-
8 - 12 - 2012, 12:46 AM
#61
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
واصل القارب هديره، تحت جنح السكون، ووحشة الماء المهتدج، واصلت أنت الضغط على الأدراج، متحملاً، متجملاً، متجلداً، قابعاً تحت جلدك، كأنك الكائن، المتوجس، من هجمة ضارية.. والقارب يخب في الرمال السائلة، يغوص في أحشاء الموج، ويطفو في تحدٍّ لا نظير له، وعلى جانبي القارب تمر سفن الصيد، ومراكب التجارة، وأصوات تتهاوى من حناجر متعبة، تبدو كالرعد القادم، من تحت جلد سحابات داكنة، تشعر بالطمأنينة أحياناً، ولكن لما يتنحنح القارب إثر سعال يداهمه، بفعل انهمار الماء تحت هيئته المتآكلة، ينتابك الفزع، ويرتفع سعار الدوار، تفكر في الاستجداء لكن الصياد الغامض، يغمض عينيه، ويشيح في وجوم، وكأنه يتحداك، أو كأنه يتوخى منك مزيداً من المقاومة، أو الاستسلام، ثم يتلوه احتجاجه ونقمته التي تعرف جيداً حين قالها.. لكنك تصبر لتكبر في عينيه، تتضخم، لأجل أن تصبح فيلسوفاً بحق، يبحث عن الحقيقة الضائعة في أحشاء الغموض.. القارب، يرخي خطماً في جوف الماء، كأنه بعير ظامئ، ثم يرفع بوزه بأنفة المناضلين الصامدين، في مواجهة العدو اللدود.. غرق المكان في ظلام دامس، وغرقت أنت في أوهامك، فالامتداد الواسع، يشعرك وكأنك ذاهب إلى المجهول، بالفعل شعرت بأنك تهوي إلى سحيق غامض، لا فرار فيه، ازداد توعكك، وازددت اضطراباً بعد ما شحنت معدتك بمسامير الألم، انكببت على ركبتيك، وانخفض رأسك، تقيأت، أفرغت كل ما في أحشائك، وشهقت، يا الله، ولكن جعبة الصياد لم تبدِ تعباً، والقارب يثب كالقط فوق جبال الموج، يتوحش أكثر، يقاوم أكثر، والبحر يزبد ويرعد أكثر، والزرقة تزداد عمقاً، ولا ضوء يبين في غضون الليل البهيم، بينما الصياد، يدندن، منتشياً، وأكسجين الرئتين يتنفس بين الضلوع البارزة كأنها أعواد الخيزران المنضودة، تنهار أنت، تستلقي على جانبك بلا هوادة، يلتفت إليك منزعجاً، غاضباً، قائلاً بصوت جهور: ألم أقل لك لن تستطيع معي صبراً..
فتقول، بصوت مخنوق: لا بلى، أنا لها، دعك مني، واستمر في اختراق مجهولك.. يبتسم ساخراً، ثم يشيح واجماً، ويدندن.. على مسافة ليست بقريبة، باحت بعض الأضواء الخافتة عن مضمونها، أسفرت بعض الشيء، فانتعشت أنت رغم تهالكك، تفانيت بجسارة، فأطرقت.. أتريد أن تذهب إلى هناك..
لم يجب، واستمر في الدندنة.. شعر بالضجر كونك أصبحت صاحباً لا يطاق، أو هكذا أسفرت نظرات الصياد إليك..
التزمت الصمت، حاولت أن تلجم مشاعرك، وأن تحتوي انزعاجك، بصلب دخان، عله يروض معدتك وتكتفي بما أفرغته من حثالة طعام عفن.. دخنت نفثت ثاني أكسيد الكربون، ومعه آهة وحسرة، لأنك لم تزل تغوص في المبهم، ولم يزل الصياد يمنحك وجهاً غامضاً، ومشاعر مختلطة بين الحب والكراهية.. ورغم كل ذلك، فإنك لم تشعر بالقلق من غدر ما أو خيانة.. وقلت في نفسك، وما جدوى الخيانة بحق شخص تشبع من الخيانات حتى بات عملة فقدت الصلاحية.. والقارب يستمر في القفز على جبال الموج، يعلو وينخفض، يضرب ضرباته القاسية، صفحات الماء، ثم ينط فاراً إلى الأعلى، ثم متهاوياً إلى الأسفل، وأنت وحدك تفكر في الموئل الذي ستؤول إليه هذه الرحلة، المشؤومة.. وحدك تساورك المخيلة الغضة، تأكل قلبك، وتنهش من روحك، ولكن لا فرار الآن، ولا حيلة ولا تراجع، فالبحر قارة محاصرة، بالأبعاد الشاسعة، والفراغ الذي لا ينتهي إلا بلا نهايات قصوى.. أحياناً تشعر بأن كل ما فعلته ابتذال للفكرة، واستخفاف لا يستحق إلا هذه الرفقة اللعينة.. تشعر بأنها ورطة، لكنها قد تكون جميلة، قد تكون نهاية لمأساة، وذروة لسوداوية لازمتك منذ نعومة أظفارك.. تحاول أن تلملم شتاتك وتتجرع صبرك، على مضض لعلك تنهي السفر الطويل، والشاق، بمحطة تستريح من خلالها بعد تعب.. ويقينك يقول إنه لن يخيب الظن، بل إنه وجد ضالته فيك، ليريك ما لم تره، ليؤكد أنه السند الذي جاء من أجلك، ليتشابك معك في رخصة كونية، تفرج عن عقدة تكونت بفعل ضمير مستتر تقديره هم..
تقول إنك ذهلت عندما وصل القارب إلى البقعة المدهشة، ذهلت حاولت أن تتجلد صبراً، حاولت أن تغمض عينيك كي تخفف من وطء الصدمة، بينما نبهان وقف على مقربة من المكان، هذا المكان الذي أراد من خلاله كشف الحقيقة، هي الحقيقة ذاتها التي كنت تغوص في أحشائها المدلهمة، تحوم من حولها، تفكر فيها، تقلق من أجلها، تخاف، ترتعد فرائصك، تفقد النوم على أثرها..
قال في تهكم.. انظر.. انظر إلى هذا القبر.. نظرت، تفحصت الطين المتراكم، ثم قلت في دهشة: وما هذا؟
قال متذمراً: كما ترى.. طعام، وذهب وملابس، وكل ما ملكت أيدي الناس، تلقى هنا، بنفوس راضية، ثم تترك في الخلاء، الطعام تتناهشه الضواري، والأشياء الثمينة، تسطو عليها أيدي اللصوص.. والقليل منها، ما يبقى هنا شاهداً على المأساة..
ترفع حاجبيك دهشاً.. تقول: مأساة..
يهز رأسه، قائلاً: أجل مأساة، الحقيقة عندما تطمس تحت الرمل، وتدوسها الأقدام، ويبقى الإنسان هو الحشرة التائهة في جوف قنينة جهله وغلوائه..
اقتربت من نبهان، توسلت له بضراعة، قلت: ألا تريد أن تريح قلبي، لأفهم ما يجيش في خاطرك؟
قال: قلت لك، إنك لن تستطيع معي صبراً، قلت: إنك لا تريد أن تقطع الشك باليقين، بل كل ما تريده أن تبقى هائماً، ساهماً، مفعماً بالأسئلة البائسة، ولا إجابة غير العراء القاحل..
قلت: لماذا يتركون متاعهم بجانب القبر؟
قال: إنه ليس متاعهم، بل متاعه..
تقطب حاجبيك: متاعه هو، هذا الميت الراقد تحت التراب..
قال: أجل.. إنه متاعه..
قلت: وما الحكمة من كل ذلك؟
قال: لا حكمة.. إنها الفجيعة البشرية.. ألم تبحث أنت عن أم الدويس.. وتخشاها كذلك؟
قلت: أجل..
قال: هم كذلك، يخشونها، فيهربون إلى الفراغ، يهربون إلى القوة، يبحثون عن القوة، ويقتنعون بأنها هنا..
قلت: ومن هو الذي دفن هنا..
قال: لا أحد يعلم من هو، ولكنه قد يكون شخصاً ما، توخوا فيه القوة الخارقة التي تحميهم من خوفهم، والآن يطلقون عليه الولي.. ويسمون المكان.. القبر.. قبر الولي..
قلت: إنه ميت، وقد يكون ذاب تحت التراب، وتحللت عظامه، لتصبح طعاماً للديدان والحشرات والزواحف..
يتبع ..
-
8 - 12 - 2012, 12:46 AM
#62
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
قال: لا ضير.. ما المشكلة أن يلوذ الناس إلى ميت.. فقد لاذوا من قبل بالحجر، والحيوان والكواكب..
قلت: وهل يعبدونه..؟
قال: لا.. بل يخشونه.. إنهم يقدمون له هذه القرابين طلباً للشفاعة، والنجاة من نار الخوف..
قلت: وممن يخافون؟
قال: يخافون من خوفهم.. ثم يستطرد قائلاً: شيء ما يطارد الناس.. اسمه الخوف، لا يعرفون كنهه، لكنه يساورهم، يسكنهم، يستولي عليهم، يكبلهم، لا يتحررون إلا عندما يتيقنون أنهم قدموا له ما يرضيه، ليرفع عنهم ضرر الخوف..
قلت: هل تعرف الزمن الذي دفن فيه الشخص الذي ينام تحت التراب..
قال: لا أدري.. ربما يكون من مائة أو ألف سنة أو أكثر، ثم يطرق قائلاً: الخوف البشري ليس له عمر زمني معين، لأنه وجد مع الإنسان، تطور مع نسله، والإنسان لا يمكن أن يحدد له عمراً بالضبط..
قلت: لماذا لا تحفر القبر..
قال: هل تستطيع أن تفعل ذلك؟
قلت: ولماذا لا..؟
قال: أنا أسأل.. وإن كنت تستطيع فافعل..
قلت: وأنت..
قال: أنا لا يهمني الحفر.. إنه مجرد حفرة لا غير.. ما يشغلني فكرة القبر.. فمن صور للناس، للذين تواروا خلف خوفهم، أن الولي المزعوم جدير بأن يطرد شيطان الخوف..
تزعق.. قلت شيطان..؟
قال: أجل.. الخوف شيطان..
قلت: ماذا تعني لك كلمة شيطان؟
قال: كل شيء غير مرئي مخيف، وكل شيء مخيف هو شيطان، ثم يضيف، ألم تقل إن أم الدويس شيطانة..
قلت: أجل..
إذاً المخيف شيطان.. وما بين شيطانتك ووليهم، قاسم مشترك واحد، هو الاستلاب..
قلت: ماذا تقصد؟
قال: كل شيء يسلبك إرادتك، هو شيطان، وأم الدويس والولي، يسطوان على الإرادة، بإرادة..
قلت: كيف؟
قال: يسرقان إرادة الناس، بقناعة ذاتية من الناس..
بهت.. فكرت.. قلت في نفسك: كيف توصل هذا المشرد إلى هذه الأفكار الجهنمية، كيف استطاع أن يخلص إلى هذه النتيجة، ثم أردفت من أرسل هذا الكائن الفظيع لي، من حمله هذه الرسالة الملغمة بالأسئلة الفجة..
قلت: وهل معنى هذا أن أم الدويس مجرد صناعة بشرية؟ ولماذا يصنعون خوفهم بأيديهم؟
نظرت إلى نبهان.. قلت: ألم يلفت نظرك إلصاق الشر بأم الدويس، أعني بامرأة وليست رجلاً..
ضحك نبهان.. قهقهه فاغراً فاه، حتى ارتعشت أطرافه.. قال: أتريد أن تعرف السر..
قلت: إن كنت تريد أن تنقذ حياتي..
قال في لهجة دهشة: أنقذك.. مماذا أنقذك؟
قلت: من أم الدويس..
قال: أأنت خائف؟
قلت: لست خائفاً فحسب.. بل أنا خائف، وناقم، وباحث عن الحقيقة..
قال: حقيقة ماذا؟
قلت: حقيقة هذا المارد المبهم الذي يسكنني..
قال: أأنت متزوج..؟
قلت: لا..
قال: لماذا؟
قلت: هذا هو السؤال الذي يطاردني..
قال: وما علاقة أم الدويس.. بالزواج؟
قلت: ألم نتفق أنها امرأة..
قال: إذاً أنت مقتنع بأن الشر امرأة.. وأن الخوف امرأة..
كدت تجهش بالبكاء، انكببت عند قدميه، مرتعشاً، مضعضعاً، متفانياً من أجل الحقيقة..
وضع يده على كتفك، ربت، هدهدك كطفل فزع من حلم مخيف، كانت عيناك جاحظتين، ويداك مرتعشتين، قال في لهجة هادرة.. انهض يا رجل.. انهض يا فيروز، كان في وسعك أن تجتاز هذه المحنة لو أنك اختزلت أزمنة الخرافة، واصطنعت لنفسك زمناً غير الزمن.. فالذي يعيش أزمنة الناس، ويدخل في تجويف الخرافة، يعيش بلا زمن، يعيش بلا قدرة، فينسحق في حفرة الخوف..
نهضت.. قلت راجياً: ما الحل يا سيدي، أريد أن أعرف السر..
نظر إليك، تفرس في وجهك، قال: المرأة التي تخاف منها، تسكنك تستولي عليك، تسلبك كما يفعل هذا القبر الصامت.. الجلجلة التي تحاول أن تهرب منها، هي أنت.. أنت الذي صنعت المرأة المخيفة كما فعل سواك بالقبر، وادعيت أن أم الدويس هي المرأة التي تطاردك.. ثم يضييف.. قائلاً: ألم تضاجع امرأة في حياتك..؟
قلت: لا.. حاولت أن أفعل، وحاول صديق لي أن يستدرجني إلى حضن امرأة، فأبيت، بعد أن حاصرتني ارتعاشة هزت كياني.. ذبت في اللمعان المخيف، رأيت مخالب عملاقة وهامة عظيمة زلزلت نفسي، فهربت، لائذاً إلى الفراغ، تنفست الصعداء، بعد أن اطمأننت أنني في منأى عن ذراعي أي امرأة..
ضحك الصياد بجلجلة، شيعك بابتسامة ماكرة، ربت على كتفك، حاول أن يهدئ من روعك، وأنت المطحون والمهشم..
وأنت تتفحص وجه نبهان، تتصيد نظراته الغامضة، تلاحقها، تغوص في عينيه، صرخت بلا مبالاة، قلت: أنا المهشم، أنا المحطم، أنا فيروز داهمته الحثالة، حتى أحكمت قبضتها على روحه.. روحي، الهائمة بعيداً، الذاهبة عميقاً، لم تزل تبحث عن امرأة مخيفة..
ضحك نبهان، قال ساخراً: هل نظرت إلى عيني امرأة يوماً..
قلت: أجل..
قال: كيف وجدتها؟
قلت: كانت أشبه بالبئر العميقة، تخرج منها ذراع طويلة، تمتد نحوي، فأرتعد، أذوب، أصير لا شيء.. أصير حثالة..
قال: يا حثالة، هل أمعنت النظر في شفتيها؟
قلت: أجل..
قال: كيف وجدتها؟
قلت: كانتا أشبه بحدى المقص العملاق، صقيلان، لامعان، ينفتحان كفك مفترس، فأتلاشى، بعد أن أتضاءل شيئاً فشيئاً..
قال: يا متلاشي.. هل نظرت إلى صدرها؟
قلت: بلى..
قال: كيف وجدته؟
قلت: كأنه أشبه بجبلين، صارمين، منتصبين على أرض خلاء، فأختفي عند الصلابة، أنفني عند الرعونة الجاهمة..
قال: يا عدم.. هل نظرت إلى ردفيها؟
قلت: بلى..
قال: كيف وجدتهما؟
قلت: كانا كموجتين، غاضبتين، فأنسحق تحت طياتهما، أذهب إلى المجهول..
قال: يا منسحق، هل نظرت إلى ساقيها..؟
قلت.. بلى..
قال: كيف وجدتهما؟
قلت: كانتا كحارسين يذودان عن منجم، متسلحين بشهوة القبض، على سحر التصوير والتدوير، والتسوير، وحرير المنطقة الجهنمية، فأغمض عيني، فلا أرى غير حرقتي..
قال: يا أعمى.. هل نظرت إلى أصابع يديها؟
قلت: بلى..
قال: كيف وجدتهما؟
قلت: كانا أشبه بأعواد ثقاب مشتعلة، فاحترقت..
قال: يا محترق، هل نظرت إلى شعرها..؟
قلت: بلى..
قال: كيف وجدته؟
قلت: كان ليلاً حالكاً، ينسحب على كيانها، فيطمسني، فأبحث عني فلا أجدني، لا أجد قلبي الذي حملته كي أحفظ صورتها في مخبئه..
قال: يا مطموس، هل نظرت إليها كلها..؟
قلت: بلى..
قال: كيف وجدتها؟
قلت: كانت عملاقة.. مهيبة، مفزعة، عندما تتحرك تسقط نجوم السماء على رأسي، جمرات، وعندما تضحك يزلزل رعدها كياني، عندما تتفرس في وجهي يغشى عليّ، فلا أراها..
قال: وهل رأيت نفسك بعدها..؟
قلت: بلى..
قال: كيف؟
قلت: وجدتني، شيئاً ضئيلاً، شائهاً بلا ملامح..
قال هازئاً: يا شائه، هذا هو أنت، لأنك شائه فترى الأشياء كما أنت لا كما هي..
قلت دهشاً: كيف؟
قال: لو غرست عصا مستقيمة في الماء ستجدها منحنية.. أليست كذلك؟
قلت: بلى.. ولكن، لماذا؟
قال: لأن الماء كائن منحنٍ، متعرج، وغامض، فعندما تتصل استقامة العصا بانحناءات الماء، تبدو لك العصا منحنية، لأنك كائن منحنٍ، منثنٍ، متخثر، متقد، مضعضع، تغيب في الوهم، ولا تعرف الحقيقة.. فلو احتفظت بصورة العصا المستقيمة فلن تقتنع بانحناءتها في الماء، وسوف تكذب الماء، وتصدق العصا..
بهت أنت، تجمدت، رحت تبحث عن المرأة التي رأيتها، تفتش عن عينيها، عن شفتيها، عن صدرها، عن ردفيها، عن ساقيها، عن أصابعها، عن شعرها.. لكن الصورة لم تزل كما هي.. إذاً ماذا تصدق الآن.. الصورة في ذهنك، أم الحقيقة على الواقع.. وأنت لا تعرف الحقيقة.. لم تلمس جسد امرأة، لم تضاجعها كما يجب أن تفعل، وكما يفعل الرجال.. وهل كانت المرأة التي رأيتها هي كما اختزنتها أنت في الذاكرة، أم هي المرأة الواقع؟
دار رأسك، كما يستدير القارب في الماء، ساعة هيجان الموج، موجة عارمة، تخذلك، تطيح بك، تتلاشى أمام الرجل الواقف أمامك، تبحث عنك فلا تجدك، تجد هلامية تطفو في فضاء وعر، تجد قشة تطير على الأرض، بساقين متهالكتين، تجد كائناً يتشبه بكائنات أخرى، بنفايات أخرى.. تتصهد، تتهجد، عند قدميه، تحاول أن تحفر قبرك، أمام عينيه، تحاول أن تتلاشى في الغيبوبة، تحاول أن تتعافى من وعكك المشوش، تتذكر أبا سيف، تقول، إنه كان مضاجعاً جيداً، كما أنه نذلاً رائعاً.. كان مسرفاً في النذالة، كما كان قديساً ورعاً، لا يخشى الخرافة..
تقول في سرك: الغارقون في المجون منصرفون دوماً، في صناعة الوضوح، والوضوح هو الشمس التي تسطع على وجه الحقيقة، فترى ناصعة جلية، إلى حد البساطة بلا تعقيد..
يتبع ..
-
8 - 12 - 2012, 12:47 AM
#63
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
تقول لصاحبك، وصوت ما يهدر داخلك، ناب شرس، ينهش صدرك، وثانية تعود لتسأل نبهان.. لكنك لم تجده، تتلفت، تبحث عن القارب، عن الموجة التي حملت جثة الكائن الخشبي، لا شيء يبدو أمامك، يعثر في الغيبوبة، تغيب، ثم تفتح عينيك، تضرب قدميك على التراب اللدن، تقول: هذه جزيرتي، رائحتها، لون ترابها، وخشخشة الماء عند الساحل، طيور الكروان الصغيرة، تدب بالرشاقة نفسها.. أين نبهان إذاً..؟ أين القارب..؟
تقول: نبهان.. ويصعد صوت داخلي، قائلاً: أنا نبهان.. نبهان.. أين أنت..؟
نبهان.. أنا هنا.. ضع يدك على صدرك، ناحية القلب، اغرس إصبعك، هنا مكمن الروح، ستجدني..
تقول: يا إلهي.. أنا نبهان، أم فيروز.. تهز رأسك، تقول نبهان وفيروز وامرأة، فارعة هيفاء، لدنة، يهرس عظامها أبو سيف، فتلقمه شفتيها ثم تموء تحت جسده، متفانية في النضال من أجل انتزاع اللذة العارمة، أو الورطة اللذيذة، وامرأة أخرى، بكل هذه النذالة، تغزو كياني، وتتهيأ، لاختزالي ثم لإفنائي..
يتطور نسلك، تبحث عن لغتك المتلاشية فيك، تبحث عن نبهان، وعن فيروز، وعن امرأتين.. تقول هل أبحث قبراً واسعاً، وعميقاً لنبهان أم لفيروز.. أيهما الأنبل.. أيهما يستحق الفناء؟
تسير على الرمل، تغرس أصابعك في المرونة، تنغرس روحك، وتجتث أعشاباً شوكية وخازة، تدميك، تتألم، تجهش في البكاء، تعصر جوفك وكأنك تريد أن تنتزع شيئاً ما، كأنك تريد أن تخلق جنيناً، بوجه أجمل من وجهك، تشكله من جديد، تلونه بألوان اقتطفت أوراقها من صلب نبهان.. نبهان، ينتصب، ويتلاشى فيروز، تدخل في الإغماءة، تدخل في وطيس الحرب الدامية، تسمع فرقعة وجلجلة، تصم أذنيك، تغمض عينيك، وتزم شفتيك، تنكب على الأرض، تضرب رأسك في التراب، تحاول أن تنهض، تحاول أن تستلقي، تشعر بلمسة حانية، تخربش على جسدك، تقشعر، تنتشي لذة ما، تجتاحك، تصل إلى الذروة، ثم تنطفئ هامداً، كجذع لوز لدن، يتصبب العرق من جسدك، تستحم بالملح الساخن، تتحسس أطرافك البارزة، للمرة الأولى، تشعر بأن لك لساناً، يتخبط ما بين الفرعين، وبشهامة النجباء، يرفع اللسان رأساً، مستوراً بقبعة حمراء قانية، للمرة الأولى، تحس بأن فيروز كان كذبة، راوغتك، وساورتك، واستلبتك إلى حد التلاشي..
للوهلة الأولى، تقتنع بأن نبهان جذرك القاصي، وتنهض، تنظر إلى العراء، تفتح ذراعيك محتوياً الجزيرة بتضاريسها، ضاحكاً، ساخراً، قائلاً بجرأة.. مات فيروز.. احترق جسده، وذر رماده.. في العراء الموحش، لكي لا يبنى له قبر.. كي لا يكون مزاراً للخرافة ولكي لا يثري اللصوص، من سخف وخفة الأغبياء..
تقول إنك الآن عند جبل الظن، فأنت فيروز أم نبهان، أنت في المنطقة الضبابية، أنت في الزاوية الحادة، ضلع ينفرج على هاوية وآخر ينحدر إلى السفح الرهيب، تقول إنك على الرمل، المتحرك تحت قدميك، تحرقك الأسنان الشرسة، تهشمك، وامرأة ما تتحايل على روحك، امرأة شبه عارية من ثياب أزمنتها، تختال ضاحكة، تفرج عن مساحة باهتة من الجسد، تلقمك شهوتها، ثم تمضي في ثنايا الروح، تشعر بأنك تولد مرة، وتموت مرة، وما بين البين أنت، في الغيبوبة القصوى..
تصرخ بصوت مدوٍّ، نبهان، يا نبهان، يخرج من فيك، من الجوف الغائر، فحيح كائن لا يرى بالعين المجردة، تحاول أن تقبض الريح، أن تسابق خطواتك، أن تلحق بشيء ما، لا تدري ما هو، لكنه شيء، يبدو لك أنه اللحظة الحاسمة، تقول بصراحة، يجب أن أنهي مجزرة الذات، فالمرأة التي تتحرى، تكونك لم تزل شبه هيئة أنثوية، لكنك تتشهاها برغبة الظامئ، بشهوة المحاصر، بين فخذي مدارين، مسارين، حوارين، كائنين، رغبتين، قوتين، تقدم أم تحجم، تلجم أم تفصح، وتتحدى كل الأزمنة تقاوم كل الأحزمة الرصاصية التي طوقتك إلى حد الاختناق..
مرة أخرى، تصرخ، يا نبهان، ثم تطرق باب العتمة متوهجاً، يا نبهان، وتكاد تقبض على المرأة، تكاد تستدرج جسد امرأة، لكنك في اللحظة النائية في جوفك، تتشنج، وتتصلب يداك، ويخرج من فيك زبد الارتعاشة، الجارفة، تجرفك سحابة غامضة، تخذلك القوة الوثابة..
تقول إنك الآن، ما بين السماء والأرض، أنت ما بين خطوط الطول والعرض كلها، أنت تتوسد التضاريس، وتفترش جملة من التراكم المريع.. بصوت وئيد، ترتعد له أرداف الأرض، وتتهشم له زجاجة السماء الزرقاء، ويهبط القمر حافياً، يحذو حذو العراة الحفاة، والذين تسوروا باللهفة والشظف.. تفكر ملياً، في وجه نبهان الشاحب، ونظراته المقتضبة، وصوته الأشبه بالزئير، كأنه الصرخة المدوية الخارجة من جوف بعير يلفظ أنفاسه الأخيرة، ثم تضحك ساخراً، هازئاً، قائلاً: نبهان، الذي حاول أن يحملني على جناحي طائر سحري، انتبه إلى خذلاني، فانزوى ثم اختفى، وها أنذا أقتفي أثر الآفلين، كما اقتفيت ما تبقى من أثر لامرأة غارقة في الحكمة، وفي الحشمة، ظننت أنها الخيبة التي أطاحت بالرؤوس، والفؤوس، والنفوس، ظننت كما ظن الآخرون، أنها أم الدويس، البغيضة..
وبعد زوال العاصفة، تقف شاهداً على تاريخ مؤرخاً لشواهد منظراً لوقائع مسجلاً لمشاهد، ثم بعد ذلك، تخفف الوطء وتلعن سلسبيل الورطة، وتغتسل متحاشياً رمل الفجيعة.. قائلاً بصوت أصفى من عين امرأة، صحراوية، تباهت بصلابة الجسد، وشغف الشفتين، إلى ذكورة يافعة.. وبعد أن طهرتك الريح، واحتواك المجون اللذيذ تشعر بأنك في معمعة الرغبة الملحة، لعودة حميدة، إلى التربة الخصيبة..
ولكن قبل أن تعود، تود أن تناشد نبهان، بأن يفسخ العقد الباطل، ما بينه وبين فيروز، تريد طلاقاً بيناً، تريد انفصالاً بلا رجعة.. ناديت بالصوت المتهدج.. يا نبهان.. أتستطيع معي صبراً؟
تسمع همساً، يدغدغ مسمعيك، قائلاً: عليك أن تساعدني، عليك أن تساند مقاومتي من أجل الخلاص، النهائي..
تصمت.. تتوغل داخلك، تغوص في الغابة الموحشة، حافياً، تحث الخطى، وتتلفت فزعاً، خشية مداهمة ظالمة، تغرقك بالضجيج، وتطوقك بالزلزلة..
ومرة أخرى، تحاول أن تستعين بنبهان، تقول له، باستغاثة الغارق في العتمة، انتشلني، خذني إليك، تعال لنمضي معاً، باتجاه الرقعة الفسيحة، ها أنذا، أنسلخ الآن، أتحرر من فيروز، فيروز مات..
يقهقه نبهان، يزمجر، يهتف قائلاً: عليك أن تصعد الجبل أولاً، وتجتاز الوعورة.. وتحطم الصخور، بأسنانك، وتهزم الضواري، بالعزيمة.. تبحث أنت عن أسنانك، تسأل عن العزيمة، تمتد بك الأرض، ويصعد البحر على كتفك، تحاول أن تطفو، تحاول أن تنتزع جسدك منك، تفكر ما تفعله الأفعى، عندما تتجرد، ساحتة الجلد لينبت آخر أكثر ملاءمة لصروف الطبيعة.. تريد أن تكون أي شيء، إلا فيروز.. تفكر أن تزيله، أن تسحقه، أن تميت الأسماء التي تنتمي إلى هذا الفيروز، الأجناس التي تشبهه، الألوان التي تقترب منه..
تقول، إنك بعد تصعد، وتصهد، وجهد جهيد، رأيت جبل الظن تتضاءل، وتتعرى متحورة، من سحابات وحجب، رأيت جبل الظن ينزل عن كبريائه المقيت، ويختزل أشياءه، شيئاً فشيئاً، ينزلق نحوك، يتزحلق، بتزلف، ورأيت نبهان، يكبر، يتعملق، يمد ذراعاً عظيمة نحوك، تتمدد أنت على التراب، تغوص في الرائحة العطرة، لأول مرة تشم رائحة امرأة، تتفتح لها مسام جسدك، وتغري رغبتك في المثول أمامها، بلا وجل، وعلى عجل، تخطيت أعشابك الشوكية، تماديت في حث الخطى بلا استرابة، لأول مرة في حياتك، تجد نفسك أمام امرأة، تنحني لكبريائك، وأنت تشهق شامخاً، سامقاً، تتفرع كالجذور الأصيلة، وتبيد الأفتان، تلقمها شفتيك، تعصرها، فتحتويك، تكسر كبريائها، فتقول لبيك.. وهناك، في بقعة مجاورة، تلمح قبراً، تقترب من القبر، تقترب أكثر، تشم رائحة جسد.. تقول بتفاؤل، هذه رائحة جسد فيروز، أجل إنها رائحته، إنها عفونته، تنأى، قليلاً.. تنأى، تنتشر من حولك، رائحة العطر الزكي، تضمخ أنفك، تتنفس أنت في الرائحة، كما الهواء الظامئ، لعطر يشكل ذراته المترامية.. تقول سأنام، فقد أرتاح غداً، لكنك لا تنام، نبهان المتجذر فيك، النابت تواً في عروقك، ينتزعك، فرعاً، يافعاً، يانعاً، مترعرعاً، محتفياً بطلوع النهار، وتواري العتمة المزمتة..
تقول إنك تعتريك سحابة ممطرة، تتحسس جسدك، وتنفش الذرات الصغيرة عند المكان الخصيب، تقول إنك تفترسك رغبة، طاغية، تدفعك دفعاً لأن تباغت امرأة، أي امرأة، ولا تفكر إلا في صياغة المجد الجديد..
وبعد رحلة امتدت من الوريد حتى الوريد، غاصت في العتمة، ومن العتمة، تجلت السطوة الباهرة، ونفذ الهائل والمذهل، من ثقب المستحيل، وبعد اقتتال مريع، يخرج المارد، مستميتاً من أجل النخوة، وشهامة النجباء، فيعترف فيروز بالهزيمة، ويموت منتحراً، إذ فاحشه رؤيته، عورات أزمنته، فصار يهيل على جسده البائس تراباً خراباً ويباباً وعذاباً..
يتبع ..
-
8 - 12 - 2012, 12:47 AM
#64
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
فتفتح أنت عينيك، تقول إنك لأول مرة تشعر بأنك تفتح عينيك وترى قرص الشمس، الشمس التي تستدير حول رأسك، وتدور أنت من حولها، كأحد الكواكب.. تدور، وتثور وتفور الأرض تحت قدميك، تحرق أشياء بدت لك أنها تالفة، وتتلف أنت كل الأطواق، والأشواق القديمة، وتصعد جبل الظن، بنجابة، تصعد، ترى فيروز، الذي مات، محتضناً امرأة شائهة، مدماة، وسيفها العملاق مجرد سعفة، تتوقف حول جسدها الهامد.. فتضحك أنت بجلجلة، تضحك، ومعك يضحك نبهان، مطارداً الفلول المتقهقرة..
بعد فترة من زمن تقول إنك صحوت من حلم غبي، ومن شك اعشوشب في صدرك، نما كأنه السحر المعتق.. تحاول أن تختزل أزمنة وتستعيد أخرى، مستعيناً بقدرات ذهنية، احتشدت، في لحظات الإصرار.. المرأة التي لقمتك الشفتين بضراوة، وشهقت في وجهك محتدمة، متداعية، كأنها النخلة المتهاوية بعد عصف، تجلجل في أعماقها.. المرأة، التي حاصرتك بالجسد، والشهقات المزلزلة، تشقك إلى نصفين.. فأنت فيروز المقبور، وأنت نبهان الطالع، كسنبلة متمردة، تعانق جوف السماء.. تقول بإصرار: لا.. أنا نبهان، وجزء يسير من أبي سيف، الآن تبدو اللحظة المتوهجة، تخطف منك كل الحثالات والنذالات القديمة، تصقل على كف العصيان، فتلمع في عينيك، حلمت بامرأة، يافعة، متطورة من نسل، النطف الحارقة، تغوص في الزاوية الحادة، تتمضمض بالماء السحري، وتنتشي بحموضة الحياة، تغرق متفشياً كأنك الوابل المنهمر من علٍ، منتمياً إلى ذاتك المتدحرجة من صخور الصلابة، المسفرة من وعي التربة الخصيبة، وتقول لقد تعافيت من معمعة، خضت ورجت، وهزت وزلزلت، وعفرت التراب حتى صار الغبار غيمة داكنة، تحررت من صناعة مزيفة، واعتليت جبل الظن، صار تحت قدميّ، أدوس على صخوره بجرأة البواسل، وأصب جام غضبي على رعونته المتلاشية، وتصرخ محتفياً، بالقوة العارمة التي سكنتك، رافلاً بسندس الحياة.. تصحو.. فعلاً أنت الآن في اليقظة القصوى، في الانتباهة، التي تحصد التفاصيل، وتحصي الجزئيات بكل لباقة ولياقة، وتتفوق على جبل الظن، بامتياز شخص انبرى كأنه المارد.. تأتيك.. هذه المرأة المخيفة، تأتيك ضارعة متوسلة، تريد الغفران، وصكوك الاعتراف بأنها الأنثى، العاشقة.. تعشق فيها هذا الاندفاع اللذيذ، تتلذذ، بدوران الشهوة في عينيها، تلملم شتاتها بين ذراعيك، تطوقها بنخوة الرجال النبلاء، تعصرها، لا تطلب التوبة، بقدر ما تنشد استعادة دوران الساعة، وحركة الكواكب، لتستمر الحياة، بلا خوف، لا تبرره إلى إخفاق الذين استمرأوا الغوص، في المياه الضحلة لاصطياد أسماك، التفوق على الآخرين..
ها أنت الآن، تخرج، وعلى جناح الفرح، تقصي جل ملابسك القديمة، ودماءك وأفكارك ومشاعرك، وجلدك، تخرج مستفيقاً، تبحث عن ملاذ يؤوي أناك اليافعة، تضم نبهان، المشذب، المهذب، لتستدير من جديد حولك، حولك أنت، وتحصد كفاح زمن.. ثانية تعود إلى الأرض البكر، تعود متأزراً نبهان، يحميك، ويخفيك، ويعافيك من كل ضرر.. تقف منتشياً، في هذا البيت نشأت الأفكار المفزعة، وخلف جدران، تجلت العواهن والعوارض، القاتلة، تضحك وتقول: أنا نبهان.. وشتان ما بين الأمس، واليوم.. وتعيد الكرة قائلاً: أنا نبهان، وجزء يسير من أبي سيف وليس كله.. تدخل الفناء الصغير، ثم منه إلى الغرفة، لم يزل مفتاح الدخول يحتفظ بمكانه في جيب قندورتك، بعد فقدانه البريق، كونك لم تدخله ولم تخرجه من وإلى مكمنه الأمين.. بعض الرائحة، تسد أنفك كونك تدخل غرفة، تنفست جدرانها الغبار، واستلقى السرير على فراغه الموحش.. لكنك لا تتردد، تستلقي مستريحاً، ألفة الفراش تحتويك بعتاب، وصمت الجدران يتهمك على أنك غادرت من غير موعد أو استئذان، إذاً لا بد وأن يكون العتاب لذيذاً، وأن يكون الاستقبال ساخناً محملاً بجمرات الدموع الحبيسة.. لكنك تقول، منذ الساعة لن يكون الحبس اضطرارياً، لن أكون الفريسة التي تنهشها أنياب الظن.. ها هو جبل الظن، يذوب كالجليد، يتهاوى، يفترش خذلانه ويزول شيئاً فشيئاً.. وأشياء أخرى تزول معه، كوني أنا نبهان.. نبهان الذي فتك بفيروز، وانتصر، نبهان الذي لطم البحر، فانشق ماؤه إلى ماءين، وما بينهما الدرب الذي طرقته، ثم طفقت، ألهج بعافية.. تشعل صلباً، وتدخن بشراهة، تقول إنك اكتفيت بالصمود منذ زمن، ولم تدخن، الآن آن لك أن تمص هذا العقب، أن تدع شفتيك تلعقانه حتى الذوبان، فيذوب، وتذوب أنت، تغيب في الدخان، تتلاشى شيئاً آخر، ثم تمسك بشغاف فرحك، وبالفرح ذاته تقدم على الحياة، وتبحث عن أنثاك، عن المرأة التي تختبئ في معطف القلب، تخرج ثانية وثالثة، وتعتليها بشهامة الفرسان، فتخب هي، وتهش أنت، واللجام معصم يطوق الشهيق، والسنابك أربعة من فروع الشجرة، تتداخل، تطلع وتتلاشى، حتى تنفجر الكرات الإلهية في مخمل الجسد، فتسيح وتسيح في الهيولي الفظيع، وتخرق أذنيك آهة، تأتي من سحيق اللغة المتفجرة من أتون الأزمنة الغابرة، من سجادة ملساء، حصدت كل ما في جوفك، واستراحت مستلقية، مؤمنة بانتصارها، كما أنك على يقين من أنك غفوت غفوة باركتك فيها الآلهة، وسجدت لك الملائكة، وصدقتك الرسل، لأنك عرشت، وأشعلت نيرانك في المضارب المتوهجة.. ثم ترفع رأسك مبتهلاً، متهللاً، مجللاً، بالفرح، وتقول.. في المساء خرجت، تتأبط، نشاط الدورة الدموية، وتتأزر التفاؤل بكل فداحة وفصاحة، وحصافة، تقول إن الشارع الضيق، الذي يتصلل عن الجيران يمضي متخايلاً باتجاه الفندق القريب، عند الصهوة العريقة، وصحوة الفرسان الأماجد، وماجدات العصر الحديث، تقترب، برأس تطال عنان السماء، وأفق يتشمم رائحة الأجساد اللدنة، تتحسس لون العرق، ولزوجته، الرائقة.. تقف في البهوة ثم تعرج باتجاه الملهى، هناك تصهل الخيول، وتترجرج الأرداف تحت أغشية الملابس الرهيفة، يخال إليك أنك ترى كل شيء، أنك ترتقي كل الأشياء التي تصادفك، وتفرز عصارة فؤادك، المحتدم، بلا هوادة، تطارد الفرائس بنعومة النظرات، تلاحق البياض الناصع، وكأنك تستطلع نجوم الغيب، تحملق بفجاجة، وأنت تقتعد كرسياً، عند منضدة رائعة، صفت على ظهرها، أواني الأكل والشرب..
ترتاح، تشعر بأنك ترتاح، وأنت تغزل خيوط الحرير حول الخصور المعصورة، بأربطة الجأش، تشعر بأنك تمارس هواية جديدة، وتدخل في جولة جديدة، وترسم لوحة جديدة، على صفحتها صورة امرأة، تنام على صدر العشب المنتعش بالحرية.. تأتيك إحداهن، تغنج، وتلهج بلغة، تفقد الجدران، والسماء والأرض، والنجوم والكواكب، صوابها، تنبهك إلى أن الجسد المرخي على نظراتك الشاخصة، مقبل لا مدبر، فانتبه، فلا تدع الفراشات تفر من أحراشك.. ترفع بصرك، تتهجى حروف العينين، والنهدين، الطالعين، كجبلين ينتصبان على تربة خصيبة، في البداية تجتهد أنت، ثم تعتدل في جلستك، وينخفض اللقاء عن اقتباس أنفاس، ثم انطلاق الوحش من وكره، مستديراً حول الجهات الأربع، يبحث عن فم يلقمه، لغة التلاقي والتساقي والتسامي، وبعد فينة لم تستغرق جهداً، شيعتك بابتسامة رضا، وبادلتها أنت بإشراقة فرح.. فرحت حين استفاق الملهى عن نهاية قصوى لانفضاض الجمع.. عدت متأبطاً صيدك، عدت بأشواق الرجال الأوفياء، والرمية الأولى، اجتاحت كتل الظلام البائد، فاستضاءت وتوضأت، بملمس اليدين.. وفي الغرفة الصامتة، خلف الجدران الوردية، ودعت جل ما ترتديه، كما فعلت أنثاك ما فعلته..
يتبع ..
-
8 - 12 - 2012, 12:48 AM
#65
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
في الملاذ المتوهج، تساقطت النجوم نجمة نجمة، وتساوى الحلم باليقظة، وتوازى النعيم بالجحيم، واختلط الزبد بالرعد والزلزلة بالسكون، قالت بفجاجة لذيذة، هات ما عندك، ولج الغامض، رجه يا سيدي، وزع أذاك اللذيذ يختمر في الجوف، دعه يستقر حتى يحمر قرص الشمس، ويلتهب السديم، دعك هكذا، معتلياً الربوة السحرية، واقبض على هامتها بكل ما أوتيت من فحولة، وتقول أنت، انخفضي قليلاً، وهزي جذع النخلة رويداً، العنب، رخو، شهي، ندي، عفي من رعونة الزمن، وتقول ارتفعي قليلاً لأضع العصا فوق شفة النهر، هذا زمن الحصاد.. تكبر دوائر الأحجار في باطن الأرض، فتحدث الزلزلة، تحدث العاصفة وأنت مازلت تلقمها، حبلك السري، بانتفاضة عارمة، ورعشة صارمة، فتسبحان في الماء، تغرقان في العويل الداخلي، تتدحرجان ككرتين، من فوق سطح الجحيم، تستديران، تتكوران، تنكمشان، تتلاشيان، بتلاشي الزمن والمكان، تطلب منها أن تناديك بقوة يا نبهان، اسحقني.. تنادي، وأنت تسحق، تشعر بأنك تبيد مع جسدها الممحون، فيروز الذي كان يشعر بأنك تدوس على الحثالة..
نفضت غبار السماء، ورتبت ثياب الأرض، اعتنيت كثيراً، بلملمة الملاءة، الهاربة من جلجلة الرعد، استعنت بنظرات المرأة، كي تنظف الجدران، حمحمة الفراغ، سويت عراءك، لحفت عرقك بمسحة من يد مسترخية أسورة المرأة، المتناهية في الغفوة، تأملت الوجه اللامع جيداً، تأملت لجلجة الصدر الناهض، ملأت عينيك بالابتسامة، وبالبريق المتسلق من جبال شاهقة، لمع وجهك بالحلم النبيل، لمعت أنت، أشرقت، تألقت تأنقت، وبرشاقة الخيط الحريري، طوقت عنقها بنظرة غاصت تتقصى جذور العروق الخضراء، والشفاهية، الجامحة، ساورك ظن، لكن الظن النجيب، ساورك الظن بأن تعيش مائة عام، أو ألف عام، أو أكثر، لأن العمر أصبح مطواعاً في معصم يدك، أصبحت الحياة خاتم سليمان، الذي يحمل على جناحيه فخامة بلقيس، وأبهة الصولجان المدهش، والسندس الفريد، تقول إنها جلست إلى جوارك. تفرست فيك ملياً، قرأت ملامح وجهك، ناولتك فرحتها، فانتزعت أنت الفخر والاعتزال.. ارتفعت كتفك إلى عنان السماء، متجاوزة النجوم والكواكب، متجاوزة العظمة بكل ما تعنيه المعاني الفريدة.. أجل جلست إلى جوارك متكالبة، متهافتة، متعاقبة أجيالاً من النساء الضارعات، اليافعات، الملهمات، متداعية بوعي أنثوي، سابحة في عينيك، تقنص أشواقها في بحيرة التواريخ المذهلة..
تقول، ما تعنى الحياة عندما لا تكون المرأة شجرة، وأشواقها ثمرة التفاح التي لا تسقط جزافاً، ما تعني الحياة عندما لا تكون الأشواق سفينة تحمل عشاقها، إلى مراسي اللهفة، ومحطات الرغبات النبيلة.. تنظر إليها، وتبصق في الفراغ قائلاً: تباً لك يا فيروز، تباً للحثالة، والنجاسة، ونفايات التاريخ والبقع السوداء في سفح الجغرافيا.. تباً لفكرة تراهن على الخرافة كحبل معرفة.. وقبل أن تغادر، قبل أن تفرغ المكان من الرائحة، قبل أن تترك الهالة وحيدة تملأ وعاء الذاكرة، مدت يدها، مددت يدك، تشابكت الأيدي، وعلى حرير الجلد، نما برعم اسمه الحب.. تقول إنك أسرفت كثيراً في النظر إلى محياها، تبحث عن صورتك، وتشم رائحتك، ثم انصرفت، تبصق في الفراغ، باتجاه القبر الذي ودعته باللعنات، ولما غيب الباب العطر، ذهبت أنت تقرأ مضاريف الكتاب المقدس، وترتل أناشيدك، طرباً وفرحاً، وابتهاجاً، واحتفالاً بميلاد نبهان، العارم، الصارم، ثم نشدت الصمت، مؤمناً بأن التاريخ لن يكرر نفسه، طالما أيقظ نبهان، روحك، بأجراس الوعي..
وفي ذروة الظفر قلت.. طبت يا نبهان، مساءً وصباحاً، ونعمت بأنبل الأيام الواعية..
الآن أستطيع وببراعة أن أصف حالتي قبل وبعد، مستفيداً من نعمة فرويد العظيمة، مستعيناً بقدراتي الكامنة.. نعم كنت كمدينة سرية تقطن تحت الأرض، تزلزلت في باطنها الصخور إثر غضب طبيعي، فصحت على شروخ في الجدران، وتهشم في الزجاج، وترهل في الأبواب، وصدمة عارمة ضربت سكانها.
تقول بصراحة هكذا أنا.. انتكست، فتعمقت وأزحت وبدلت، وغيرت، صرت أشخاصاً عدة، صرت أبا سيف الماجن، صرت فيروز المقصر، صرت نبهان المتحرر، وصرت أشياء أخرى، مختلطة من شخصيات مرت في حياتي، صرت أمي المسحوقة، صرت أبي المتجهم، صرت بعض أصدقائي اللامبالين، صرت بعضهم المنزوين، العابسين، وصرت وصرت..
ثم تضيف بجلاء.. في الحقيقة أنا هؤلاء كلهم، ولكن ما يستولي عليّ الآن وبعد أن قبرت فيروز اللعين، هو هذا المارد نبهان، الذي انتفض في داخلي، زلزلني، هزني من العمق، وراح يحك الصدأ من فوق جلدي، يدعكني، يفركني، يعصر روحي بقوة الكائنات الشرسة، ليطيح بالخرافة التي استوطنت هذه الروح، ولا شك في أنه كان مزيجاً من أم الدويس، بذراعيها العملاقتين، وضميري المستتر الحالم بالحقيقة.. الآن لا بد أن أتصور أن الحثالة دائماً ما تستقر في قاع الفنجان، ولكن هزها بعنف يحرك جزئياتها، فتختلط بالصفاء، بعضها يطفو إلى سطح الفنجان فيسهل القبض عليه.. هكذا فعل نبهان، عندما حرك ذراعيه كشراعين، تنتشران في مساحة الريح، فتم القبض على فيروز، ومن ثم دحره، إلى أن وصلت به الحال في قعر الحفرة المظلمة.. الآن وقد أخذ نبهان ناصية انتباهته، وتربع عند الربوة العالية، ويرمي ببصره نحو المشاهد، أجد نفسي، في الزمن المناسب، حيث لم أكن من قبل كذلك، كان الزمن يسبقني، لأن وزن الحثالة التي تراكمت على وجهي، أثقل مما أحتمل إزاحته، الآن أنا نبهان، أنا الإنسان، الذي تخرج في كتيبة الفرسان الذين يقبضون على الحلم، قبل أن يتحول إلى وهم، ثم ظن، ثم خرافة عملاقة تطارد المخيلة حتى تدركها، وتطيح بمكوناتها العقلية، وتجعلها مطية للخوف الأبدي..
بصوت وئيد تصرخ.. متى تخلع الجدران جلابيبها، وتعرى كامرأة متشظية، وحتى يتمايل السقف كأنه خصلات امرأة، تحللت من مقبض الحياء، وحتى تميد الأرض، كجسد أنثى، لانت بعد تصعب، ثم انهمرت متعافية بالشهوة النبيلة.. وصرخة أخرى، تعتريك، وهي تتزحلق من حنجرتك، تنتزع معها أحبالك الصوتية، ومعها أحشاءك المتهاوية.. تجلس على السرير نفسه، تحملق في المكان، الغرفة البائسة أصبحت فسحة معشوشبة، برائحة امرأة، غافية إلى جوارك، تنتظر إشارة، النظرة الأولى، الكلمة الأولى، الابتسامة الأولى، وأنت تحشد مزاياك الأخلاقية، وتتجمع في وعاء إنسان، لم يزل يتخلق بأخلاق النجباء، لم يزل يتكون في رحم هذا الكون، ولم يزل يربط حبله السري بمشيمة امرأة، لا تبدو ملامحها غريبة، لا تبدو أنفاسها غريبة، هي الآن قريبة منك إلى حد التداخل، تتوغل فيك، كما تلجها أنت تبحر في جسدها متعافياً، بالرغبة المستبسلة، تقطع التضاريس بأناة وتؤدة، مستخدماً لسانك، وهو الحاسة الأولى في الجبلة الأولى في اكتشاف المجهول.. تعرف من لسانك أن للجبلين الناهضين عند السفح المهادن ثورة الأيديولوجيا الحمراء، تعرف أنهما الرغبة الأولى في الحنين، إلى عاطفة الأنثى الورعة، تعرف أنها الحفنة الأولى التي ترطب شفتي كائن شظف.. فتلقمتها باحتراف، وقبضت على صهيلها بإتقان، وكان أنفك يغوص في الطين اللدن، تشم الرائحة، وتسكر، فتنغرس أكثر، تشم الرائحة، فتشد البحار عزمها، والأنهار تفيض، فينتفخ جذع الشجرة، ينشر أوراقه على التضاريس، وما بين النهرين العظيمين، وكلما انتصبت أنت، وارتعشت الأرض من تحتك، وزاغت عيون السهول المنبسطة، انتكس فيروز المقبور، وخارت قواه، واحتفيت أنت باليقين..
يتبع ..
-
8 - 12 - 2012, 12:49 AM
#66
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 49
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
.. تابع
صرخة ثالثة تهدر مخلخلة أطراف التضاريس، مجلجلة في الأتون، والمتون، تزعق الأنثى غارقة في الصهيل، جامحة باتجاهك، مطوقة، تفرعك، متشبثة في العنق، بشوق الكاسيات، المدنفات، المتسربات في الشريان والوريد.. وأنت المعني بحليب المراحل الغابرة، تبحث عن نقطة، تسأل عن نطفة تشد الأزر، وتمنحك النظرة الأليفة.. لا تنطفئ، لا تختبئ، كل الخلايا، يقظة، كل النوايا مستنفرة، كل الأحلام تصحو متأهبة، محتفلة بالنشيد الأممي وعزف الجسد..
وبعد.. وبعد أن نفضت الغبار، وقذفت بالصدأ، لم تجد في أم الدويس سوى فكرة متخاذلة، صنعها فيروز، لغاية في نفسه، صرت أنت وعاءها، وحاملها، كما يحمل المريض فيروس العدوى.. تنظر إلى المرأة التي تنام في وداعة بجوارك، تقبل جبينها، وتمسد شعرها، المحاذي لجبينك، ويدك الأخرى تلامس النجمتين، وتفتدي من أجلها العمر كله.. وتشيعك هي بنظرة معاتبة، كيف أنك خذلتها، وطعنتها في السنين الماضيات، كيف أنك طاوعت فيروزك، ولعنت أنوثتها حين تصورت أن للمرأة مخالب، وساورك الظن أن بعض الظن ليس إثماً.. تشيعك وتفديك بروحها، وتقول نظراتها، العاشقة، عندما تهلك في الخرافة يضيع اليقين، ويبدو الكون هالة من كائنات مرعبة..
تشيعها أنت في أسف، تريد أن تقول: سأكفر عن خطيئتي، فاغفري إن شئت، وإن لم تشائي، فسأقول أيضاً.. الماضي لن يعود، وفيروز الذي كان انتهى إلى زوال، ولن يملأ وعاء القلب سوى نبهان.
تمت ..
18-10-2010
تم النقل من الموقع الرسمي للشاعر هزاع المنصوري
-
8 - 12 - 2012, 10:17 AM
#67
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
بدايـــة مشاركة رفيعة لكاتب لن توفيه الكلمات حقه،،
تحية للكاتب الإماراتي علي أبو الريش على إنجازاته الأدبية ومنها رواية أم الدويس،،
في انتظار جديدكم هنـــا،،
-
8 - 2 - 2013, 06:48 PM
#68
عضو جديد
- معدل تقييم المستوى
- 0
رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش
مشكور عزيزي ع السرد ام الدويس سوت لنا ازمه ع ايام الطفوله
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى