.. تابع

في الملاذ المتوهج، تساقطت النجوم نجمة نجمة، وتساوى الحلم باليقظة، وتوازى النعيم بالجحيم، واختلط الزبد بالرعد والزلزلة بالسكون، قالت بفجاجة لذيذة، هات ما عندك، ولج الغامض، رجه يا سيدي، وزع أذاك اللذيذ يختمر في الجوف، دعه يستقر حتى يحمر قرص الشمس، ويلتهب السديم، دعك هكذا، معتلياً الربوة السحرية، واقبض على هامتها بكل ما أوتيت من فحولة، وتقول أنت، انخفضي قليلاً، وهزي جذع النخلة رويداً، العنب، رخو، شهي، ندي، عفي من رعونة الزمن، وتقول ارتفعي قليلاً لأضع العصا فوق شفة النهر، هذا زمن الحصاد.. تكبر دوائر الأحجار في باطن الأرض، فتحدث الزلزلة، تحدث العاصفة وأنت مازلت تلقمها، حبلك السري، بانتفاضة عارمة، ورعشة صارمة، فتسبحان في الماء، تغرقان في العويل الداخلي، تتدحرجان ككرتين، من فوق سطح الجحيم، تستديران، تتكوران، تنكمشان، تتلاشيان، بتلاشي الزمن والمكان، تطلب منها أن تناديك بقوة يا نبهان، اسحقني.. تنادي، وأنت تسحق، تشعر بأنك تبيد مع جسدها الممحون، فيروز الذي كان يشعر بأنك تدوس على الحثالة..

نفضت غبار السماء، ورتبت ثياب الأرض، اعتنيت كثيراً، بلملمة الملاءة، الهاربة من جلجلة الرعد، استعنت بنظرات المرأة، كي تنظف الجدران، حمحمة الفراغ، سويت عراءك، لحفت عرقك بمسحة من يد مسترخية أسورة المرأة، المتناهية في الغفوة، تأملت الوجه اللامع جيداً، تأملت لجلجة الصدر الناهض، ملأت عينيك بالابتسامة، وبالبريق المتسلق من جبال شاهقة، لمع وجهك بالحلم النبيل، لمعت أنت، أشرقت، تألقت تأنقت، وبرشاقة الخيط الحريري، طوقت عنقها بنظرة غاصت تتقصى جذور العروق الخضراء، والشفاهية، الجامحة، ساورك ظن، لكن الظن النجيب، ساورك الظن بأن تعيش مائة عام، أو ألف عام، أو أكثر، لأن العمر أصبح مطواعاً في معصم يدك، أصبحت الحياة خاتم سليمان، الذي يحمل على جناحيه فخامة بلقيس، وأبهة الصولجان المدهش، والسندس الفريد، تقول إنها جلست إلى جوارك. تفرست فيك ملياً، قرأت ملامح وجهك، ناولتك فرحتها، فانتزعت أنت الفخر والاعتزال.. ارتفعت كتفك إلى عنان السماء، متجاوزة النجوم والكواكب، متجاوزة العظمة بكل ما تعنيه المعاني الفريدة.. أجل جلست إلى جوارك متكالبة، متهافتة، متعاقبة أجيالاً من النساء الضارعات، اليافعات، الملهمات، متداعية بوعي أنثوي، سابحة في عينيك، تقنص أشواقها في بحيرة التواريخ المذهلة..

تقول، ما تعنى الحياة عندما لا تكون المرأة شجرة، وأشواقها ثمرة التفاح التي لا تسقط جزافاً، ما تعني الحياة عندما لا تكون الأشواق سفينة تحمل عشاقها، إلى مراسي اللهفة، ومحطات الرغبات النبيلة.. تنظر إليها، وتبصق في الفراغ قائلاً: تباً لك يا فيروز، تباً للحثالة، والنجاسة، ونفايات التاريخ والبقع السوداء في سفح الجغرافيا.. تباً لفكرة تراهن على الخرافة كحبل معرفة.. وقبل أن تغادر، قبل أن تفرغ المكان من الرائحة، قبل أن تترك الهالة وحيدة تملأ وعاء الذاكرة، مدت يدها، مددت يدك، تشابكت الأيدي، وعلى حرير الجلد، نما برعم اسمه الحب.. تقول إنك أسرفت كثيراً في النظر إلى محياها، تبحث عن صورتك، وتشم رائحتك، ثم انصرفت، تبصق في الفراغ، باتجاه القبر الذي ودعته باللعنات، ولما غيب الباب العطر، ذهبت أنت تقرأ مضاريف الكتاب المقدس، وترتل أناشيدك، طرباً وفرحاً، وابتهاجاً، واحتفالاً بميلاد نبهان، العارم، الصارم، ثم نشدت الصمت، مؤمناً بأن التاريخ لن يكرر نفسه، طالما أيقظ نبهان، روحك، بأجراس الوعي..

وفي ذروة الظفر قلت.. طبت يا نبهان، مساءً وصباحاً، ونعمت بأنبل الأيام الواعية..

الآن أستطيع وببراعة أن أصف حالتي قبل وبعد، مستفيداً من نعمة فرويد العظيمة، مستعيناً بقدراتي الكامنة.. نعم كنت كمدينة سرية تقطن تحت الأرض، تزلزلت في باطنها الصخور إثر غضب طبيعي، فصحت على شروخ في الجدران، وتهشم في الزجاج، وترهل في الأبواب، وصدمة عارمة ضربت سكانها.

تقول بصراحة هكذا أنا.. انتكست، فتعمقت وأزحت وبدلت، وغيرت، صرت أشخاصاً عدة، صرت أبا سيف الماجن، صرت فيروز المقصر، صرت نبهان المتحرر، وصرت أشياء أخرى، مختلطة من شخصيات مرت في حياتي، صرت أمي المسحوقة، صرت أبي المتجهم، صرت بعض أصدقائي اللامبالين، صرت بعضهم المنزوين، العابسين، وصرت وصرت..

ثم تضيف بجلاء.. في الحقيقة أنا هؤلاء كلهم، ولكن ما يستولي عليّ الآن وبعد أن قبرت فيروز اللعين، هو هذا المارد نبهان، الذي انتفض في داخلي، زلزلني، هزني من العمق، وراح يحك الصدأ من فوق جلدي، يدعكني، يفركني، يعصر روحي بقوة الكائنات الشرسة، ليطيح بالخرافة التي استوطنت هذه الروح، ولا شك في أنه كان مزيجاً من أم الدويس، بذراعيها العملاقتين، وضميري المستتر الحالم بالحقيقة.. الآن لا بد أن أتصور أن الحثالة دائماً ما تستقر في قاع الفنجان، ولكن هزها بعنف يحرك جزئياتها، فتختلط بالصفاء، بعضها يطفو إلى سطح الفنجان فيسهل القبض عليه.. هكذا فعل نبهان، عندما حرك ذراعيه كشراعين، تنتشران في مساحة الريح، فتم القبض على فيروز، ومن ثم دحره، إلى أن وصلت به الحال في قعر الحفرة المظلمة.. الآن وقد أخذ نبهان ناصية انتباهته، وتربع عند الربوة العالية، ويرمي ببصره نحو المشاهد، أجد نفسي، في الزمن المناسب، حيث لم أكن من قبل كذلك، كان الزمن يسبقني، لأن وزن الحثالة التي تراكمت على وجهي، أثقل مما أحتمل إزاحته، الآن أنا نبهان، أنا الإنسان، الذي تخرج في كتيبة الفرسان الذين يقبضون على الحلم، قبل أن يتحول إلى وهم، ثم ظن، ثم خرافة عملاقة تطارد المخيلة حتى تدركها، وتطيح بمكوناتها العقلية، وتجعلها مطية للخوف الأبدي..

بصوت وئيد تصرخ.. متى تخلع الجدران جلابيبها، وتعرى كامرأة متشظية، وحتى يتمايل السقف كأنه خصلات امرأة، تحللت من مقبض الحياء، وحتى تميد الأرض، كجسد أنثى، لانت بعد تصعب، ثم انهمرت متعافية بالشهوة النبيلة.. وصرخة أخرى، تعتريك، وهي تتزحلق من حنجرتك، تنتزع معها أحبالك الصوتية، ومعها أحشاءك المتهاوية.. تجلس على السرير نفسه، تحملق في المكان، الغرفة البائسة أصبحت فسحة معشوشبة، برائحة امرأة، غافية إلى جوارك، تنتظر إشارة، النظرة الأولى، الكلمة الأولى، الابتسامة الأولى، وأنت تحشد مزاياك الأخلاقية، وتتجمع في وعاء إنسان، لم يزل يتخلق بأخلاق النجباء، لم يزل يتكون في رحم هذا الكون، ولم يزل يربط حبله السري بمشيمة امرأة، لا تبدو ملامحها غريبة، لا تبدو أنفاسها غريبة، هي الآن قريبة منك إلى حد التداخل، تتوغل فيك، كما تلجها أنت تبحر في جسدها متعافياً، بالرغبة المستبسلة، تقطع التضاريس بأناة وتؤدة، مستخدماً لسانك، وهو الحاسة الأولى في الجبلة الأولى في اكتشاف المجهول.. تعرف من لسانك أن للجبلين الناهضين عند السفح المهادن ثورة الأيديولوجيا الحمراء، تعرف أنهما الرغبة الأولى في الحنين، إلى عاطفة الأنثى الورعة، تعرف أنها الحفنة الأولى التي ترطب شفتي كائن شظف.. فتلقمتها باحتراف، وقبضت على صهيلها بإتقان، وكان أنفك يغوص في الطين اللدن، تشم الرائحة، وتسكر، فتنغرس أكثر، تشم الرائحة، فتشد البحار عزمها، والأنهار تفيض، فينتفخ جذع الشجرة، ينشر أوراقه على التضاريس، وما بين النهرين العظيمين، وكلما انتصبت أنت، وارتعشت الأرض من تحتك، وزاغت عيون السهول المنبسطة، انتكس فيروز المقبور، وخارت قواه، واحتفيت أنت باليقين..

يتبع ..