صفحة 5 من 7 الأولىالأولى ... 3 4 5 6 7 الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 50 من 68

الموضوع: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش

العرض المتطور

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1
    عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    7 - 12 - 2012
    المشاركات
    77
    معدل تقييم المستوى
    49

    رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش

    --------------------------------------------------------------------------------

    .. تابع

    وتضيف.. أن أمك، قالت لك: إن الرجل الممسوس شوهد في مرة يجلس على الشاطئ وبيده سمكة، نافقة، كان يقطعها بأسنانه إرباً، ويمزق أحشاءها ويستخرج المصارين، يمضغها كما يمضغ اللبان، ويلعق الدم، ويضحك ضحكات هستيرية مريبة، ما أيأس ذويه من شفائه، فترك هكذا هائماً على وجهه، ضائعاً، تائهاً حتى قضى نحبه، حيث عثر عليه في يوم، وقد نام نومته الأخيرة، تحت جدار بيت السركال.. وعلى الرغم من حزن، أهله على فراقه، إلا أنهم استراحوا من لعنة الضمير وهم يرون الرجل، الرزين الشهم، يقع فريسة لعاشقة مهووسة، باختطاف أروع رجال القرية..

    تقول.. إنك كنت تشعر بالبؤس، وأنت تصغي بإمعان إلى حديث أمك، التي كانت تلفظ الكلمات بانفعال بالغ، وتلعن الجن، وتقول إنها كانت تحذر الآخرين من الاقتراب من بيت الجنية، على الرغم من إطراء الآخرين ونعتها بالوداعة والسكينة..

    تقول الآن، وأنت تقف مقابل هذا البيت، تستدعي الصورة، وتعيد شريط الذاكرة، من جديد، وبالفعل فإنك ترى الجنية كما وصفتها أمك، وترى الرجل المسلوب وقد وقعت الجنية في غرامه، وتراه وهو يتشرد على الشطآن، وبين الأزقة، ضائعاً، متهالكاً، متفانياً من أجل إرضاء الجنية.. تنظر إلى القبة العالية، بأعمدتها الطينية، والسقف المسقوف من سعف النخل وجذوع شجر الساج.. هذه القبة الهوائية العريقة كانت تستخدم كمكيف هوائي، في الصيف، أما في الشتاء، فيترك خاوياً، ليأوى سكان المنزل في الحجرات السفلية، الدافئة.. تقترب من الباب الخشبي المهشم، وقد تخلعت ضلوعه، وصارت أشلاء.. تنظر من خلال الشقوق والحفر في الباب إلى جوف المنزل، الفناء لم يزل كما هو فسيح، تتراكم فيه الرمال الصفراء، مختلطة بالفضلات وبقايا ما تلفظه البيوت المجاورة، وبعض مخلفات ألعاب أطفال، وإطارات سيارات تالفة.. تقول، في هذا الفناء، كان يسكن الخوف، ذهب الخائفون، لكن الخوف لم يفنَ، وقد يكون ذهب وراءهم، ملاحقاً أفئدتهم، وقد يكونون استبدلوه بخوف آخر، المهم في الأمر، أن يظلوا خائفين.. فكرت أن تدخل، حاولت أن تلج، أدخلت قدماً، ثم تقهقرت، تذكرت كلام أمك فنأيت بنفسك، تأففت من المداهم الغريب، الذي يهاجمك على حين غرة، يطاردك من حيث لا تدري، تقول، إنك لم ترَ الجنية، لم تعاصرها، لماذا تخاف من شيء لم تره.. تتأفف، ثم تضحك ساخراً، ثم تستدرك قائلاً: قد لا تكون هناك الآن جنية، أو أي أثر لها، لكن ماذا يمنع أن يختبئ لص، أو قاتل أو مغتصب. من يدري، فهذا البيت أصبح مشاعاً، ولا رقيب ولا حسيب، إذاً فالخطر موجود، ولذلك لا بد من الحذر، لا أعني الخوف، لكن الاحتراس من شيء مجهول ليس عيباً.. تتوارى قليلاً خلف الجدران، حيث شع نور مصباح سيارة قادم من جهة مقابلة، خشيت من المساءلة، فضول الناس قد يجعلهم يسألون: ماذا يفعل هذا الرجل هنا في هذه الساعة من الليل؟ وقد يتوقف صاحب السيارة ويترجل نحوي، ثم يصوب نحوي زخات من الأسئلة التي قد توحي بأنني على وشك ارتكاب جريمة وأنه ضبطني متلبساً.. من يدري قد يدعي ذلك لمجرد إظهار الفوز بغنيمة، الكثير من المظالم تحصل هكذا لمجرد الاشتباه، وحتى تثبت البراءة، تكون الفضيحة قد جلجلت وتوغلت، واشتعلت وصرت أنا الضحية التي لم تجد مشنقة الاتهامات الظالمة.. تختبئ، تمر السيارة، ويتلاشى ضوؤها، مطوياً بثوب المسافة التي قطعتها السيارة، تعود ثانية، تتلصص، تبحلق في المكان، وعيناك ترصدان الشارع جيداً، وقد يقول أحدهم، إنك جئت هنا لترتكب جريمة اغتصاب. وقد يصفدون يديك، ويلبثون يبحثون عن الضحية، وإن لم يجدوا شيئاً، ويطلقون سبيلك، سيشاع في الصباح الباكر، أنك شوهدت في مكان مشبوه، وسوف تحاك الحكايات، وتنسج النساء أثواباً من خيوط حكايتك، وسوف تصبح شخصاً شائهاً، ملوثاً..

    تقول.. لماذا أفكر كل هذا التفكير، وأحيط نفسي بهالة سوداوية، مقيتة، وكأنني بالفعل ارتكبت جريمة أو أنني صاحب سوابق.. وتقول، إنني عندما أتعمق في مثل هذه الأوهام، أشعر بأنها حقيقة ويكاد الشك يقطن قلبي، وأظن بالفعل أنني مشوه.. الظن.. أمي كانت تبني قصتها على الظن، وسماع كلام الناس، أنا الآن أتهيب من ظنوني، وأظن أن بعض ظني يقين، وأن يقيني مستلهم من قصص سابقة.. تبتعد عن البيت العتيق قليلاً، تخطو خطوات، تقف عند الرصيف الأسمنتي، المسيج بحزام حديدي، تهالكت بعض أجزائه، كما تآكل الأسمنت المرصوف على جانب الشارع الأسفلتي.. ترفع جسدك قليلاً، وتتكئ على الحزام الحديدي، مسنداً ظهرك على الفراغ، تغرس النظر في البيت، تنظر إلى النوافذ الخشبية، المحروسة بقضبان حديدية، دقيقة ويبدو أنها نحلت بفعل الصدأ، بعض النوافذ خلعت إزارها الخشبية، وبعضها بقيت كما هي مغلقة، شاحبة، بلا لون.. وكذلك الزخرفة الطينية، في ظهور الجدران، فقد انمحت معالمها، ولم يبقَ لها غير آثار باهتة، تتذكر لقد حدث هنا حادث أليم لصديق عزيز، ذهب الشاب الوسيم ضحية اصطدام مروع، وقد دارت حول الحادث حكايات، ولا أحد يعرف كيف حصل ذلك الحادث، على الرغم من أن الصديق كان مثقفاً، واعياً، مسالماً، وديعاً وداعة الكائنات النبيلة.. ولكن في النهاية، ذهب، وبقيت صورته مختزنة في ذاكرة الزمن.. تلتفت جانباً.. تقول كان هناك في ذاك البيت المجاور دكان صغير، كان التلاميذ الصغار يشترون منه الحلوى واللبان والبسكويت عند عودتهم من المدرسة المشتركة التي كانت تضم البنين والبنات.. تقول بنصف ريال حيث العملة، كانت بالريال، والذي يساوي الدرهم، بهذا المبلغ كان الأطفال يشترون ما يزيد على حاجتهم.. تصمت.. تقول: اختلف الوضع كثيراً، وانقلبت الأحوال.. ولا جدوى من الحلم، فلن تعود المياه إلى مجاريها.. بل إن المجاري أصبحت ضحلة، ملأى بفيروسات فتاكة.. تتذكر المدرسة، تتذكر جدرانها الأسمنتية التي لم تدهن بزيت أو صبغ.. تتذكر الحر اللاهب، ورائحة الأنفاس الساخنة.

    يتبع ..

  2. #2
    عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    7 - 12 - 2012
    المشاركات
    77
    معدل تقييم المستوى
    49

    رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش

    --------------------------------------------------------------------------------

    .. تابع

    رميت بصرك بعيداً في المدى المختبئ تحت عباءة الظلمة، وهناك يطل القمر الخجول، متوارياً خلف سحابات بيضاء كنشارة الثلج.. تبينت السماء الزرقاء، والنجوم المترامية، راقصة، كحبات خرز، تحركها معاصم حسناوات، تدارين خلف السحب، يشرد ذهنك، تهيم في السماوات العلا، تنظر إلى الارتفاع المهيب، والسقف الذي يكاد يكون، كما لو أنه سقف غرفة عظيمة، منقوشة بالأبيض والأزرق والفضي، مدهونة بسواد يشف في أماكن ويغمق في أماكن أخرى.. الأصوات تغفو في حناجر أصحابها المنهمكين في ضياع الجدران المغلقة، ماعدا النباح الذي لا يكف عن الزمجرة، حيث الكلاب الضالة، والتي لم تصل إليها بعد بنادق المهرولين خلف آجالها المحتومة على أيديهم، كلاب تبحث عن فرائسها، وعن طرائد وقطط فارة من بأس الحيوانات الغاضبة، تبحث عن ملاجئ، تغيب في ظلمتها، إلى غد آخر، يأتي بلقمة بلا أذى.. رائحة البحر، تلفح أنفك رغم مساحة الرمل، والبيوت الأسمنتية المتعالية في الفراغ، إلا أنك تشم قشوراً سمكية، ومحارات فارغة، وعشباً بحرياً منقوعاً عند الساحل.. تقول: هنا على هذا الرمل، كان الماء يدغدغ أجساد المراكب الخشبية، المسجية على الشاطئ بعد عودة من سفر، كان الرجال الذين يرقدون على الأسطح الخشبية، مرادفين سيقانهم، ومخبئين وجوههم، بأذرعهم، ومطلقين العنان لأصواتهم تصدح بأناشيد ليلية، وأغاني الغربة، لأن معظمهم من اليمنيين الذين عبروا الخليج في انتظار مزاولة الرحلة، إلى بر المهرة والشحر، مأوى الأجداد والأسلاف، ولكن هذه المراكب المجهدة حتى تعبر المضيق إلى هناك، لا بد أن تستريح هنا بعد عناء وتعب.. لا بد لأصحابها أن ينهجوا قليلاً بين صدور النساء المتلهفات لأجساد بعولتهن، ويتلقين المصاغ وفاكهة الرحلة الطويلة.. رائحة زيت الحوت، كانت تغلق منافذ الرئات القاطنة، لكنها أيضاً تمنح المكان فحولة عارمة، الرجال المنشدون، يعمرون نيران الأراجيل، وينفثون الدخان، ويتضاحكون، ويتبادلون الأحاديث الودية، حتى ينقضي نصف الليل ثم ينامون حتى الصباح، ليبدأوا يوماً جديداً.. وبعضهم بحارة، كانوا يتداولون الحراسة الليلية، لحماية ممتلكات السفن من السرقة، ونهب اللصوص.. أيضاً كانوا يقولون إن المركب الخاوي من أرواح البشر تقطنه الأرواح الشريرة، وتجعله عرضة للشؤم، ويقصون حكايات غريبة وعجيبة عن سفن السفر التي غرقت في أعماق البحار، بسبب الجن الناقمين على البشر. لذلك، كانوا يملأون أكياساً بالملح، لأن الملح تهابه الشياطين، يضعون الأكياس في أماكن متفرقة من السفن، حتى يحولوا دون وصول الجن إلى هذه الممتلكات الثمينة.

    تبتسم.. تقفز إلى رأسك صورة ذلك الرجل اليمني عازف العود، كان يترنم على أغاني محمد مرشد ناجي، وفيصل العلوي، ومحمد بازياد، وغيرهم، كان صوته شجياً، وملامح وجهه الحزينة تثري هيئته بالهيبة والرزانة، وفي الصباحات كان الصغار الذين يأوون إلى البحر للسباحة واللعب بقناديل البحر، ونجمة البحر، يلتفون حوله، يسمعونه ويصفقون ويرددون معه فرحين مشرقين، حتى صار محاطاً بشلل من الصبية، ما أشاع حوله تهمة استغلال الأولاد لأغراض غير أخلاقية، وفي مرة دار شجار بينه وبين ولي أمر أحد الأبناء، وكاد يتطور إلى صراع دموي لولا تدخل الأعيان، والعقلاء لفض الشجار.. لكن الرجل اليمني لم يمتنع عن الغناء، وكان يقول أغني لأطرد الوحشة، وأكسر مخالب الغربة الخانقة، وأذود عن نفسي من غشاوة الليل المخيف.. نعم كان يصرح عن خوفه من الظلام، كان يقول صوت العود الشجي يطرد الشياطين، ويمنعهم من الوصول إلى الأشخاص.. الأطفال كانوا يحبونه، فقد كان ودوداً، لكن أولياء الأمور كانت قلوبهم تأكلهم على مصير أبنائهم الذين تحلقوا حول الرجل حتى صار مرتعاً لهم، وبدلاً من اللهو في البحر والسباحة، كانوا يتوارون في السفينة الكبيرة، ولا تسمع إلا الأصوات الهادرة، وصدى العود الرهيب، كان الكبار يستغربون هيام الصغار بصوت العود ويستنكفون هذا العبث الذي قد يشوه أخلاقهم، وكان الرجل اليمني شرهاً في التدخين، نهماً في تناول الشاي الأحمر، ما زاد من قلق الرجال على أبنائهم، وخوفهم من أن يدمنوا هذه العادة السيئة.. فصار الصيف وكل صيف وبالاً على الكبار، وحفلاً بهيجاً بالنسبة إلى الصغار.. تقول.. كانت البراءة تسير على الشطآن، كأنها الفراشات الباحثة عن رائحة الورد، النابشة عن الرحيق.. تتخلى عن المكان، تنزل من مفرق القضبان.. تتمشى محركاً ساقيك المنحلتان.. في القرية التي تسكنها.. قرية المعيريض تبدو أمام عينيك أنها قرية أشباح، أو غابة عذراء، أشجارها الجرداء تحيلك إلى زمن الجدري الذي ألم بالناس وأطاح بأرواح البشر، ومات الكثيرون لمجرد الإصابة بالعدوى.. زمن الجدري تزامن مع بداية الحرب العالمية الأولى، حيث عاش الناس هنا حياة البؤس، لدرجة أنهم ألبسوا صغارهم من أكياس الأرز الفارغة، وأطعموهم من عسل التمر وبقاياه العالقة في أقفاص السعف، وشربوا من حثالة القرب، ومضغوا الديدان والطفيليات.. في ذلك الزمن، كان الطب متأخراً والمستشفيات معدومة، والعلاج من الجدري مستحيلاً والموت حتمياً لا محالة.. الذين يضربهم الجدري، كانوا ينفون في منطقة «الشريشة» المنطقة التي تبعد عن المعيريض، بعشرين كيلومتراً تقريباً، منطقة نائية، وشحيحة، ومقفرة إلا من أشجار النخل العاجزة عن الإثمار، والمنحاة على الأرض ساجدة.. راكعة، مُخفضَة أعضاؤها اليابسة، في استرخاء ديمومي.. كان المصابون يلقون هناك، ومعهم بعض الزاد، الفقير، ليلقوا حتفهم، ومن ينجو يعود على أطراف قديمة، محفوراً ببقايا الجدري، متهالكاً، عائداً إلى مأواه، كمن غط في مجهول وجاء بغتة ليسأل عن هويته.. تقول إن جدك كان أحد ضحايا هذا المرض الفتاك، دفن هناك في حفرة، ولم يبق أي أثر لقبره، لأنه ما كانت تترك أي شواهد لقبور صرعى الجدري.. حتى إن الناس الذين يرحلون إلى مناطق مثل الرمس أو شعم، كانوا يبدأون الرحلة صباحاً، حتى لا يخيم عليهم الظلام، وهم في منتصف الطريق أو بالقرب من منطقة «الشريشة»، لأنهم كانوا يخافون من الأشباح، وأرواح الموتى هناك التي سكنت مع الجن.. ومن يضيع عنه حماره أو ماشيته هناك فمن المستحيل البحث عنه في هذه المنطقة إلا نهاراً، ويذهب الأفراد جماعات درءاً لخطر الجن.. يخافون من الجن، ويقولون إن الشياطين التي تسكن تلك المنطقة شرسة وعدوانية، لأنها تعتبر تلك المناطق البعيدة ملاذها، ولا يحق للبشر الاقتراب منه، ومن يعثر على حماره الضائع، لا يعود به إلى البيت فوراً، بل يذهب به إلى مطوع القرية، يتفحصه، ويدرس ملامح عينيه، فإن شك في أمره، أو فهم أنه ملتبس، يطلب من صاحبه أن يعتقه، وإلا سيصاب بضرر شنيع، وقد يفقد حياته.







    القمر المضيء يطل بشعاع أوضح، يتخلص من بعض الغيوم، ويتوسد أحلام الليل، يمنحك نشيده الأممي، وتقترب أنت من بيتك، تقف عند ناصية، وعمود كهربائي عملاق، يتطاول عنان السماء، بعض الحشرات الدقيقة تحوم حول المصباح الضخم، تحوم أنت حول نفسك، تستدير باحثاً عن حجر، تسند عليه مؤخرتك، تجلس، تطل على العالم، من خلال ضوئك الداخلي، يطل عليك العالم من نور الكاشفات العملاقة، لا أصوات تحرق سكون الليل، سوى زمجرة آلات الحديد وأبواقها المتسلقة صمتك.. بعض الرطوبة، تغسل محياك لكنك لا تشعر بالضجر، تنشف القطرات بطرف المعصم الأبيض، ثم تلتفت إلى الظلمة الشفافة عند منعطف الطرقات، كلب صغير يلاحق قطة، يدركها عند زاوية، تسمع صوت المواء المستغيث، يخشع قلبك للشراسة، تهرع للإغاثة، يهرب الكلب لكنه يظل عاقفاً رقبته في اتجاهك نابحاً كان يشتمك بالطبع، لأنك انحزت إلى جانب الضحية، وكان القط يهرول، باحثاً عن ملاذ، يلاحقه مواؤه، بدا الكلب بعيداً، وصار القط في منأى عن الخطر، عدت إلى مقعدك الحجري، والقط الغريب، يشبعك بنظرات زائغة، بالفعل كان خائفاً، وقد انتفش شعر جلده، ولمعت عيناه بوميض الخوف.. قلت مداعباً إياه: أخائف أنت؟ ثم تتلفت باحثاً عن الكلب.. تقول: ربما يعود مختبئاً بين الجدران، ربما يتخلى عن جبنه وينتهز الفرصة، لينقض على القط، ثم لمحت القط، يقفز قفزات مريبة، كان يموء، ويدس خطمه الصغير بين الأحجار، شاهدت صرصاراً، يطير ثم يهبط، والقط يلاحقه، منفراً مخالبه الصغيرة، وبالفعل بعد محاولات أدركه، وانكب ينهشه بتلذذ وينظر متربصاً فيما حوله.. تقول: قبل قليل كان خائفاً من الموت والآن، يحيق بكائن آخر، ويسحقه بين أنيابه، بضراوة.. الصرصار بات في عداد الشيء العدم.. ما بين الحياة والموت، مخلب وجسد، وما بينهما الخوف.. أحياناً يكون الخوف سلاحاً للنجاة، لولا خوف القط لما زعق مستغيثاً، ولما هرعت أنا لإنقاذه.. لولا فعلت ذلك لنجا الصرصار وأفني القط.. كان لا بد أن يفنى شيء ويشبع شيء.. حتى الخوف لا يستطيع أن يمنع الموت من تأكيد قانونه، بل إنه يكون سبباً للموت نفسه..

    يتبع ..

  3. #3
    عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    7 - 12 - 2012
    المشاركات
    77
    معدل تقييم المستوى
    49

    رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش

    .. تابع

    في الرقعة المتلاشية في الماء، عند منتهى الجغرافيا حيث الحلم الأسطوري تنبت أعشاب على خاصرة الرمل، هنا، عجينة الطين والزمن ينسجان خيوط الحرير على الساحل الرملي المجاور، والأشياء مخضبة بأنفاس الأسلاف، وخفقات البحارة، وصائدي الأشواق، والمسافرين الذين يتسلقون سلالم البحر البيضاء، بعفوية العشاق، ينحتون أسماءهم على صفحات الأزرق العظيم، تمطرهم السماء بزعانف القلق الفضي، والأشرعة أجنحة ترفرف على ظهور الموج، مطلقة أناشيد الحياة.. وكلما طافت غيمة، ارتفعت الحناجر مستعينة بالتراتيل، والمواويل، لعل وعسى، تحبل السماء، ويضاجع الليل المطر. هذه هي الكتلة الجبلية الرمادية، تسكن وحيدة منذ الدهر، والماء المشاغب يخرخر عند أسفلها، والسمكات بشفاه دقيقة تدغدغ الوعورة المحتشمة، منصرفة في المعمعة، حيث الزعانف وريقات شفيفة تلتحف بالهدوء، وتغادر في الأجواء المعتمة، متوسلة النعيم الحجري، الصامد..

    تقف عند الساحل، والليل يمضي على أجنحة الطير الهائم، يمنحك الحفيف الخفيف الرهيف، وعلى رأسك تسقط حبات الندى، تقبل جبينك بوداعة، منضوٍ أنت في العزلة، والرغبات الكامنة المتدفقة، بشهوات عارمة، تنظر بعينين ساهمتين، إلى الفراغ المدلهم، تنظر والقلب المخضوض يطعمك من دفقات القلق، تشعر بشيء من الرعشة، لكنك تتسامى، لكنك تتباهى برجولة متوارثة، وتتبين حولك، بعض المراكب مسجية في أحشاء التراب، وبعضها يتهاوى، في أغوار الماء المهذب، تمر من أمام عينيك، هالات تختفي في العتمة، لا ترى منها غير أضواء، تتراقص مبتهجة في الحفل الليلي.. تغرس قدماك في الرمل البارد المبلل، لتثبت خطاك، وتتئد، تشخص البصر، في المكان المهيب، وتتوارى عن أنظار المتطفلين.. هناك مجموعة من الرجال، عادوا للتو من رحلة صيد، حملوا أقفاص السمك على رؤوسهم، واعتلوا تلة الرمل، متخلصين من البلل، متحررين شيئاً ما من التعب، منفكين من ربقة يوم تمادت مشقاته.. تسمع ضحكاتهم وشهيق صدورهم، وخبطات أقدامهم على الأديم، الرائحة الأزلية تتنسم في أنفك، رائحة السمك، والقشور المتناثرة من ظهور السماكين، مختلطة بعرقهم، تستأنف الإمعان في النظر، وتشم الطيب البحري، يستوطنك الحنين، وتستعمرك أشواق قديمة.. تقول، بلهفة المبتلي.. منذ كم من الزمن، وهذه السواعد السمر تحلب ضرع الماء، وتتبوأ سطوح المراكب؟ لم يجف الريق رغم السغب، ورغم التعب، ورائحة الخشب تمتزج بالعرق، ثم تسير في الأعماق الغائرة، طعماً لأرزاق الناس.. يتفشى في صدرك ولع الأيام السالفة، فتختزل الزمن في نظرة خاطفة، ترى ساعدك المترهل، وعضلات صدرك الواهنة، تقول إن هؤلاء يكدون، ويمضغون رضابهم، ويمتلئون فخامة وعظمة لأنهم تماهوا والبحر في الانسجام.. هؤلاء اللاهثون سوف يذهبون إلى بيوتهم، تتلقفهم عيون النساء، بجفون مسبلة، وابتسامات تهيئ لاستقبال ليلي بهيج مفعم بفضيلة الأجساد الساخنة، سخونة القلوب المحبة، والمحتفية لأبطال عادوا بالظفر.. وفي الصباح الباكر، سوف تغسل النساء أشواقهم براحتي الدماء التي تدفقت ثورة عارمة، تحت السقوف المهللة بنعيم الالتحام، الجدلي بين جسدين، متشهيين لبلوغ الذروة العاصفة.. الجبل العظيم يسكب حليب المفاهيم القديمة، ويتصعد ألقاً أزلياً، تقول: منذ فترة ليست بالطويلة وقف الناس هنا، مشدوهين، مذهولين، لسماعهم صوت هدير يرن من أجواف هذا الجبل، كبار السن أرجعوا الأرض إلى قوى خفية، منزعجة من أمر ما، فباتت تزأر مهددة، المغرضين في إشاعة الصخب من حولها، وتعاطى آخرون الفكرة بحيوية ونشاط، وتدفقت وسائل الإعلام، وحمل المصورون كاميراتهم، والتفت البحاثة ليحللوا الظاهرة الفريدة.. ولكن، بعض المراهقين تسللوا في الليل البهيم، وتسلقوا الرعونة، بهمة اليافعين، حتى قاربوا الوصول إلى القمة.. كانت في أيديهم المصابيح، والبنادق، والسكاكين احتراساً من حدوث المكروه.. بحثوا جميعاً عن مصدر الهدير، تربصوا، تلصصوا، تفحصوا الأجواف، والثغور والثقوب، والنتوءات، والحفر، لكن أحدهم لم يعثر على خيط إثبات ليظفر بالنظرية الحتمية.. ودارت الحكايات، واشتعلت فتائل الروايات واخضرت صدور العارفين بالأسرار، فراحوا يحيكون القصص، بذرابة المنجمين، والمدلسين، والمحتالين، والمتخصصين في صناعة الوهم، وبعد كل التأويلات والتفسيرات، بدا جلياً أمام الناس، المغبشين بغشاوة الطلاسم والحروز، أن هذا الجبل موطن قديم لجنية البحر، وأنها تنتحب هلعاً، لفقدانها أحد أبنائها، إذ انزلق سهواً من على قمة الجبل، وسقط في جوف الماء الغزير، فالتهمه سمك القرش.. وأضاف أحد الأعيان، أن حزن جنية البحر قد أجج غضبها على البشر، لأنهم لم يقوموا بإنقاذ فلذة كبدها، ما يفسر أن الجنية قد تنتقم من البحارة أو الصيادين، أو كل من يرتاد البحر، وأسدى بالنصيحة للأهالي بتحاشي الاقتراب من الشواطئ بعد الغروب، ومنع الأطفال من اللعب على الرمل، أو السباحة في البحر، في غياب أولياء أمورهم.. ما دعا الناس، المحيطين بالجبل، والقريبين من مقره، الملوث من ملاذاتهم بعد الغسق، وإطفاء الأنوار، وتحريض الأطفال على مزيد من الخوف.. مضت أيام، والقلعة الجبلية تهيمن في المكان، وتستولي على الأفئدة، ثائرة الخوف والفزع، وصار الصيادون ينزفون قهراً ومللاً، وتذمراً، من ذلك الفج اللعين الذي أثار نزعة أرعبت القلوب وأرعدت الصدور، وودعت النفوس، حتى إن أغلبية البشر هنا قرروا الامتناع عن أكل السمك، خشية أن يكون مسمماً، أو أن يكون من جنس الجن، لكنه تشكل على هيئة أسماك بحرية.. ما جعل الكثير من الصيادين يحتالون على ذلك الرجل، ويسيلون لعابه، بالإغراءات المادية، ليصدر فتوى جديدة تنفي فتواه القديمة، لتعود المياه إلى مجاريها.. وفي يوم اجتمع الصيادون، واتفقوا على أمر جلل، فإما أن يوافق المفتي بتغيير فتواه، أو أنهم يصدرون ضده حكماً بالإعدام، ويتخلصوا من شروره.. وبعد محاولات ومجادلات ومفاوضات، أذعن المفتي لنفوذ الصيادين، فسار على الشاطئ، وجمع الناس في القرية، وصاح، بصوت مجلجل، قائلاً: لقد ذهب الخطر، وعليكم بمزاولة حياتكم بشكل طبيعي، لأن الجنية الغاضبة، قد غادرت المكان، إلى مكان آخر، والدليل على ذلك أن الهدير الذي كان يزلزل أركان الجبل، قد هَمَدْ ولا أثر لأي زمجرة، الأمر الذي لا يستدعي أي خوف، أو فزع من شيء.. ولكن المفتي الذكي لم يبت في الأمر، ولم يقل إن الصوت المجلجل لا علاقة له بالجن، وأن ما كان يصدر من هدير، قد يكون لأسباب طبيعية جيولوجية، ما ترك في وعي الناس ركاماً من الريبة والشك في كلام المفتي، ومنهم من اتهمه بالكذب والاحتيال، ومنهم من وصمه بعار تقاضي الرشوة، ليغير أقواله، ويعرض حياة الناس للخطر.. لم تنجلِ الحقيقة، وليث الخوف متسيداً في المكان، رابضاً في القلوب، وبخاصة أن الصوت عاد مرة أخرى، فأرغم الناس على رمي المفتي بالحجارة، ومنعه من الخروج من بيته، إلى أن يقضي الله أمراً كان محتوماً.. تحاول أن تحرك قدميك، تسير الهوينى على الشاطئ، وقلبك يدق طبول القلق، تفكر في الجبل، وتتهيأ للهروب في ما لو هاجمتك جنية البحر، تسمع بعد فترة وجيزة صوت قارب بحري، وحناجر رجال، ترسل ضحكات عالية.. تهدأ قليلاً، ويسكن روعك، تتحرى القارب، من خلال العتمة، تتمشى في اتجاه انعطاف القارب، ومع خشخشة الماء تراوغ الموجات الصغيرة، عند الشاطئ، منكسرة عند الرمل، ثم تستعيد نشاطها، وأنت ترقب الموقف، وعيناك على النشيد الليلي مع اقتراب القارب.. ترتفع الأصوات، ويهدأ هدير الماكينة، وتسمع ارتطام المرساة في جوف الماء.. ثم صوت فوضى السيقان العارية، وهي تخوض في الجوف الضحل، واختلاط الأصوات بالشهيق والزفير..

    تقول.. هل مات المفتي، أم ماتت فتواه، أم انتفض الصيادون للحقيقة؟ تهز رأسك، مشمراً عن ساعديك، باحثاً عن سر العرق، فوق الجلد، وأسباب الخوف الذي داهمك، تقول: كيف تسنى للعقل أن يستدعي كل هذه الشحنات دفعة واحدة، ثم يحشدها عند مرفق القلب، ثم تبدو وحشاً ضارياً، ينهش من الجسد بشراسة وعدوانية.. تخبط قدميك في التراب.. تقول: انظر يا فيروز كيف فعل الوهم بالناس، لقد جوعهم، وسجن ذرياتهم في البيوت، وحرم الصيادين من كسب العيش.. تبصق على الأرض وتدوس بصاقك بعنف، تهرسه مع بلل التراب، ثم تخرج سيجارة، تشعلها، تدخن، لينتشر الدخان مع رائحة البحر، مع عبق الطحالب، وعبير الأسماك النافقة.. تذرو الرياح كل شيء، تذروك أنت عندما تكون بخفة الفراشة، ونعومة زعنفة.. يصمت البحر، بمغادرة الصيادين، وتلاشي أصواتهم..

    يتبع ..

  4. #4
    عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    7 - 12 - 2012
    المشاركات
    77
    معدل تقييم المستوى
    49

    رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش

    --------------------------------------------------------------------------------

    .. تابع

    بدأت تسير ببطء، بخطوات ثقيلة كأنك مصفد بالأغلال، وجسدك واهن، والعرق يتصبب من بدنك، تشعر وكأن حلماً داهمك، فأفزعك، وانتزعك من نوم عميق.. صرت تهذي، ويخفق قلبك خفقات مزلزلة.. ومد الطريق أمامك لساناً من الوعورة، ومددت أنت لساناً لاهثاً، تلعق شفتين ذابلتين، بللهما العرق.. ما هذا الحلم المريع، ما هذه المشاهد المروعة؟ المشي على الأقدام هنا كالسير على الأشواك، الأحجار المسننة، والتعرجات والنتوءات الحجرية تخز قاع القدمين بإبر مسننة.. ما أعظم الناس هنا، منذ الدهر، وهم يمشون، ومنذ مجيء الأسلاف، والأرض العارية تسوطهم بالخزي، يحاولون أن يحفروا في الصخر لتنبت السماء بأوراق الحياة.. التحولات التي تفور بها الأراضي المجاورة تبدو غريبة ومجافية لواقع الحال.. تقول: عماذا ستكتب..؟ عن الوهم المجلجل أم عن الصعقة القاصمة، التي شقت بطون الأرض، وعصفت بسقف السماء؟ أعلم جيداً أن للنجوم المتحركة في الأفلاك البعيدة، أصواتاً مزلزلة، لكننا لا نسمعها، لأننا اعتدنا على الحركة، وعلى مدار الأزمنة، صار الصوت جزءاً من حياة الصمت المخيم على أفئدتنا.. كذلك الخوف، لأنه نبع من أتون الأرض لأنه جاء من أفق الكائنات العظيمة، فصار حليفاً لمشاعر الذين يخافون، ولا يعلمون مصدر الخوف.. لم يقل المفتي إن الهدير الذي كان يسمع من جوف الجبل، مصدره، منجل أم الدويس، لم يقل ذلك، لأنه يخاف من الانتقام.. خبأ خوفه في صدره، وصدر بعضاً منه للآخرين، ليثبت أنه المبجل المعصوم، من الزلة، المعفي من بواعث الخوف.. الساحر، والمشعوذ، اللذان يجلسان مقرفصين عند رأسك مريضان بالهستيريا، ينفخان في الفراغ ويرتلان الوهم، ثم يبحلقان في اللاشيء، وكأنهما يطاردان الماوراء، وعندما ينتفض المريض، يقولان إنه شفي، لأن الجني الذي ربض في جوفه، طار مذعوراً، من فأس التلاوات المحتشمة.. المفتي، رصد إخفاق الخائفين، وتجلى في صورة الواعظ المبجل، ولما استيقظت عيون الصيادين المحرومين، توارى خلف الكذب، وانبرى يؤجل إفتاءاته حتى تلاشت كالليل المنهزم، أمام ضوء القمر.. تقف عند منعطف، تعرج إلى حيث يصمت رصيف خاو، وتتلفت، تنظر من حولك، لعلك تعثر على حجر تلقمه فاه الخوف.. ثم تتورد وجنتاك لمجرد أنك تحظى بضوء خافت يأتيك من بعيد، ضوء سيارة تسير مسرعة، وسائقها يختفي خلف الزجاج الأسود.. أسود الليل، وأسود الزجاج، يخفيان أسراراً ويأتيان بأخبار، وأنت وحدك الذي تترصد الأشياء، وتعد التفاصيل، وتغوص في النفق، ولا يخطر على بالك أنك مازلت تمارس الاقتراب من الحقيقة كمن يحاول تفريغ الشهوة الجسدية بالعادة السرية.. آه.. تفكر.. لا تستطيع أن تحصي عدد المرات التي مارست فيها العادة، وكم مرة شهقت وأنت تملأ كفك بالسائل السمج.. كنت تشم الرائحة ثم تهرع للاغتسال، وتنظف مشاعرك من عقدة الذنب، لم تكن اللذة بمفردها التي تسوقك لارتكاب أهون الرذيلة، وإنما الخوف.. تفكر ثانية.. لماذا تخاف من فضيلة الجنس. تهز رأسك، ممتعضاً لأنك لا تستطيع أن تفسر ذلك، بأكثر من أنه رغبة فجة.. غليظة.. تفضي بك لأن تفجر جسدك بيدك، ثم تنتفض واقفاً، محتدماً، مرتعشاً، مختبئاً تحت جلدك، لكنك أيضاً لم تخلُ من الفرح، لأنك انتصرت لذاتك، المهزومة، ولأنك اعتليت جسد امرأة، من دون أن تبذل أي عناء، ومن دون أن تتهيب من منجل قد يشق رأسك نصفين، عند ذروة الانتهاء من الاحتقان.. تقول: لقد هزمك للحظة، صديقك أبو سيف، عندما لمس الجرح، وعندما أفصح عن نقمته تجاهك، قائلاً: إنك رجل معقد، لأنك تكره المرأة.. امتعضت حينها، وانبجس قلبك، وشعرت بأنه يكرهك، عندما يشيع عن عاطفة أنت لا تكنها لأي امرأة.. لكنك، الآن صرت تفكر.. لقد بلغت الأربعين سنة ونيفاً، ولم تتزوج.. لم تمارس الجنس مع امرأة.. وعندما تفتش في داخلك، ترى كثيراً من النساء مررن في تلك الشعاب، وفي الغابات الكثيفة، لكنهن لم يخطرن على بالك، كزوجات.. إذاً لماذا كنت تفكر فيهن.. آخر النساء، نيران، التي ولجت فؤادك، وهرعت أنت تسابق الفراغ، وتعود في اليوم الثاني لتبحث عنها، ولم تجد لها أثراً، وكأنك كنت تريد أن تقنع نفسك بأنك تبحث عنها، ولم تجدها وأنك تريدها لكنها هي التي اختارت الغياب، وفي يوم آخر، تجلت أمامك، فتواريت أنت في جلباب ماضيك العتيد، عندما ابتسمت ضاعت الابتسامة، في خبايا محياك الجاهم.. وبعد أن أفلت صرت تلهج باسم امرأة، بلغت بلوغ النجم الذي رقص رقصة الزيف ثم انطفأ..

    لم يعد في وسعك أن تنتظر، ولكن بشيء من الورع، حاولت التملص والاعتذار لذاتك.. كيف يمكن لإنسان أن يعتذر لنفسه؟ كيف يستطيع أي شخص أن يحاكي شخصه، وشخصه هذا كامن في العتمة، العتمة المغلقة، التي لا يصل إليها أي ضوء، ولا صوت. ولكنك رجل محلل، وباحث في علم النفس، ينبغي لك أن تدرس الشعور واللاشعور، وأن تتقصى حقائق لا يمكن أن يستنبطها أي إنسان عادي لم يدرس علم النفس.. ما هذا الباطن الخفي الذي أحياناً يطفو إلى السطح ويزلزل الكيان، ويصنع منك إنساناً آخر أنت لا تعرفه، ولا تفهم ما يريد من هذه الدنيا.. تقول، إنك في طفولتك كنت مهتماً كثيراً بعضوك، كنت دائماً تتأمله، وعندما ينتصب كنت ترتجف، تحاول أن تخمده، لكنه عصي على الإذلال، يظل واقفاً إلى أن تستحيل ذاكرتك إلى أشياء أخرى، فتراه يتوارى، تحت سروالك، مختبئاً كأرنب مذعور.. تعرفت في صغرك إلى فتيات كثيرات، كن ورعات محتشمات، وكنت تحتجب عن الحديث معهن، كان رأسك دائماً مخفضاً وكأنك تبحث عن مشاعرك الضائعة في التراب، كان التراب غزيراً، إلى درجة أن أقدام الصغار كانت تغوص في رعونته، وتخرج متسخة بالغبار.. وفي السنوات الدراسية المشتركة، لفتت نظرك إحداهن، كانت فتاة، يافعة، بضة، عيناها كانتا تلمعان بوميض أنثوي، لافت.. وفي صدفة زمنية، وبينما كنت تستعير منها كتاباً، مددت يدك، ومدت يدها، تلامست اليدان، شعرت بقشعريرة، هزت بدنك، فكرت في الفتاة، تخيلتها، ومارست العادة السرية لأجلها، وفي اليوم التالي، قابلتها، شعرت بالخجل يأكل قلبك، كنت مذنباً لأنك حطمت القيود، كانت فارهة، ولم تكن مبتذلة، فهمت من نظراتك أنك، تود أن تفضي لها سراً، أو أنك صبي، محتبس بمشاعر شائهة.. ظلت الفتاة، تراودك، أو بالأحرى أنك كنت ترسم لها صورة عجائبية.. وانقضت سنوات الدراسة الابتدائية، ثم المتوسطة آنذاك، ثم الثانوية.. لم تجد لها أي أثر، لكنك بعد حين سمعت أن الفتاة تزوجت من قريب لها، لا تدري لماذا انتفض جسدك، لا تدري لماذا شعرت بأنها كانت ملكك، وأفلتت من يديك.. شعور غريب تملكك، وأنت تنصت إلى حديث الجالسين، الذين جمعتك وإياهم، صدفة زمنية، تخيلتها جيداً، وقرأت تفاصيلها، عدت إلى زمن الكراسة التي استعرتها، عدت إلى الصدف التي لا تتكرر لكنها باغتت الإنسان فيك، واحتلت مساحة واسعة من وجدانك.. قلت حينها، لماذا ارتكبت الجريمة الشنعاء وتزوجت.. نقمت عليها، كما حقدت على نيران عندما ولت مدبرة، مخلفة إياك في عرائك وعبث المشاعر المتصاعدة.. الآن عندما تمر عند سفح الذاكرة، تتزحلق الصور، وتتدحرج حتى تستقر عند الحضيض.. تبدو لك صوراً جلية، وتنصاع أنت لرخاء التهيئات الذهنية، تحاول أن تستعيد شيئاً منها، مستعيناً بقوة الإرادة، لكنك عندما تقف عند المنعطف الخطير، عند الصورة المثلى، تجمد، وتبهت، وتبدو أسئلتك المبهمة أشبه بالقضبان الحديدية التي تطوق عنقك، تشعر بالاختناق، تحاول أن تفك الرموز المتشابكة، وبلا جدوى.. بلا جدوى كل حياتك، أحياناً تتصور ذلك، وبلا جدوى كل هذه الرحلة الطويلة، التي كلفتك عمراً، وجهداً، وأنت لم تزل في عنق الزجاجة العتيقة تحاول أن تتنفس، تحاول أن تجهش بالبكاء، لتغسل صدرك، وتطهر المناطق الداكنة من الذات.. لا جدوى، تقول ذلك وأنت جاهم، مفعم بالأسئلة التي لم تزل تتضخم، وتتورم، كالفقاعات، ثم تنفجر في وجهك.. أحياناً تشعر بأنك تحلم، وأن كل الصور والمشاهد التي تمر على شريط الذهن، مجرد حكاية من حكايات الليل، عندما يمتطي خيل الفرسان الأوائل، ويلبث في جولات وصولات، وأنت لا تجني غير الخيبات.. فعلاً تشعر بالحاجة إلى البكاء.. البكاء الذي يذيب الصدأ، ويجلي الغبار، وينشر رداء الروح، في حضرة الشمس الساطعة..

    يتبع ..

  5. #5
    عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    7 - 12 - 2012
    المشاركات
    77
    معدل تقييم المستوى
    49

    رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش

    .. تابع

    تقف.. تسأل نفسك.. تقول: عندما ينشغل الإنسان بفكرة ما، يقطع المسافات من دون حساب عدد الخطوات، هاآنذا، أصل إلى مشارف «الغب»، هذه هي الأطلال القديمة، تخيل الناس الذين ذهبوا، لم يبقَ غير السيقان العجفاء، والحشائش المتوحشة، محاطة بأشجار القرط والغويف، تؤمها الأفاعي والثعالب، والروائح النتنة التي تتسلل العراء، لتلحف المكان بالوحشة.. تقول بلوعة: نخل محمد السامان العريقة، تتوسد العراء، وتحلب من التصحر الأجرد معاني التسمم البيئي، وزوال النعيم.. تحاول أن تقترب الاضحملال، مستعيناً بالذاكرة، تحاول أن تتجلد بشيء من الصبر، لترى ما يراه النائم، بعد نزوع مهيب من كابوس، مفزع..

    تفكر.. كيف تخنع لقلبك، وتمتطي الأشواك، والخرائب، لتنظر إلى الأفق المبهم؟ كيف تصارع المجهول، لتطل إلى غابة من الفراغ المريع، لتلمس بيديك جذع نخلة أو شبه نخلة، ذوت وانعكفت كظهر شيخ طاعن.. لا شيء يدعو إلى الفرح هنا، لا شيء يطلع من بين الركام، ليخلي سبيل الحشرات العالقة بين الأشواك والحشائش اليابسة، والأسلاك التي كانت حزاماً لحماية الزرع والضرع.. تقف مبهوتاً، منهوباً مستلباً، تتذكر ذلك الرجل الضرير، الذي كان يعد العذوق، وسط دهشة الناس، الذين يقفون مشدودين للحالة الفريدة والنادرة.. تتذكره عندما كان يحصد أنواع النخل.. قائلاً: هذه نخلة خصاب وتلك أشهل، وثالثة خنيزي.. ثم يتوغل بين الأحراش والأعشاب، وأشواك السعف المتدلي كالعقود الذهبية، من دون أن يؤذي جسده، ويتوقف عند حوض الماء، مبتسماً، مشرقاً بوجه حليم، ثم ينتزع قميصه القطني، الأبيض، ليغطس في الماء، يغسل وجهه، ويدعك رأسه الأصلع بالماء البارد، ثم يغوص الغوصة الأخيرة، يخرج مظفراً بالبلل مجندلاً بالحبور.. وتحت شجرة اللوز يتوقف، يقطف ثمرة، ثم يقضمها بنخوة الرجال النبلاء، ويوزع حبات الفرح على الصغار، والمرتادين لبستانه الباذخ.. ثم يعود الرجل أدراجه، يسير بخيلاء الأفذاذ، مبتهلاً فخوراً، بإنجاز يديه، وتعبه الذي أثمر هذه المروج، والخميلة الوارفة..

    تبتئس، وينبجس قلبك، لأنك تطورت نسلاً معرفياً، اقتادك إلى ضلالات الزمن الرديء.. تقهقرت، متوارياً خلف أحزانك المزرية، تداريت محتدماً، فارغاً، من الفرح، وأحلام اغتيلت فجراً، فأضحت ترفرف بسراويل الحزن الأسبق.. تماديت حزناً.. قلت: ما الذي يجعل الأشجار تموت هنا، مغللة بالسواد، موشحة بأحزان الفقدان؟ ما الذي يجعل الكائنات تئن تحت وطأة الخسارات الكبيرة، ثم تزحف كأنها الجرذان المجروحة؟ الأشياء تتحطم لمجرد أنها تود أن تقفز قفزة الحبال المهترئة.. الأشياء تدمر نفسها، كونها فكرت أن تحرق المراحل، في غيبة الأحلام الواقعية.. تنهض.. تغادر المكان، تبادر في التسلية في المشي، تريد بقدر الإمكان أن تنهك جسدك ليستريح عقلك من التفكير..

    تقول، إنك مفتون بهذه النخيلات التي لم تزل ترفل بالحياة، وأنك على أقل تقدير تشعر بالسعادة عندما تفر من وحشة الانهيارات الذاتية، لائذاً إلى ذات نخلة ما تخلت عن أوراقها رغم تحريض الحقول المجاورة لها، بمواكبة زمن الحسرة.. أوشكت أن تصاب بالانهيار الحقيقي عندما دخلت أطلال نخل محمد السامان. لكن، عندما استنأنفت مسيرك، وجدت في المقابل بقايا نخل في زاوية قصية لم يزل يحتفظ بالرونق التاريخي، ويقف سامقاً لتحديات الغبار المزري، متواجهاً كالند في وجه الهروب إلى أسفل.. عالمك هذا الذي تحاول أن تخلع ثيابه عن جلدك، عالمك الذي تجتهد من أجل تحريرك منه.. شيء ما، تحس بأنه يسكنك، رغبة مبهمة، تتلبسك، وأنت تهيم في العراء، وتبحث عن نفسك، وتطرح السؤال الكبير.. من هي أم الدويس؟ كل الوجوه التي قابلتها في كل الأمكنة كانت تنوء من أحمال ثقيلة، وترزح تحت وطأة أحلامها المؤجلة، وأنت كذلك، تفسر الأحلام على أنها تأتي من خضم تراكمات ماضوية، جاءت من ذلك السحيق المعتم، المحتدم، بمعارك ضارية تدور رحاها بين الأنا والهو، الذي لم يزل عندك، أشبه بالأرض البكر، ولم تلمس خصوبتها يد كائن من كان.. تقول إن أبا سيف، وصمك بعار العقدة من المرأة، وأنت ترفض ذلك، بل وتتحاشى ولوج هذه المنطقة المحرمة.. عندما أشار إلى عشيقته عذاب، كنت مستريباً من الأمر، وكنت متوتراً، على الرغم من محاولتك المواءمة بين ما تضمره وتعيشه على الواقع، لكن قوة غاشمة هاجمتك فجأة، وجعلتك تنسحب، وتنكفئ، وتغوص عيناك في وهدة الوجل.. تدافعت مشاعرك وأنت تنظر إلى عذاب، أجلت كل المعتقدات والمبادئ والثوابت ونظرت إلى جسدها، ولربما لم تعثر على ما يغري مشاعرك ويغري روحك، انسحبت، وأعقاب تلك النظرات انبرى الصديق الحميم، محتقناً، واجماً، متحدياً قائلاً لك: أثبت لي إن كنت لا تعاني من مركبات النقص، فانتفضت محتجاً، مرتجاً، مزبداً، حاولت بأقصى جهدك أن تنفي هذه الصفة.. ولما لم تجد ما يشفع، اتهمته بالزندقة، قلت له: أنت دنجوان، نزق، ثم هربت، تطاردك إخفاقاتك، وخوفك.. تبينت داخلك، فحصت الأنا المجروح، كانت الصرخة من الداخل.. يا فيروز لا بد للمارد أن يستيقظ، وأن تنهض العزيمة وإلا.. تساءلت ماذا.. تكاسلت الإجابة، ولم يبقَ أمامك غير أنك.. انتحبت.. وبعد مضي برهة من الزمن، شعرت بأنك تخففت من وزر، وتأزرت أحلامك، قلت يجب أن أجد حلاً للغزها..







    تقول إنك وصلت في وقت متأخر من الليل، والمكان الأليف هجع، واضطجعت القرية، متوسدة ضلالها التاريخي، الأزقة الضيقة تسهر على حراسة الجدران الهامدة، والأسفلت لا تمسح جبينه الأغبر غير أحذية الطالعين من الفندق، المجاور، مترنحين، مزبدين، كجمال سكرت من غدير، بعضهم يتخبط بلا هوادة، متأبطاً أنثاه، مرمماً جسدها المعرق، المنهك بهمسات أواخر الليل، لا تسمع غير فحيح، لا ينبهك من غفوة، ولا يجيبك لشك في شكل القرية الوادعة وهي تحتضن نوعاً من الفسق المتطور عن رعونة وفوضى أخلاقية باتت سمة زمن يتناسل في الليل، كما تتساقط شهوات الكلاب المسعورة، وتهبط على رأسك، أصوات الصخب المنبثق من مراقص الحلم الأخير، في النزع الأخير، في الرقصة البحرية، المتجاوزة هدوء منطق الأشياء، فكرت أن تلج الزقاق المؤدي إلى مدخل الفندق، تسربت ليلاً، فجاً غليظاً، مكتظاً بأسئلتك البائسة.. سيارات فارهة، تخرج وتدخل من فوهة النيران المشتعلة، أشخاص بياقات بيض، ومعاطف سوداء وبناطيل تخر على الأرداف، وفتيات في عمر الزهور تفوح من أفواههن رائحة السكر، ممزوجة بشقاوة الأجساد شبه العارية.. ولجت أكثر لكنك لم تتوغل.. تدفقت الأضواء، تلمع كالنجوم في ليلة صافية، الرخام يشع، عاكساً أنوار النيون، والجدران تتحلى بصبر، بالزخرفة وآخر ما أبدعته البراعة البشرية، اطلعت على ما يجري في الكواليس والصالات المغلقة، والدهاليز المحكمة، من خلال هذا التظاهر الكوني، الذي يلم شتات كل أصناف وألوان وأشكال الوجوه.. تقول إنك في لحظة تجوال قصيرة، شعرت بأنك جلت الكرة الأرضية بما رحبت.. وتعرفت على عوالم ما كان لك أن تعرفها لولا فظاعة هذا البحر الذي صار منتجعاً، وساحلاً، لسباحة ذوي العيون اللامعة بشهوات الحياة.. تقول إن ما بين الفندق ومنتجعاته، والبيوت المقابلة مسافة أمتار، لكنك عندما حططت قدميك بجواره، شعرت بأنك سافرت عبر قطار زمني من قارة متدنية تسكنها الأشباح، إلى قارة معشوشبة بأرواح نيعت بالفخامة، وفخر الحضارات المترفة.. استدرت قليلاً نظرت إلى الوراء، إلى الحلكة القابضة على حجر، التواريخ الغابرة، نظرت إلى الأفنية المحاصرة بجدران السلالات المتفانية من أجل الحضور، المغيب.. غبت زمناً، دهراً، تفرست في الفرص الضائعة في ضلوع امرأة برزت كأنها مسامير صدئة لقارب خشبي، تقاعس عن الإبحار.. امرأة هناك، في بيت مهجور تنام على حصير الأشواق المعتقة وترصد ساعات العمر المغدورة، تنام وتصحو على وتيرة انتظار ما لم يأتِ، وما لا يتم إنجازه حتى ولو غسلت الوجنتين، بشلال من الدموع.. يهفو قلبك عندما ينبح كلب، يطل بأذنيه المرتجفتين، متشجعاً، لاقتناص عظم حاف من مزبلة قريبة.. ثم يعتد النظر في اتجاه الفندق الأنيق، والأفخاذ المدهونة بزيت البذخ الإلهي، تغشيك الصور المتلاحقة والمتلاصقة، تبتعد، تتقهقر، تترهل ساقات، تعباً وكداً وحسرة.. تقول مستفهماً.. يا ترى، ألا يخاف هؤلاء الطالعون كنبتة برية في صحن هذا الفندق، ألا يشعرون بالرهبة من الفراغ، ويتذكرون أحلام تلك البيوت، المتناسخة كالوهم.. تشك في ذلك، لأنهم مولعون، في التقاط الصور، للأزقة والأفنية المتهدمة، ومنارات المساجد البازغة كالنشاز، يوزعون الابتسامات، وكأنهم يلوبون في غابة بدائية، لم يسنح لها أن ترى شروق الشمس.. يضحكون بسخرية، يمزجون الفرحة بالسخط، تتوخى الصبر، تحاول أن تغمض عينيك كي لا ترى، امرأة تهاجم شفتي رجل، تنقض عليه بشراسة أنثوية بالغة الصعوبة.. يقشعر بدنك، تتصهد، ثم تقول.. لا عجب. حضارة تقصي حضارة، وتاريخ يبتلع تاريخاً، وثقافة تلتهم ثقافة، وسلالة تنقرض، لتنمو على أعقابها سلالة. قانون نفى النفي ينجز مهمته، بسهولة ويسر، هنا تبلغ البشرية مبلغ السخرية من قدرات البشر على تشكيل اللوحة الطبيعية بشكل متأنٍّ، وفعل محسوب. تعود الهوينى، مخذولاً، مجندلاً بأغلالك الأبدية، تفتح باب المنزل، تدلف إلى مضجعك، مسكوناً بالوله، واللهفة.. تقول إنك حتى لو غبت ساعة عن مأواك، يلازمك الخوف من فقدانه، وعندما تأوي إليه تكون قد بلغت من الأشواق ما يجفل لها قلبك..

    يتبع ..

  6. #6
    عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    7 - 12 - 2012
    المشاركات
    77
    معدل تقييم المستوى
    49

    رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش

    .. تابع

    تستلقي جائعاً، لكنك لا تشعر برغبة في الطعام، فقط تفتح علبة الدخان، تشعل السيجارة، تأخذ نفساً عميقاً، وتنفث الدخان، تتطاير الحلقات الرمادية، والبيضاء، وخلفها يطير بصرك، وتحلق عبارتك مأخوذاً بذاكرة مستلبة.. تحسب أنك أخذت بزمام الأمور عندما طرت إلى ناحية الجبل، لكنك الآن أيقنت أنك صرفت من الجهد، وبذلت من العرق، دون جدوى.. الجبل الأصم لم ينطق ببنت شفة، بل جاوبتك الجهات الأربع، بالخذلان، يكفي أنك لم تزل في نفس الجملة الغامضة، نفس الجحيم الأزلي، والحجرة القابضة هي حقيقة الخرافة.. أم الخرافة الحقيقية.. تنهض، تطل من خلال النافذة، واربتها قليلاً لتطل من خلال شق تلصصت على الفراغ، أمعنت في تحليل كيف تتكون العتمة.. تقول إن الظلام يأتي بعد زوال الشمس، والنهار ينبلج بعد تلاشي الظلمة.. تتوالى الأشياء، ولكن الثابت أن لا شيئين متناقضين يكونان في نفس الزمن.. ولكن ربما، هنا في هذه القرية، لا تتناقض المكونات، لا تنفي بعضها، لا يقبض بعضها على جريمة بعض.. الأشياء هنا تتساوى وتتوازى، رغم اختلاف الألوان، وتنوع السلالة.. تغلق النافذة، فتزول الظلمة من أمام عينيك، يطل النور، نور النيون، المتزحلق على الجدران، كامرأة عارية، تتدحرج على جليد، تستلقي ثانية، تبحث عن الغفوة الخرافية، تستجدي إغماضة الجفن، تضع ذراعك على عينيك، تخفي وجهك، يختفي العالم من أمامك، لكنه يطل في الداخل في الباطن المتوهج، تستدرجه بقوة، أو هو الذي يستدعيك لتحضر، ولتحرس نظريتك التي شقيت من أجلها، تقول هل تبوء جل المساعي بالفشل، رغم أن عناصر النجاح، تحضر بقوة.. ثم ترخي ذراعك، وتنزعه عن وجهك، تفتح عينيك، تقول: ها هو الضوء كما هو لم يمسسه شيء بسوء، والظلام زال، لمجرد إزاحة ذراعي عن عيني.. إذاً لماذا لا ينزاح الخوف من الأشياء المفزعة، لمجرد نزع الفتيل المسبب.. ثم تصمت.. وبعد برهة، تطرق قائلاً: هل حاول أحد نزع هذا الفتيل.. هذا هو السؤال، الذي يحضرك الآن.. ثم تقوم لتطفئ الضوء وتهرع مسرعاً في اتجاه مضجعك.. تتدثر تحت الملاءة، ملتفاً كهر مذعور.. الظلام يخيفك.. أم الوحدة؟ أم الاثنان.. أيهما بدأ أولاً في تخويفك.. وهل صحيح أنك تخاف في الأصل؟

    طيلة الليل، انهمر المطر غزيراً، لم تنم، لأنك كنت تستلقي مستمتعاً، على نظرات قطرات الغيث المنسكب على أسقف الجدران المجاورة، كنت في حفل بهيج وأنت ترقب الخيوط، الحريرية، المنسابة من جوف السماء، المتشاغبة على أضواء النيون، تذكر أنك نمت متأخراً جداً، وفي الصباح الباكر، كان الرذاذ ينهمر من عيون السماء، نثات، تغسل الأحلام، وتنظف وجوه الوريقات المتلألئة بشعاع فضي مهيب.. الحديقة الصغيرة، بجانب البيت، كانت متخففة من الغبار الصيفي، لامعة، العشب، مضيئة بخضرة يانعة.. شجرة اللوز اليافعة، وقفت منتصبة، تجود بخيلاء الكائنات المخلدة. محتفية بالعرس الأبدي، تميل أغصانها الغضة، راشفة من قطرات العذوبة ما ينعش جذورها، ويسكب حليبه على الوجوه بسخاء.. والنخلة الهيفاء، استمرأت النداوة، بعفوية سيقانها، ولدونة عناقيدها، التي قاربت الاستواء، رطباً جنياً.. بطبيعة الحال، ما كنت ترغب أن يلمس المطر عذوق النخل، في هذا الموسم المبكر لهطوله، خشية من عطب الثمار، لكنك لا تملك في هذه السنح إلا أن تقف مشدوداً تجاه التساقي اللذيذ.. شعرت بأنه في حاجة إلى الرشفة، لتبلل شفتين ذبلتا من أثر السجود لأعقاب السيجارة المتوالية، وإزاء رغبة غارقة في الثمالة، كنت تهفو إلى رؤية المطر وهو يقطر، حلقاته المستديرة، المتناهية في الصغر، على حبات التراب، يرويها من شظف.. كنت تشعر بأن التراب المستلقي بجوارك، وتحت قدميك، يفتح ثغوراً عاشقة للمطر، ويتنفس نسيماً شفيفاً، يغدق رئتيك بأنفاس أشف من وريقات العشب، المطوق بسيقان اللوز والتوت.. جلست بالجوار المزدهر، زخرفت روحك بالفرح، تقول: منذ متى لم أتنفس.. منذ متى وأنا أختنق بالسجائر، وأحقن الجسد بفساد الطبيعة؟ ها أنذا الآن، أجلس تحت الغيمة المتلبدة، الماشية على سجادة السماء، بكعوب الأحلام الأبدية.. ها أنذا، ألتقط نبقة من سدرة لم تزل بكرا، وأمضغ الثمرة، ثم أقذف بالنواة، عند حافة الفراغ.. الفراغ يطوقني، وتحتويني رائحة الورق، وعبق الثمار التي لم تزل أشبه بكريات الخرز اللامع بألوانه الزاهية.. تقطف ورقة لوز، تشم الرائحة. تغمض عينيك، تغيب في اللاشيء. ثم تضعها على فمك، تشاغبك اللذة، اللذة التي لا تشبه شيئاً آخر، إنما هي ترسل قشعريرتها في الجسد، وتحيك قصة خيالية، قديمة وعلاقة بينك وبين الشجرة، ما اندثرت رغم مرور سنوات، وولوجك قنوات مبهمة في هذا الكون، إلا أن الاستغاثة تأتي مع المطر.. المطر يوقظ الأشياء من سباتها. المطر الذي يغسل الأرواح، يمنح القلوب القدرة على الصفاء..

    تقول إنك اليوم، كائن مختلف، بروح مختلفة، وقلب، ربما استبدل دماءه فجأة، وانتفض متسامياً مع المطر، متفاعلاً مع حفيف الورق، المبتهل.. بوسعك الآن أن تقلب صفحات التاريخ وتستعيد أشياء ربما خيل إليك أنها اندثرت، لكنها في الحقيقة كامنة، رابضة فقط، ولما سمعت نقرات المطر، استيقظت على الفور، ونهضت، وفركت جفونها، ودعكت عينيها، ومغطت مفاصلها، وطقطقت عضلاتها، لتستعيد قوة، ربما تصورت أنها ضمرت وانغمرت في وحل الذاكرة، لكنها، تنفي كل هذه التهيؤات، وتنتصب.. تبرز صوراً لأصدقاء، وكذلك فتيات صغيرات، وأماكن كثيرة جبتها وأنت صبي، كانت أحلامك كبيرة، ورؤاك واسعة، سعة الفضاء الرحب الذي كان.. تندثر الأزقة الواسعة، التي كانت تفصل البيوت، والساحات الفسيحة، كانت تستخدم ملاعب لكرة القدم، و«العظيم سراً» و«المقصى».. عندما تبحث عنها اليوم، لا تجد غير شبه أنفاق، ضيقة.. تلاشت تلك الأزقة، كما تلاشت أشياء جميلة أخرى.. تذهب بعيداً، وتقفز سدرة ضاحي المهيري، الشجرة العملاقة، الصاعدة إلى السماء.. هنا تحت هذه الأغصان المتدلية، الحبل، بعناقيد النبق، كنت مع الرفاق تلهو، وأحياناً تشاغب، فتنكسر بعض الأغصان، فيهرع ضاحي المهيري غاضباً، حاملاً عصاه، يطارد الصبية الهاربين ذعراً، لكنهم عند ناصية قريبة كانوا يقفون، يتضاحكون، مبتهجين، بنفات المطر، وثمار السدر التي ملأت أحضانهم.. بينما شتائم ضاحي المهيري تلاحق أسماعهم، بلا جدوى.. الصغار لا يعبأون بالسباب، طالما لم يصل غضب العصا، الحانقة إلى ظهورهم.. تذكر أنك كنت كريماً إلى درجة النقاش مع الفتيات الصغيرات ما كان يشعل الغيرة في نفوس أندادك. بل ويعيرونك بمحاباة الفتيات، لأغراض غير بريئة.. كنت تأنف هذا التنابز، وكنت تسخر من اللمز والغمز والهمز، كذلك كنت تتحاشى الاقتراب منهن أمام أعين أقرانك الغيورين.. أبو سيف وحده الذي كان يقف موقفاً بطولياً، مدافعاً عن نقاء طويتك، ويتهم المتنابزين بالسخف.. وكنت تشعر بالفخر تجاهه، ولا تخجل من إفضاء سرك أمامه، وكان ينصت بإمعان وتعاطف، وكان أيضاً يغدقك بالمدح، لشفافيتك وشاعريتك.. وربما كان الصديق، ينذر بسطوع نجم، شاب، مناهض للقيم البالية، متطلع إلى آفاق أبعد.. اليوم عندما تتأمل شخصية أبو سيف، تفهم السجية الحقيقية لهذا الصديق، وتفهم مواقفه البطولية تجاهك في صغره.. كان الصديق يمهد لحياة متحررة، تنازع الواقع برؤى مختلفة.. لكنك تقول: لا يضير إن كان في صغره، ناوأ المغرضين، وحرضك على الامتثال لمشاعرك، لكن اليوم يبدو الأمر نشازاً بالنسبة إلى رجل جاوز الأربعين عاماً.. لا يبدو أنه يسير في الطريق الصحيح..

    يتوقف المطر، ويجف الرذاذ شيئاً فشيئاً، من فوق الأوراق، لكن الذاكرة المشتعلة تبدو متوقدة، تخشخش حجراتها، وهي تحرق بعض الأعشاب اليابسة، لكنها في طرف آخر تناوش عشب الذاكرة الأخضر.. تقول: كنت شقياً، ولكنك لم تكن مقداماً إلى درجة اقتحام الحواجز الخطيرة.. وكنت تخاف من العيون المتلصصة، والمنغرسة في أي نبرة صوت تصدر منك أو حركة لا إرادية قد تبديها، كنت تتحاشى الفضيحة وقد كانت العلاقة مع امرأة كانكسار للضوء، الأمر الذي كان يضطرك إلى اتباع تعاليم أمك، كانت تقول لك إياك وبنات الناس، لا تفكر في خدش حياء إحداهن، لأننا في قرية صغيرة، والهمسة تسمع كالضجيج، وكلمة خطأ واحدة يمكن أن تشعل حريقاً.. كنت تتلو على نفسك هذه النصائح، كنت تحفظها عن ظهر قلب، وكانت تتلبد في ذاكرتك كالغيمة السوداء التي لا تنثر مطراً، لكنها تحجب الشمس..

    يتبع ..

  7. #7
    عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    7 - 12 - 2012
    المشاركات
    77
    معدل تقييم المستوى
    49

    رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش

    .. تابع

    تقول.. إنك ما كنت تستطيع أن تخفي لوعتك تجاه إحداهن، بل كنت تنزوي بعيداً، وتختفي تحت جلدك، وتبكي.. لا تدري لماذا كنت تبكي بحرقة، عندما تستقبل عيناك إحداهن، ثم تمضي، في طريقك وكأنك لم ترَ شيئاً، لكن قلبك كان يدق نواقيس الخطر.. كان يخفق، بألم، وكنت تحاول أن تبدو طبيعياً، لكن عندما تخلو الطرقات من المارة، عندما يستقبلك الفراش تنهض الذاكرة متحدية تحفظك، مناهضة قدراتك الفائقة على إخفاء عواطفك.. فلا تملك غير البكاء، حتى تكاد تفقد صوتك.. بالفعل، كان صوتك يغيب. وأنفاسك تتقطع، ووجهك يشحب، لمجرد أنك تصادف تلك الفتاة الوردية.. كنت تسميها بينك وبين نفسك بالوردية، لأنها من دون الفتيات الأخريات، اللائي كن لا يختلفن عن سمات البيئة الخليجية، بياضهن يميل إلى السمرة، بينما تلك اليافعة البضة، كان بياضها يميل إلى الاحمرار المورد، والشعر الأسود المنسحب حتى الردفين، وعينان واسعتان، شهلاوان.. كنت تقول عنها إنها فريدة لا مثيل لها بين فتيات الحارة، الأمر الذي كان يحيرك حتى إنك كنت تقول: ربما لأنني أحبها، فأنظر إليها نظرة مختلفة.. أميزها عن الأخريات.. تقول.. كنت تحبها.. ثم تهز رأسك، لم يكن ذاك حباً، ولو كان كذلك، لبقيت إلى يومي هذا عالقة في الذهن، بل كان مجرد تعلق، كان حباً عفوياً طفولياً بالأنثى.. أي أنثى.. المهم، لا يجب أن أستغرق الآن في الحديث عن الحب، بل كل ما أريد أن أقوله، أنني كنت عندما ألتقيها في زقاق، أو أراها عند باب بيت من بيوت الجيران، أو أقابلها في عرس من الأعراس، كنت أنقلب رأساً على عقب، ترتجف أطرافي، وترتعد فرائصي، ويتلون وجهي، وينعقد لساني، وأتلاشى إلى لا شيء.. كنت أشعر أمامها باضمحلال، وكانت تتعمد التمختر أمامي، والسير بخطوات تغيبني عن الوجود.. ولا أشك أبداً أنها كانت تعلم بمشاعري، وتلمس ذلك، من تلعثم لساني، عندما تحدثني.. هي التي كانت تحدثني، وأنا أجيب بخنوع، وانكسار مريع.. عندما تغيب عن عيني كنت أحياناً ألعنها، وألعن سلالتها، على الرغم من تعلقي بها، كوني لا أستطيع أن أوقع بصري في وجهها لأتأمل محياها.. وعندما أخطف نظرات من عينيها أشعر بارتجافة كطفل صغير، يحاول أن يخفي سرقة عن عين صاحبها، ألوذ بالفرار، أذهب بعيداً وأظل أمضغ أحشائي، بالخزي وقسوة الإحساس، بالعجز أمام فتاة أريد أن أمتلك رضاها.. وتستطرد: في الحقيقة لم يكن ممكناً، بدافع رغبة جنسية، والدليل أنني لم أمارس العادة، متخيلاً صورتها، بل إن إحساسي بالضمور كان هو المسيطر، كانت تستولي على إرادتي، بحيث لم أستطع حتى إفشاء هذا السر أمام أقرب الأصدقاء.. أبو سيف، الذي كان كاتم الأسرار، لم يعلم بهذا السر الدفين حتى الآن، ولن يعلم به إلى أن يسلم الجسد أمانته.. لا أدري، كيف سكنت تلك الفتاة هذا الجسد، وكيف كانت أيضاً مخيفة. بالفعل كنت أشعر بالرعب والهزيمة أمامها، عندما أقابلها وجهاً لوجه.. لم تكن شرسة، ولم تكن جافة ولم يحصل قط أن عنفتني بكلمة نابية، بل كانت أحياناً تأسرني بكلمات، يكاد ينفطر لها قلبي، وأحس بأنها كانت تتعمد، مخاطبتي بهذه الرقة النادرة، التي لا تخاطب بها أحداً من أقراني، ولكن لا أدري لماذا.. بطبيعة الحال، كنت على يقين أنها لا تكن حباً لي، ولن تحبني، لأن شخصيتها ما كانت مهيأة، لبناء علاقة عاطفية تستمر إلى درجة الحب.. ولو فعلت هي ذلك، لكنت وكانت في مصير آخر..

    تقول: ما الحب.. أليس كان ذلك حباً؟ وإذا لم يكن كذلك.. ماذا نسمي مثل هذه العاطفة؟ أهي عاطفة خوف؟ خوف مماذا.. لم أكن أخافها، بمعنى الخوف المتعارف عليه.. صحيح كنت أشعر بحالة مختلفة، ينتابني شعور غريب، فأرتجف ويتصبب العرق من جسدي، وأبدو شخصاً آخر، لكنها لم تكن مخيفة.. المهم في الأمر، أنها فتاة لطيفة، ولم تكن مخيفة..

    تشعر بالرجفة.. وتذبل شفتاك، تدخن، تطارد الدخان، أم تحاول أن تطرد ارتجافتك.. تقول: كيف اقتحمتني هذه الرجفة فجأة.. أنا الآن لا أكن لتلك الفتاة أي عاطفة.. لا أكاد أذكر ملامح وجهها.. ما أذكره فقط اسمها.. تتذكر.. اسمها مريم.. مريم؟ أجل مريم.. تنهض قليلاً، تعتدل، تحاول أن تمشي بجوار الحديقة.. ترفع بصرك.. لقد سطعت الشمس، وتلاشت الغيوم إلا من سحابات متناثرة، لكن، السماء لم تعلن توقف البشر، السماوي عن الوصول إلى الأرض.

    تحاول أن تتذكر مريم، شخصيتها، أسرتها، المكان الذي تقطن فيه.. مريم، الفتاة التي خضتك، تقول إنك لم تحبها قط، بل كنت تشعر بما ينتاب الطفل عندما يقابل وجهاً مهيباً، وغريباً.. هي التي كانت تقترب منك، تتفرس في وجهك الشاحب، وكنت تتحاشى النظر إلى وجهها، وعندما كنت تسوق نظرة خاطفة، كان قلبك يقفز مذعوراً وكأنه يريد أن يفر من قفصك الصدري، تستلب لمجرد رؤيتك لها، تتلاشى في زاوية قصية حين تفاجئك وجهاً لوجه، في زقاق من الأزقة، وعندما تبتعد مختفية في اللاشيء، تحاول أن تستعيد صورة وجهها، المزدهر بأحلام أبدية، ترفض أن تشارك رفاقك اللعب، تنحط في ركن منسحقاً بأشواق خفية مبهمة، قوة غامضة تهاجمك، تفنيك، فتغيب في ظلمات مشاعر شائهة الملامح.. مريم هذه، بنت الحاج ضاحي المهيري، هو نفسه صاحب السدرة العملاقة.. رجل جهم، مكفهر، حانق دوماً، لا يحب الصغار وهم يلعبون بجوار بيته، يقف دائماً أمام باب الفناء الواسع، مستفزاً، مستنفراً، متلصصاً، متفحصاً وجوه الصغار، عندما يمر صبي بجانب باب بيته المغلق دائماً، كان يستوقفه، يحقق معه، يهدده بألا يسرق النبق المتساقط على الأرض.. والعصا الطويلة تهتز ورعاً بين يديه.. الحاج ضاحي المهيري كان يهدر دائماً، زاجراً الصغار بألا يعبثوا بالتراب بجانب بيته.. ومريم ما كانت تطل بهيئتها البهية، في حضور أبيها، كانت تلوب من بعيد، من دون أن تشعره بأنها حاضرة، وكنت ترتعد لمجرد أنك تلمح عينيه الحمراوين، ووجهه المجدور.. لم يكن لمريم أشقاء ولا شقيقات، كانت الوحيدة وأمها النحيلة البائسة لا يسمع لها صوت، بل كانت امرأة تجزل كثيراً في الطاعة العمياء لزوجها الطاغية..

    يتبع ..

  8. #8
    عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    7 - 12 - 2012
    المشاركات
    77
    معدل تقييم المستوى
    49

    رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش

    .. تابع

    تقول إنك كنت تسميه الطاغية، لأنك تهابه، وتخشاه، كما تخشى النظر إلى ابنته.. وقد ذكرت لك أمك، عن حادثة مهمة، أن ضاحي المهيري تروى عنه القصص في شبابه، أنه تشاجر مع أحد الجيران، فضربه ضرباً مبرحاً، حتى أماته.. مات الرجل ولم يقتص من ضاحي المهيري، لأنه رجل نافذ، وصاحب جاه، ومكانة عالية، لدى الحاكم.. كان صوته الهادر يهز أركان القانون فيلجمه عن قول الحقيقة.. من ذلك الوقت وكنت تهاب هذا الرجل.. ولكن، ما يجعلك في حيرة من أمرك، لماذا كنت ترتعش وجلاً، من مريم.. لم تكن مريم بسحنة أبيها، الواجم، بل كانت سمحاء، هيفاء، ممتلئة بمشاعر جمة.. رغم أنها ما كانت تظهر ما تكنه، لكنك كنت تستشف ذلك، من خلال استثنائك في الحديث، دون سواك من أقرانك.. إذاً لِمَ كنت تخاف منها؟ تقول، وأنت تستدعي كل قدراتك، وطاقاتك في علم النفس، لكنك لا تجد العلة التي تجلي لك الحقيقة.. الحقيقة التي تبحث عنها هي خوف الآخرين من أم الدويس.. ما هذا الخوف الذي يبدو طلسماً.. تستدرج الذاكرة، تفتش في الباطن، تسأل نفسك.. ما كنه هذه العاطفة التي كنت تبطنها لمريم، فإذا لم تكن حباً.. فماذا هي؟ تهز رأسك، تدخن ثانية، تنفث الدخان بكثافة.. تتقطع أنفاسك، وكأنك قطعت مسافة شاسعة جرياً.. تقول.. بلا شك أنني جريت كثيراً، ما فعلت في الدقائق الفائتة كان جرياً خلف قصة غابرة، نبشت كثيراً، فتشت، ولم أعثر على ما يشبه الحقيقة.. بدأ ضوء النهار يعثر على خطواته الأولى، ومشت، الشمس في السماء متنقلة مسارها الطبيعي، ونمت على الأرض، بعض خصلات عشبية، خضراء متمايلة مع النسيم وتفتحت خياشيم زهرات اللوز تحف أنفك برائحة زكية.. بينما جدلت النخلة قمتها بعقوص السعف، المستحم تواً، بالرذاذ، تمايلت الأشجار، وأنت تميل إلى أن تقتنع أن المثول أمام الطبيعة أمر يشيع البهجة، ومهما اكتأبت الجهات بغبار الاحتمالات السيئة، إلا أن ما تفعله الطبيعة يخلي سبيلك بقدر ما، ويجعلك تتنفس الصعداء.. الطبيعة بكل مكوناتها لا تخيف حتى الأشياء على غير هيئتها الطبيعية، كما تصورت مريم.. تتعلق بها ولا تعترف بأنك تحبها.. تتحاشاها، ولا تقول إنك كنت تخافها.. إذاً ما هذا الإحساس الذي كان يستولي على روحك؟ ما هذه المشاعر التي لا تجد لها تفسيراً علمياً.. ألست أنت كائناً غريباً؟.. تقول: الأشياء المجردة لا تتجسد لمجرد أننا نحاول أن نصنع لها تمثالاً من طين.. أم الدويس شيء مجرد.. الآخرون يجسدونه، في هياكل شبه مستحيلة، لذلك لم أزل أبحث عن الحقيقة.. كذلك مشاعري تجاه مريم.. حاولت أن أجسدها، في هيئة ما.. وكلما حاولت شعرت بالاندحار، الأمر الذي يستدعي مني جهداً مضنياً، كي أقف على الحقيقة.. لا حقيقة دامغة مائة في المائة، لكنها قد تكون شبه حقيقة وهذا يكفي لأن أقتنع بأنني توصلت إلى النتيجة التي تحقق ذاتي.. ثم تقول: ما هي ذاتي؟ أليست هي جزءاً من هذا النسيج الكلي الذي نسميه اللاشعور الجمعي، وهذا الكائن الخفي لم يزل خفياً، غامضاً، غائراً في الأعماق..

    لكنه مؤثر جداً.. قوي جداً، إلى درجة أنه يحيل شخصية عاقلة إلى مجنونة، إذا ما غضب هذا اللاشعور، أو تهور، أو شعر بأنه في حال الخطر..

    تصمت قليلاً.. ثم تزعق.. قائلاً: الآن تذكرت.. نيران.. تشبه إلى حد كبير مريم.. للوهلة الأولى عندما شاهدتها أيقنت أنني أعرف هذه الفتاة، منذ زمن بعيد، وأنها ليست غريبة على عيني.. تصهدت.. ارتعبت، تلبستني حالة من الهوس، وتخيلت أن اقترابي منها أكثر يعرضني للخطر.. خطر ما لا أعرف مصدره، لكنه قد يكون رجلاً قوياً قد يداهمني وأنا متلبس في ارتكاب الجريمة، فيقصم ظهري.. خيال ما لاحقني، أشبه بخيال ضاحي المهيري، ولكن ما يدهشني، ما الذي جعلني أستدعي في نفس اللحظة صورة مريم، وأدمغها في صورة نيران، وأضع الاثنتين في قالب واحد، وأقول إن نيران هي مريم، على الرغم من أن ما يفرق بين الاثنتين، أكثر من أربعة عقود من الزمن.. أليست هي مقاربة مشينة؟ عندما وقفت نيران قبالتي تخيلت وجه مريم، قلت هذه هي، فجأة ترددت، تقهقرت، كدت أزعق بصوت مزمجر، وأفر هارباً كالمطارد، لكني خشيت من الفضيحة، رجل تجاوز الأربعين، وقارب الخمسين يصعقه وجه امرأة، جميلة، ويهرب وكأنه فوجئ برؤية وحش.. بالطبع سوف تهزأ مني نيران، بل وتفزع من رجل يتصرف بجنون المصابين بالهستيريا، وأيضاً سوف يسخط من سلوك الناس الذين يجوبون الصحراء، وقد يلاحقونني، وقد يصفدونني بالأغلال، ويقتادونني إلى مخافر الشرطة.. الفضوليون كثر، الفارغون يملأون الصحراء القاحلة، فماذا يمنعهم من أن يتعاملوا معي كلعبة يلهون بها، ساعات فراغهم الطويلة..

    يعن عليك أنك، وقفت مبهوتاً، وارتبط لسانك عن الحديث.. حاولت أن تحرك شفتيك، فلم تفلح، فتنحيت جانباً، بينما كانت نيران، تعبث بخصلات شعرها، وتغنج بنظرات خفية، وكأنها البصيص القادم من الغيب.. تقول إنك حاولت أن تتوارى شيئاً، فكرت أن تلعن سلسبيل هذا الرابض داخلك المتربص بك، لكنك أفضيت إلى الصمت، وما كان بوسع نيران أن تفعل شيئاً غير أنها تناولت غصناً من شجرة الغاف. وراحت تلوح به في الفراغ، وكأنها تريد أن تقول لا جدوى من الصمت.. وكنت أنت تراوغ في مكانك، تلهج بلواعج، محتدمة، وتخفي في جوفك، نيران استعر وقيدها، تصورت نفسك أنك المحاصر بين فكي كائن مفترس.. وتقول.. حاولت أن تبتعد رويداً كي لا يغشيك الشعاع، أو هكذا تذرعت، كونك لم تجد الحيلة المناسبة، التي تنقذك من ورطة الموقف المريب..



    يتبع ..

  9. #9
    عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    7 - 12 - 2012
    المشاركات
    77
    معدل تقييم المستوى
    49

    رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش

    .. تابع

    استربت كثيراً، احترت، احترقت، توسلت إلى قلبك، أن يمهلك قليلاً فقد تعثر على الكلمة التي تفجر الأرض، لتنسل الينابيع العذبة من فجواتها.. لكن أيضاً دون جدوى.. ونيران تزهو بكبرياء أنثوي، مدمر، تهز تراتب الأرض، بهامة هيفاء.. تسجد لها، إخفاقاتك النازفة، عجزاً واضمحلالاً وضموراً.. شعرت بأنك ضمرت حيال نيران، كما كنت تنكمش في عيني مريم، وتفنيك نظراتها.. تهز رأسك، تريد أن تتخلص من هذا الوهم، تقول عنه وهم، لأنه لا سبيل للحقيقة أن تكون نيران هي مريم، فقد ذكرت سالفاً أن ما يفصل بينهما عقود من الزمن، والزمن لا يستولد أشياءه من رحم الفراغ.. مريم كانت صبية، قبل أكثر من ثلاثين عاماً، ونيران، اليوم، ترفل بريعان شباب، وكواعب أتراب، ولا شيء يدنيها من تلك.. إذاً لماذا توحدت الصورة؟ ألمجرد خيال.. تقول إنك، لم تحب نيران، ولن تحبها، ولكن، هناك قدرة ما تدفعك إلى أن تعرف سر تماثلها أمامك.. كيف خطر لها أن تتخايل أمام رجل، على الأقرب في سن أبيها.. وما سر ملاحقتك لها.. ماذا تريد أنت من معرفة كنه مشاعرها.. وما ظنك بهذه المشاعر؟

    تقول.. تعبت.. فعلاً تعبت.. أريد أن أستريح قليلاً..

    عند منتصف النهار، تمدد الشجر الأخضر، الملتمع، برونق الانتعاش، بعد صباح متعاف بالمطر، والنسيم الأنيق، وقف رجل، شاحب شحوب الموت، متكئ على عصا احتمالات البقاء منتصباً، كان وجهه شبه جمجمة قديمة، بارزة العظام، المصبوبة، كقطعة خشبية عديمة الجدوى.. كان ساهماً، متفكراً، يحدق بعينين غائرتين، مغشيتين ببياض السنين العجاف.. نظرت إليه، وكان قلبك يهتف بحبور بما تمتعت به الطبيعة من زهو وفخار، باليوم، المستحم، بعزيمة السماء السخية.. تقول إنك شعرت برغبة جامحة، لتقصي جذور التاريخ وأنت تحثو السواد بدخان سيجارتك.. ورغم عتو السنوات على وجهه، لكنك عثرت على طفولة بهية ترقص على الملامح، السمحة.. سرت صوبه، اقتربت منه، ألقيت التحية، وجنحت صامتاً متأملاً، مستقرئاً عنوان الدلالات المتسلقة على جبال الحمم البشرية، المسلوبة سلباً كأنها اللقى والأحفورات.. تطلعت إلى الوجه، كان يردد تمتمات مبهمة لم تفهم سر خروجها من الشفتين الذابلتين، لم تفقه ماذا كان يقول، لكنك كنت على يقين أنه لم يكن في حالة نفسية متسامية، بالفرح.. الوجه المكتئب لا يفسر معنى للفرح، والصمت المطبق يعني أن انشغالات ذاتية تجري مياهها في شعاب الوادي المقفر.. توجست برهة، وكنت تساوم نفسك على البقاء، حتى وإن صار الصمت، كلاماً يكفي لأن يفصح عن كآبة مزرية.. تقول إنك، لا تدري ما الذي دفعك إلى أن تقتحم عالم إنسان اشتق من هذا الكون الوسيع جزيرة صغيرة، ووقف يحدق في اللاشيء.. بعد مضي فترة وجيزة.. التفت إليك، قال في لهجة مقتضبة: المطر في هذا الموسم، المبكر، لا يبشر بالخير.. يفتك بالنخل، ويخرب طلعها، ويطيح بنبق السدر قبل بلوغه.. ثم يتأفف.. ويلتفت جانباً.. تقول: لكننا بحاجة إليه، ليغسل الأرض من الغبار..

    يهمهم في ضحكة ساخرة.. مبطنة.. يغسل ماذا.. ويطهر ماذا؟ الحياة كلها خربة..

    تبهت.. تقول: الحياة رائعة يا شيخ..

    يقول: بل مروعة..

    تقول: لماذا تنظر إليها، بعين البؤس؟

    يقول وهو يزم بوزه: لم نجد منها ما يفرح..

    تقول: هل لديك ما يتعسك إلى هذا الحد؟

    يقول: بل قل هل لديّ ما يغبطني؟

    تفغر فاك.. تقول: ألهذا الحد أنت يائس..؟

    يقول: لمجرد مطر ضئيل صار البيت كحوض سباحة..

    فهمت ما يزعجه.. تقول.. ألم تستعن بالإسكان..

    يشيح جانباً.. يتمتم.. الإسكان، مسكينة.. والناس أمثالي لا تعرف عنوانهم..

    تقول: ألم يبنوا لك بيتاً؟

    يقول.. مقطباً.. لا طبعاً..

    تقول: لماذا؟

    يقول: قلت لك، لم يستدلوا على عنواني ولا اسمي بعد..

    تقول: لكنهم، أنشأوا الكثير من البيوت..

    يلتفت ناحيتك.. لغير المحتاجين..

    تقول: كيف؟

    يقول: هم هكذا، يتناولون الأيدي الطويلة، أما أنا كما ترى ليس لي يد طويلة، إلا هذه العصا، التي لا تقتادني إلا إلى المسجد، ومن المسجد إلى البيت، وأحياناً أستعين بها لأقضي ما أنتفع به من السوق..

    تقول: ألم يساعدك أحد..؟

    يتنهد تنهيدة، شقت صدره، ثم يطرق في أسف قائلاً: كان زمان الذي تجد فيه المعين من الأهل والأقارب، والجيران. أما اليوم، فلو شق صوتك عنان السماء، وصرخت حتى يبح صوتك فلن يلتفت إليك أحد.. ثم يستطرد.. ما يخيفني أنني أخشى أن أموت، وأفطس في بيتي ولا يعلم بي أحد.. وهذا ما سيحصل بالتأكيد..

    تقول: وأبناؤك.. أليس لك أبناء..؟

    يقول متحسراً: جميعهم ذهبوا بعيداً. كلّ انشغل بحياته، ونسوا الأب، الذي شقي وتعب وربى، وعانى في تربيتهم..

    تنظر إليه.. تتفرس في وجهه، تغرق في المحيط الهادر، ومشاعر جمة تقتحم ذاكرتك، يسود الصمت، لكنك تغوص في جحيم الخوف.. تقول في نفسك.. الذي له أبناء يصفق اليدين بحسرة الفقدان، فكيف سيكون حال الذي لم يتزوج.. ولن يكون له أبناء؟! يقشعر بدنك، يتلبسك ذعر، وأنت تتصور هذا الرجل الواقف أمامك، وقد سلم الأمانة، ونام، في السكينة الأبدية، ولم يجد من يغسل بدنه ويكفنه ويحمل نفسه إلى النهايات القصوى.. تقول: سأكون مثل هذا الفطيس الذي نفق في غيبة الناس والأهل، وعاثت الديدان في جسده، وفاحت رائحته النتنة، ولم ينتبه إليه أحد، ولن تأتي الإسكان، لتبني بيتاً، لمواطن احتالت عليه الأزمنة فحولته إلى رفات ضائعة في حشد من الحشرات والدواب آكلة لحوم البشر.. بل سوف يقتحم رجال الإسعاف والإنقاذ، لينتشلوا الجثة الهامدة، من بين أنياب الدواب، ثم تلف في قماشة بيضاء، كما تلف الأشياء التالفة، ويقذف في حفرة ضيقة، تغيب به إلى الأبد، ولن يسمع به أحد، وإن سمعوا سيقولون: كان يسكن هنا وحيداً.. انبجس قلبك وأنت تجسد الصورة المأساوية، وشجنت روحك وأنت تعكس وجه الرجل الواقف أمامك، وكأنه مات فعلاً.. وكأنك تلبست الدور، وانحشرت على سريرك، مسجى بلا حراك إلى أن تلقى مصير الرجل المتسمم بخيالات سوداوية.. تنسحب رويداً رويداً، دون أن تنبس بكلمة، تتلاشى من أمامه، كالضائع في أتون الأرض المتآكلة بالإخفاقات والويلات، وهزائم الناس، الذين ليس لهم ولد، ولا سند غير الكمد، وحزم الفقدان، المتلاحقة إلى أبد الآبدين.. داهمك الخوف، وربما لأنه القدر الذي ساقه في طريقك لكي يخطف فرحتك بالمطر.. تقول: كم كنت سعيداً بالنث الندي، كم كنت ثرياً بالفرح الهاطل من السماء فجأة.. وأنت تغيب، ولا ترى غير شبحه، تقول: ما الذي جعلني أتطفل على الرجل، لأنبش أغواره المفعمة بالحزن اللئيم..؟ لم يكن حزيناً فحسب، بل كان خائفاً، وعلى الرغم من أن كل كبار السن يداهمهم الخوف من الموت، إلا أن خوف الرجل كان أكثر شراسة من خوف الطاعنين في السن، كان هو أيضاً شرساً، في تجسيده للمأساة، كان محطماً، كأنه الزجاج القديم المهشم على قارعة الطريق..

    تقول في أسف: لم يكن نهاراً طيباً، لم يكن لقاءً حليماً، وكنت متيقناً للوهلة الأولى أنه كائن بشري، جاء من غابة مقفرة، وكنت أشعر بأنه لم يختر هذا المكان الزاوية القريبة من الحصى المتناثر على التراب، لأجل التأمل في قرص الشمس المستدير، اللامع، كعقد ذهبي، رصع على نحر يافع.. كان ينتهي إلى ضياعه، مسترسلاً في رصد اليباب المهيمن.. لكنني اقتربت منه، بسملت وقلت لأقتحم عزلته.. كانت عزلة أشبه بالموقد، المتصهد بخشب النيران، كانت نيراناً بألسنة جحيمية عاتية..

    تقول: الوحدة تشكل الحياة بألوان قاتمة، تذبل عندها أوراق العمر، ويخذل الروح، العصيان، المتهور وتدهور العزيمة.. لم يكن الرجل يتحلى بأقل القليل من البهجة، كان يفكر في المغيب الذي يتمناه أن يأتي، ليهجع إلى مضجعه وينام، فقد تكون النومة الأخيرة، كان يحزم حقائب السفر إلى المجهول، بعد أن نهرته الجهات، وتأسفت الحياة عن مده بحبل النجاة.. عدت إلى مخدعك، مرتعشاً، راجفاً، واجفاً قلبك، داهمك خوف مريع، استوطنك غصباً، تحاول أن تطرده، تحاول أن تستعيد لحظة من لحظات النهار التي مرت بمطرها السخي، لكن دون جدوى، طوقك إحساس رهيب وغريب.. الوحدة، وتبكي، ثم تأخذ سيجارة، وتدخن، تضع يدك على صدرك، وتقول: أخشى أن تكون هذه السيجارة الأخيرة، الدخان الكثيف يخنقك، يأسر حنجرتك، وتستريب من المبالغة في التدقيق.. تقرأ التحذير على طرف علبة السجائر، «التدخين سبب رئيسي في أمراض الرئة، والسرطان».. تطفئ السيجارة، في المنفضة، تطحن العقب بين أصبعيك، ثم تطرق يدك متخلصاً من الرماد.. يحتويك الخوف من العزلة، من السيجارة، من لا شيء، لكنه خوف عملاق وضخم، يتأهب لينشب أظفاره في عنقك وتتهيأ أنت للهروب، تنهرس تحت الملاءة القطنية، تغطي وجهك، أنفاسك المتقطعة تصدر خريراً مخيفاً، تخاف أكثر، تريد أن تهرب، وأن تفر من خوفك، تتجمد تحت اللحاف، تهمد ويبرد جسدك.. تشعر بالجوع، لكنك تفقد الشهية لتناول أقل القليل من رغيف الخبز، وشرائح الجبن المعتادة..

    يتبع ..

  10. #10
    عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    7 - 12 - 2012
    المشاركات
    77
    معدل تقييم المستوى
    49

    رد: رواية أم الدويس / للأديب علي أبوالريش

    .. تابع

    تقول، منذ متى ولم أذق طعم الأرز..؟ الأيام تمر وتخذلني بمشاهدها المخزية.. آخر مشهد هو هذا الرجل المستلب، كان يجلب الفراغ، ويرضع من ثدي الفقدان، ريقه الناشف يدل على أنه لم يذق طعم الأكل.. عظامه النافرة تند عن فقدان شهية.. نظراته الصفراء، ووجهه القاني، حكاية أسطورية مفزعة.. تحاول أن تزعق لتطرد الخوف، تحاول أن ترفس الملاءة، لتكشف عن جسدك، لتتأكد إن كان موجوداً أم انكمش إلى غير رجعة.. ترى الأشياء تضمحل، وأنت تذبل، وخوفك يكشر عن أنياب حادة.. تقول: هذا لم يكن قط خوفاً وهمياً، كما رأى أبو سيف، هذا خوف حقيقي رابض في أحشاء الكون، كله.. الذين يخافون محقون في مشاعرهم، لأن الهزيمة هي الحقيقة الدامغة.. تصمت قليلاً، تسمع صوت مواء، من خلف النافذة، تتيقن أنها قطة، تجوس بحثاً عن طعام.. أو ذكر.. ربما أنها تهفو للمضاجعة.. ولكن، عادة القطط أنها لا تبحث عن ذكورها إلا في أنصاف الليالي.. والوقت لم يزل في ريعان شبابه.. تحاول أن تتجاهل المواء، تحاول أن تمكث على السرير، كي لا يتلقفك الخوف، آتياً من الفراغ..

    تقول.. لقد صار الخوف، كائناً حياً، له أنياب، ومخالب، وعينان حمراوان، ووجه محتقن بالعدوانية.. أصبحت على يقين من أنه يستطيع أن يستولي على أي إنسان يريده. كما تفعل أم الدويس.. تردد.. أم الدويس.. أم الدويس.. هي الخوف بذاته، بشحمه ودمه ولحمه.. أم الدويس التي أبحث عنها في كل مكان، تسكن في كل مكان.. ربما تكون القطة الحائمة حول النافذة، هي نفسها أم الدويس.. تتوجس.. تقول: لقد اتهمني أبو سيف بالمعقد، قال إنني إنسان مصاب بمركب نقص.. كوني أرفض الاقتراب من أي امرأة.. تستدرك قائلاً: الصديق النزق يريدني أن أكون دونجواناً، وإلا سيصمني بعار العقدة النفسية.. من المخزي، أن يتبرأ منك أقرب الناس إلى قلبك، وينبري، كالقاضي الجهم، يحكم بالإعدام، من دون أن ينظر في تفاصيل القضية الأساسية.. أنا أحبه، وهو يخذلني بعباراته النابية.. يهدأ روعك قليلاً، تشعر بأنك تخلصت من ربقة الخوف، أو أنك تحاول أن تتحرر من مخالبه المسننة.. تنهض من الفراش، تغادر السرير، وتفتح النافذة.. تنظر إلى المدى البعيد.. مازال الرجل الكهل يربض في مكانه، وربما يريد أن يشهر موته ولا يود أن يغطس في مأواه المنزلي.. بعد أقل من ساعة، سوف تحط الشمس في مكان آخر، وتترك لنا الظلام، تنغرس في المساء الرمادي، وقد غطت الظلال مساحة واسعة من الكون، حتى بدا وجه الرجل البعيد أشبه بسحابة صغيرة قاتمة..

    أغلقت النافذة، عدت إلى مأواك، اضطجعت ودفنت رأسك في الوسادة، تقول: كل هذا التلوث الذي يطوق الأرض وما عليها لم يقتل الناس إلا السيجارة.. هذا وهم طبي جديد.. وقد تكون حرباً ضد صناعة السيجارة.. تدخن، تنفث الدخان بشهية منفتحة على الحياة.. تستمر في نفث الدخان، ويستمر الدخان يحوم حول رأسك، فالهواء المحتبس في الغرفة لا يحرك ساكناً.. ترفل قليلاً بنشوة الحياة، تبتعد رويداً عن المنطقة السوداء، وتحتل جانباً من التفاؤل.. تقول: لقد اشتقت إليك.. يجب أن أزورك غداً، رغم نذالتك أحياناً.. تقفز مريم، فجأة، تحت الضوء الخافت، تتسلل تحت الملاءة، تداهمك، بلمسة حانية، تفر أنت، وتشهق شهقة، تشق عنها صدرك، الواهن.. تريد أن تشرب ماء، تريد أن تبل شفتيك بالماء لا الرضاب.. تزيح الملاءة وتنزع غطاء القنينة الصغيرة، تدلقها في جوفك، دفعة واحدة.. ثم تعود متسللاً إلى الفراش، بهدوء تقول: كيف اجتاحتني فجأة، من دون سابق إنذار.. ربما لأنني تذكرت أبا سيف..

    تقول الأفكار كخرز المسبحة، تتتابع، وتتلاحق بين أصابع الذاكرة، وكلما انتهيت من فكرة غزتك أخرى، وبنفس الوميض.. أبو سيف الوحيد الذي يملأ مخيلته بصورة مريم.. تتصفح دفتراً قديماً، تخرخش الصفحات بين أصابعك، كالأفكار التي تعبث بذهنك، بعض عبارات سجلتها، في هذا الدفتر، مليئة بالخربشة، والكلمات المبهمة.. تقول: هذا الدفتر أهداني إياه أبو سيف، قال لي خذه هدية، وسجل ملاحظاتك اليومية، تفيدك في بحثك، لكنني لم أسجل فيه ما يفيد.. مجرد جمل متنافرة، لأفكار مبعثرة.. طويت الدفتر، ركنته جانباً.. داهمك التعب، فاستلقيت ساهماً، مبحلقاً في سقف الغرفة.. وبعض شظايا الخوف، تلسعك كالإبر المسننة.. مازلت خائفاً..

    تقول: أحلم غالباً بأن تعود بي الأيام، لأعيش في بيت الطفولة، المنزل القديم، المحفوف بأشجار اللوز والسدر والنخل، وشجرة التين العملاقة التي كانت تتدلى أغصانها، ثمار التين اليانعة والتي كانت محط أنظار أطفال الجيران.. أحلم، والأحلام حق مشروع لأي إنسان، ولا يستطيع أن ينازعك عليه أي كائن كان.. البيت القديم، الذي نشأ من الطابوق والأسمنت، وغرفه المسقوفة بالألواح الخشبية، المعمدة بجذوع الشجر.. شجر الصنوبر.. وحيث الفناء الواسع، المفتوح على السماء والنجوم، والقمر والشمس، ثم البيوت المتجاورة، متلاصقة الجدران، والأشجان، وقد تفصل بعضها أزقة ضيقة حالمة برائحة التراب، وصراخ الصغار، العابثين في الرمل، في احتفال وجودي مثير.. أحلم، غالباً بأنني أنام على السرير الخشبي، الممهد بحبال مشدودة، ومجلودة، ومعقوصة أطرافها، عند العوارض الخشبية، وعليها يطرح مهد الهدوء، والسكينة، وأحلام الطفولة، وابتسامات ما قبل النوم، وشخير السبات العميق، الذي لا تنغصه كوابيس، ولا تنكده عوارض ليلية مقلقة.. وأنا هنا على هذا المخدع، المصنوع من نشارة الخشب، الصاخب بصريره، وتوجسه من أي وعكة صحية تلازمه إثر انفكاك مسامير الغش التجاري، أتقلب، وأحبس أنفاسي، وأنظر إلى السقف المسلح بالحديد والقوالب الأسمنتية الصلبة، وأنطرح على الفراش، كمن ينتظر لحظة النطق بحكم الإعدام.. لا أدري لماذا دائماً تلاحقني هذه الرجفة، لا أدري لماذا أفكر بسوداوية مقيتة، وأتجرع الخوف من أن يداهمني خطر من أي جهة ما.. لم أرتكب أي جريمة، لم أخطئ خطأ يستحق هذا الذعر، ولكن إحساسي يقول إنني سأواجه أياماً عصيبة، ما يجعلني أتوجس دائماً.. ذاك الرجل الأشيب، قصم ظهري عندما أبدى تشاؤمه من حياته السالفة، والمقبلة، شعرت بأنني في حديث شخص ربما يشبهني، وعندما حاولت تهدئته، وكأنني أريد أن أهدئ نفسي..

    أحياناً تقودك الصدف إلى مواقف، ومشاهد، تبدو كأنها حتمية.. أشخاص، يقابلونك لا تعرفهم، ولا علاقة لك بهم، لكنهم ينطقون بلسان حالك.. لم أصب بالدهشة عندما تمتم متذمراً من حاله، لأنني ربما كنت أحمل نفس الهواجس، وعندما فضفض عن باطنه شعرت بأنه يعبر عني لا عنه فحسب.. شيء من السعادة انتابني، لمجرد شعوري بأن شخصاً ما يعاني، على الرغم من إحساسي بالغبن، عندما يشاطرك الناس همومك، تهون عليك، تخفف عنك، فلا يغبن الإنسان إلا إحساسه، بالتفرد بالمصيبة.. لذلك فدائماً ما أحلم بالمنزل ذاته، لأنني عندما أتخيل النساء اللائي يزرن أمي ويجلسن في فناء المنزل، في أوقات المساء، بعد أن تحط الشمس رحالها، ويغط الطقس، في خميلة الجو البارد شيئاً ما، وتدار الأحاديث الوردية، على رشفات القهوة المحمصة، والشاي أبو وزة، تصير السماء زرقاء، والأرض مورقة بنعيم الأصوات الهامسة، النساء لا يتحدثن إلا عن أزواجهن، ومغامراتهن الليلية، يغمزن ويلمزن وتطير الألسنة من الأفواه المفتوحة، مبللة بالريق، المعشق بلون الشاي والقهوة.. والصغار يسترقون السمع، ينصتون بإمعان، يستلذون بالعذوبة، وتستهويهم المحطات الدافئة في محيط النساء..

    جداول من الكلام تسيل وهن يقشرن حبات عباد الشمس، أو البيذام، أو الجوز، أو الميز، ويقذفن بالقشور، عند منتصف السيقان المفرودة فرداً كأنها أعواد منسقة بألوان قوس قزح، بالسراويل الشفافة، الفضفاضة، ما يمتع أجسادهن بحرية الحركة، والانعتاق، من أطواق السراويل اللاصقة.. وعند الدكك المقابلة عند أبواب البيوت، يتسمر الرجال يتسامرون، ويستعيدون في لغة الكلام حديث الذكريات.. وكما أتذكر الآن وقتاً مضى، كانوا هم يتذكرون أوقاتهم المنصرمة، وينصرفون في سجال حميم، ينبت أعشاباً خضراء، عند الشفاه المنمنمة.. عندما أحاول أن أعود من مسافات بعيدة في الذاكرة، أشعر بصعوبة التقهقر، وكأنني أنوي أن أعبر وادياً سحيقاً أو جدولاً عميقاً، أنظر إلى نفسي، أنظر من حولي، أفكر ملياً، ثم أعبر لكنني أعبر على مضض، لأن العبور إلى ضفة مجهولة يجعل من المجازفة شيئاً عصيباً، لكنني لا أستطيع أن أمكث في المكان نفسه، عند نقطة الصفر، فلا بد لي أن أعبر وأن أجتاز المسافة الواسعة، لأكتشف أنني بعد حين وطأت مكاناً جديداً، لكنه غريب، مشحون بكل ما يثير الريبة، في النفس.. رحلت إلى أماكن متعددة، خضت في شعاب ووديان وقفار، وكانت قوة خفية تدفعني إلى أن أغامر، وأمارس هواية البحث عن المجهول، أقول مجهولاً وربما يكون كذلك، لكنه بالنسبة إليّ أصبح ملحاً، وضرورياً، كوني أريد أن أمسك بزمام قضية أضحت ذات أهمية قصوى.. لقد هزأ بي صديقي أبو سيف، وضحك ضحكات مجلجلة، كوني قلت إنني أريد أن أعرف عن جذور أم الدويس، واعتبر ذلك شيئاً من الجنون، في أن ينبري شخص في هذا القرن الواحد والعشرين، ليبحث عن خرافة.. قد تكون خرافة، ولكن أريد أن أسأل عن حقيقة الخرافة، وكيف اتحد العالم أجمع على الإيمان بها.. لكنه لامني كثيراً، وعندما اصطحبني إلى الشيخ ضاوي، إنما رافقني مجاملة، وكان ينظر إلى الشيخ بنظرات لا مبالية، وكلما غاص الرجل في التفاصيل، وبحلق عينيه، لكزني بكوعه، حتى خشيت أن ينتبه الشيخ، وتكون بالنسبة إليّ فضيحة، فأنا الذي جئت أسأله، فمن الواجب أن أنصت وأحترم تعاطيه مع القضية بكل جدية، وحماسة، وإخلاص. لم يكن صديقي مقتنعاً، كما أنه لم يقتنع بأي شيء، هو في شخصه متذمر، ناقم، هازئ، مستخف بكل شيء، لكنه لا يقدم بديلاً، الشيء الوحيد الذي أنتجه عقله الجبار هو العزلة، وامتهان النساء، كأوعية يقذف في أجوافهن حثالته، ثم يلعق رضابه ممتلئاً بالفخر والاعتزاز بما أنجزه من مشاريع خيالية لا تخطر إلا بباله هو..

    تطل من النافذة، تقول: الوقت يمضي، كما أنه يستعجل، مجيء نهاية البشر.. لون رمادي، يكسو المحيط المجاور، وبعض الظلال، الخفية، وأضواء نيون، بدأت تشع بأنوارها على رؤوس الأعمدة الحديدية، وكذلك بعض البيوت، التي أضاءت أفنيتها بالمصابيح الصغيرة.. اختفى الرجل، كما اختفت المنازل المقابلة، للقرية القديمة.. بيوت المعيريض الأزلية، لا تبدي وجوداً بعد مغيب الشمس، تطمس رؤوسها في الرمل، لتصحو في النهار الثاني، وهكذا، الناس الذين في الأزقة أشبه بالأشباح، وأغلبيتهم من الغرباء، الذين هطلوا مع هطول النفط، في أماكن متفرقة من البلاد عدا هذه البقعة الشاحبة.. تستغرق وقتاً طويلاً، وأن تغرس ناظريك في العتمة لتحدد ملامح البيوت، وتتوخى صبراً في تحري الرؤية الجيدة، للأزقة السوداء التي بدت كخنادق مهجورة.. لكنك لا تستطيع التخفف من وزر هذه المشاعر الدفينة، المتدافعة كالشلال، عندما تطل على الأطلال، ترى أمام عينيك مشاهد، وشواهد، تاريخاً، تجلى بعضه، وانجلى بعضه، مطموساً في ثنايا هواجس ما.. تفتح علبة السجائر، تدخن، ثم تعود إلى النافذة، تقول: النافذة، الصديق الوحيد الذي لا يكذب، ولا يخون.. تريك الواقع كما هو، لا تصفق ولا تلفق، فأنت تحدق في المكان تراه كما هو، وعندما تقفل الضلفتين، وتطرح جسدك المتعب على الفراش، فإنها تظل تحرس المكان لتعود أنت ثانية، وتجده كما هو إن لم تغير فيه يد الإنسان.. تقول: صرت أحب النافذة، وأشفق على صمودها الأبدي، وهي تقف مصداً صلداً في مواجهة الأمطار والرياح، وعيون المتلصصين، ومخالب الكائنات الفضولية، فالنافذة ليست أفواهاً مفتوحة، بل هي أيضاً صناديق أسرار وحافظات لنوايا وقيم.. يعتم الوقت، تودع مفتوحة، وتعود إلى سريرك، تستلقي بعد أن أطفأت السيجارة المشتعلة، وأطفأت أيضاً بعض حنايا الصدر المشتعل، بالكون.. تقول: أريد أن أجوب ثانية في الصحراء.. وأزور صديقي أبا سيف..

    يتبع ..

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •