يحذر من زجّ اللهجات الشعبية في المناهج المدرسية
عبدالله الهدية: الشعر لغة القلب
حوار: عثمان حسن
ويدعو إلى ضرورة الحفاظ عليها، لا سيما مع تعدد الثقافات واللغات التي تغزو عالم اليوم . صدرت له مجموعتان شعريتان هما “إلى متى” عام 1996 و”أين أنت” عام 2001 ويحضر لثالثة ستصدر قريباً . يكتب الهدية أشعاره باثاً فيها الكثير من القضايا والهموم العربية والقومية، كما يكتب في الوطن والغزل والحب، لكنه يضمن اشعاره ثقافة تأخذ من التاريخ والفلسفة والتراث ويرى انها علامات مهمة لكي يكون الشعر ناطقاً اعلامياً باسم الأمة ومعبراً عن هويتها وانتمائها .
ينشد الجمال في كل ما يكتب ولا يضيره ان يقرأ نصوصاً من شعر قصيدة النثر شرط أن تبتعد هذه النصوص عن الإسفاف والسطحية .
يرى في “دالية أبي العلاء المعري” ملحمة كبرى، تختزل المعنى الكبير للوجود ويدعو إلى ان يعود البشر بكل جوارحهم إلى انسانيتهم، التي لا تتقوقع على ذاتها ولا تنفتح انفتاحاً سافراً يلغي الذات ويهمش الهوية والشخصية .
وهو يستشهد بقصيدته التي عنوانها “هم أفسدوا الملح” ويقول فيها: “الظاعنون وراء الليل اين هم/ مرّوا على سدرة الأعراب وارتحلوا زرعت موروث جدي في سنا قلمي/ وصار بحثي بنور العصر يكتمل رممت حصن الصدى سايست حاضرتي/ أنا القديم الجديد القادم الجذل مررت بالدير ذاك الدير أسأله/ ولم يكن مع حادي العيس لي أجل . .” .
يجيب الهدية عن الاسئلة التي تتعلق بالشعر وهمومه كما نقرأ بعضا من ملامح تجربته الشعرية ورأيه في الكثير مما يحدث اليوم في ساحة الاعلام الثقافي والادبي .
يخشى عبدالله الهدية من تهميش دور الشعر، ولا سيما في هذا الزمن المعولم ويقول: “الشعر بالدرجة الاولى هو لغة القلب، وان العولمة بمعناها الايجابي يمكن ان تكون للشعوب كافة، لكن سيطرة اللغة الواحدة والثقافة الواحدة التي يفرضها الغالب، كما أشار ابن خلدون “الأمم المغلوبة على امرها مفتونة بالآخر الاقوى” تجعلنا مطالبين اكثر بنقل الصورة الصحيحة التي تنادي بالانسان وعالميته، وهنا يأتي دور اللغة والشعر، وضرورة ان يكون للعربي هويته” ويتابع “انظر إلى الصين التي لم تفتن باللغات الاخرى، وانظر إلى فرنسا التي لم تتأثر بسطوة هوليود ولا الثقافة الامريكية الرائجة” وفي السياق ذاته يحذر من الدعوات التي تدعو إلى زج اللهجات الشعبية في المناهج المدرسية، لا سيما مع وجود اكثر من لهجة في كل بلد خليجي على حدة، وهذا ما حذر منه في السابق الرافعي والمنفلوطي وامل دنقل وغيرهم .
وحول انحيازه للقصيدة العمودية يقول “أجد نفسي في هذا المضمار، لكنّ ذلك لا يعني انني ضد الآخر، فأنا اقرأ للجميع حتى ما يطلق عليه” (قصيدة النثر)، مع انني ضد تسميتها بهذا الاسم وادعو لتسميتها بأي مصطلح آخر، لأن الكثيرين استسهلوا هذه القصيدة، كما يصح الامر نفسه في القصيدة العمودية وأيضا التفعيلة .
ويرى عبدالله الهدية ان القصيدة يجب ان يكون لها دور في تهذيب الاخلاق خصوصا في زمن الانفلات الاعلامي المتعدد، وان الشاعر مطالب بأن يكون لسان حال المجتمع، لانه مثقف الامة ووسيلة الاعلام الخالدة على مر العصور .
فالبرامج الاعلامية على اختلاف اشكالها ستزول وما يبقى هو القصيدة، التي يخلدها جمالها وعمقها الفني ومضمونها، وهي التي تؤرخ لكل تفاصيل واحداث الزمن والشاهدة على ارتقاء وتطور المجتمع والامة على حد سواء .
وبجانب تهذيب الاخلاق يرى عبدالله الهدية ان الشعر مفتاح لنقل مشاعر الانسان وعواطفه، وهو يكتب قصائد غزلية تلامس شغاف القلب، وفي هذا الصدد يشير إلى ان الزمن الراهن يقف موقفاً سلبياً من الغزل، كما يدعو الجامعات إلى تدريس مساقات متخصصة في كافة اغراض الشعر، كما هو حاصل في فنون الموسيقا والمسرح وغيرها .
اما بخصوص الاسلوب الشعري، فيرى ان الشعر يجب ان يكون موحيا، وهنا يلعب الرمز دوراً مهماً في تعرية الواقع ويحث الانسان على التساؤل والتفكير .
وحول الرواية وما قيل عن صدارتها الادبية على حساب الشعر، ينظر إلى الامر من زاوية اخرى، ذات علاقة بابتعاد الناس عن القراءة، وان هناك ما اصطلح على تسميته ب “النخبة” ممن يروجون لصنف أدبي دون غيره، وان العرب كانت ولا تزال (ترضع من ثدي الشعر) الذي لا ينضب، وفي هذا السياق، يتمعن في مدينة “إرم” التي ورد اسمها في القرآن الكريم ويقال انها من اجمل المدن التي بناها العرب منذ ايام شداد بن عاد، وان الشاعر العربي حين كان يبكي الاطلال لم يكن يبكي الاثر سواء أكان جذعاً أم وتداً أم بناء مطموساً، وانما كان يتحسر على هذه الحضارة التي اندثرت واندثر معها الكثير من الجمال، هذا الجمال الذي نفتقده اليوم، و”أنا أدعو الشعراء في هذا الوقت بالذات، إلى كتابة قصائد تفتح أفقاً جديداً نحو المستقبل” .
كما يدعو الهدية إلى انتهاج اساليب أخرى تدعم الابداع الشعري، وان تهتم المؤسسات والجهات الثقافية بمسألة التفرغ الشعري، وان تفسح امام الشاعر كل ممكنات الابداع وتهيئ له وسائل التثقيف والقراءة التي يتطلبها مشروعه الشعري .
وفي سياق اهتمامه بالشعر ايضا يدعو عبدالله الهدية إلى ضرورة الاهتمام اولا باللغة العربية التي يرى انها تعاني اليوم من سوء استخدامها في اوساط النشء لانها تطرح بأساليب تعليم قديمة، وان اهم ما في الامر هوالتركيز على النطق الصحيح، وتبسيط قواعد هذه اللغة في المناهج، وان تكون لغة قابلة للممارسة اليومية والحياتية وليس من خلال حفظ ألفية ابن مالك وما شابه ذلك، ان تحديث اساليب تدريس اللغة العربية هو احد الامور التي يجب التركيز عليها، لكيلا ننفر الطلاب من الاقبال على تعلمها والتمعن في معانيها وخلودها .
ويقرأ عبدالله الهدية في كل المعارف الانسانية، في التاريخ والفلسفة ويقرأ في موضوعات أخرى مثل “كيف تخطط لنفسك” و”كيف تفجر الطاقات” و”قوة الصرخة” وهو يرى ان مثل هذه القراءات على اختلاف تخصصاتها تثري الذاكرة بمعلومات يمكن ان يكون لها أثر في شحذ الذات وابتكار قصائد جديدة .
وفي توصيفه للمسابقات الشعرية التي تجري سواء في مهرجانات الشعر أو من خلال الفضائيات المحلية ينتقد عبدالله الهدية تلك المفارقة الكبيرة في قيمة الجوائز، والتي ليست في مصلحة القصيدة الفصيحة، ويقول: “هناك ارقام ومبالغ خيالية تعطى في بعض المسابقات التي تكرس لونا واحدا من الشعر” وفي هذا المجال يدعو إلى ضرورة وجود توجه نقدي لا ينحاز إلى جانب من دون الآخر، وان يكون معيار نجاح القصيدة مرتبط بجمالياتها وما تطرحه من صور وافكار مستجدة .
امسك عليك الأماني واتخذ سبباً
لمجمع النور كي تستنطق اللهبا
واعبر من اللهب المأسور موقده
إلى الابابيل واسحق كل من عتبا
واغسل سواد المعاني وارتشف أملاً
بشرفة الروح يسمو كلما وثبا
يا انت يا كنه آيات الرماد كفى
ما عاد في الروح ما يستعذب الحسبا
عمر تقرّح من داء الكلام وما
تناسلت من بطون المفردات ربا
تمضي الجحافل نحو الشمس تخطبها
وأنت في الجب تهدي للصدى الطربا
لا زلت وحدك تحت الذل متكئا
على الاساطير تستجدي بها النسبا
أشعل قناديل صبح الكادحين بما
أوتيت من قوة واستنطق الشهبا
والغدر كان لمسرى ناره حطبا
فليعزف الفجر مجدا لحنه وطن
مقامه الرست واللحن الطريد صبا
وليكتب الماء للماء الذي سلبا
كنا ونبقى على مد المدى عربا
جيش المهلب ان باتت نواظره تحمي
الثغور فلن تنسى الحفيد دبا