، قلت محتداً، توقف يا رجل، أشعر بالغثيان..
نظر الصياد إليك، باستخفاف، قال هازئاً، ألم أقل لك لن تستطيع معي صبراً.. إذاً يجب أن تعود إلى حيث المكان الذي انطلقنا منه..
مددت يدك إليه راجياً.. قلت: لا.. لا أريد أن أعود، أريد الحقيقة التي اتفقنا على اكتشافها..
قال في وجوم: لكنك لن تستطيع أن ترى الحقيقة، وأنت تشكو من دوار وغثيان..
قلت بإصرار: بل سأواجه الغثيان بالتصميم..
يتبع ..
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى