روايات خالدة،،
سفر الوقائع

«لا تفصلوا إنسان الأرض عن أرضه، حرام، هل تسمعون. لا تمسوا الإنسان الذي يحرث الأرض، الإنسان الذي ينتج الخبز» هذا ما قاله الأديب والروائي الأرمني سيرو خانزاديان الذي قدس الأرض والتراب والوطن والذي ولد في بلدة كوريس بأرمينيا السوفييتية عام 1915 وعاش حياة فقر وحرمان.
عمل سيرو منذ صغره بالرعي وجمع الحطب بعد انصرافه من المدرسة ليساعد والده في تأمين متطلبات المعيشة، ثم نال شهادة أهلية التعليم عام 1934 وعمل معلماً في القرى الجبلية ثم التحق بمعهد المعلمين العليا ـ قسم التاريخ ـ في مدينة باكو إلا أنه تركها بسبب عجزه المادي فعاد ليعمل معلماً بالإضافة إلى متابعة قراءته للأدب والحكايات والأساطير الشعبية.
بدأ الكتابة عام 1933 وعرف كاتباً بعد مسرحيته (مثلث). ثم ترك العمل ليلتحق بالجيش ويخدم بالجبهة عام 1941 وقد جرح عدة مرات أثناء الحرب وتلقى عدة أوسمة على بسالته.
عاد خانزاديان من ساحة الحرب إلى ساحة الأدب حيث بدأت مؤلفاته تصدر وبدأ يحصل على الجوائز والأوسمة فقد خرج من الحرب العالمية الثانية كاتب كبير عانى وصارع من أجل البقاء من أجل الحياة التي يستحقها وقد أجاد القصص القصيرة بطريقة تجلب الاهتمام.
صدر له أكثر من (25) مؤلفاً ما بين رواية وقصص ومذكرات ومقالات من مؤلفاته: رجال كتيبتنا، الأرض في جزئين، هاماز الأبكم، القائد مخيتار التي تحولت إلى فيلم سينمائي وغيرها. وقد ترجمت مؤلفاته إلى أكثر اللغات العالمية.
ومن جوائزه: جائزة الدولة في الآداب في أرمينيا 1977 عن روايته الحرية، وسام النجم الأحمر، وسام المحارب القديم في الاتحاد السوفييتي، وسام بطل العمل الاشتراكي من الدرجة الأولى 1984.
تعد رواية (سفر الوقائع) من أصدق الروايات التي تتحدث عن قصة شعب أصيل في بلدة جبلية صغيرة تدعى (كوريس) وهي بلدة الكاتب بالذات، عانت أصعب حقبة من الزمن (المجاعة والحرب العالمية) حيث يؤرخ الكاتب في هذه الرواية لمرحلة عصيبة من الحوادث السياسية منذ ثورة أكتوبر الشيوعية عام 1917 مروراً بعام المجاعة حتى الحرب العالمية الثانية.
وذلك بعرض قصة كل إنسان يعيش في بلدة (كوريس)، مستعرضاً كل الجوانب والسلبيات التي كانت تجري في الاتحاد السوفييتي في عهد ستالين بكل جرأة، حيث نرى الإنسان الثوري المناضل والمرأة المكافحة في سبيل لقمتها ونرى المسؤول المتعجرف والمعلم البسيط والقاضي ذو العقلية المتحجرة والمرتشي ونماذج أخرى.
لكل إنسان قصة يرويها لنا الكاتب على لسان «منظف الأزقة ـ الصهر أوان عجّل» الذي ينظف شوارع هذه البلدة وهو الأقرب لكل بيت فيتنقل بين أزقة البلدة وهي خمسة حيث تقسم الرواية إلى خمسة فصول (زقاق الجسر ـ زقاق النهر ـ زقاق الصخر ـ زقاق الغابة ـ زقاق السماء) وفي كل زقاق مجموعة من الشخصيات التي يتحدث عنها الصهر أوان.
أما الصهر أوان وهو محور الرواية إنسان بسيط جداً بقدر ما هو جبار جداً عجوز صابر ساكت يصمد ولا ييأس وقد أطلق عليه الكاتب في نهاية الرواية (فرجيل) الشاعر الروماني الذي قاده إلى بلدته الصغيرة من زقاق إلى زقاق وهو الذي فقد كل أولاده في الحرب وبقي حزيناً وصامداً.
للصهر أوان خمسة أبناء (ميكائيل ـ كريكور ـ نرسيس ـ وارطان ـ ايفان) ولقب صهر يطلق على الرجل في ريف أرمينيا بدل العم وفي روسيا بدل الخال أما لقب عجّل فذلك لأنه كان يدفع ابنه كريكور ليساعده في تنظيف الشوارع ويقول له: (عجّل يا ولدي عجّل) فلقبت العائلة بهذا الاسم.
وقد عمت هذه الألقاب كل أهالي البلدة فمدير مصلحة المواصلات (أليكسان بلا طعم) وهناك (مكرديج صوتك) مدير المدرسة و(سركيس المهاجر) و(القاضي الخال هراكيل عشر سنوات) وكل لقب جاء لصفة أو لشيء يتعلق بهذه الشخصية وقد سمي القاضي كذلك لأنه يحكم دائماً بعشر سنوات على أية جريمة كبيرة أو صغيرة.
يعمل الصهر أوان في تنظيف الشوارع منذ ستين عاماً فقد ترك له والده المكنسة ذات المقبض الطويل ومات مقتولاً على يد القوازق أثناء مرورهم منطلقين بخيولهم فسحقوا رأسه وهو ينظف الزقاق.
وفي زمن المجاعة يفقد الصهر أوان ابنه الأصغر إيفان الذي لم تتحمل عظامه الجوع أما في زمن الحرب العالمية الثانية فيفقد أولاده الأربعة وزوجته التي ماتت حزناً على ميكائيل قبل أن تعلم بموت البقية وفي كل زقاق ذكرى لهم فميكائيل كان مدرباً للرياضة وقد ترك زوجة وطفلاً أمانة عند والده.
أما نرسيس فقد عمل ماسح أحذية ومازال الصهر أوان يتخيله ويسمع صوته أثناء مروره بزقاق السماء وكذلك كريكور ووارطان ويصنع لهم شواهد صلبان على قبورهم ويكتب عبارة حزينة على كل قبر ويلونهم بمختلف الألوان.
ومن شدة جراحه وآلامه التي لن تندمل يفكر الصهر أوان بالانتحار أكثر من مرة ويحاول رمي نفسه في الهاوية إلا أن وجود حفيده يجعله يصر على البقاء والارتباط بالتراب وبالدنيا فيذهب إلى كنته التي تزوجت وأنجبت ولدان أيضاً ويطلب منها أن تترك حفيده (هوفيك) ليعيش معه وبالفعل يبقى الحفيد عند جده إلى أن يتزوج وينجب ولداً.
في هذه الرواية قصص متعددة في كل زقاق آلام وأحلام، بكاء وفرح، جديرة بذكرها جميعاً، قصص من الواقع لا خيال فيها يقصها الصهر أوان بكل نواحيها الاجتماعية والسياسية وتطوراتها الاقتصادية يحكي عن فقدان بعض الأهالي لأرضهم وأولادهم، انتشار التعاونيات وضم كل ممتلكات الأفراد للدولة، وفي كل بيت موت محزن لأحد أفرادها إما بالجوع أو بالحرب فيخبرنا عن سيمون الخطيب مدير المصرف الرجل النمام والجلف .
والذي لا يتعب لسانه من إلقاء الخطب عن سركيس المهاجر الذي ينقل الخبز الساخن على ظهره وعن الأرملة فارتير مهرابي التي ترملت وهي صبية وقد قتلت اثنان من عصابات الخارجين عن القانون ثم وجدت مقتولة في الغابة عن أليكسان الجلد الذي انتحرت زوجته وألقت نفسها في الوادي، قصص حركية عجيبة ومشاهد درامية، أما الصهر أوان فيموت وقد كانت المكنسة بين يديه ينظف طريق الناس لآخر لحظة ليعطينا حكمة في النهاية «مهما استفحل الشر في النفوس فالخير موجود دوماً إلى جانبه».
الكتاب: سفر الوقائع
تأليف: سيرو خانزاديان
الناشر: جمعية المعري - تكيان الثقافة حلب 1995
الصفحات:216 صفحة
القطع: المتوسط
رباب محمد
البيان الاماراتيــة