|
|
نَقْدٌ أم نميمة؟
مقال خيري منصــور
دار الخليج
ما جدوى النقد إذا كان المنقود قد تحولت عظامه إلى رميم، وطوى التاريخ ملفّه؟ إن قيمة النقد هي أساساً في التوقيت والتزامن بين ما يقال وما تجري مراجعته في العلن، وعلى رغم أن العرب ورثوا حمولة من المواعظ التي تحرض على كلمة الحق في حضرة الجائرين سواء كانوا سلاطين أو قياصرة وأباطرة، فإن النقد يأتي دائماً متأخراً عن أوانه، وذلك لسببين على الأقل، أولهما الخشية من العقاب والتهرب من دفع الثمن، والثاني محاولة في إعادة إنتاج الوقائع، لعلّ هذه الإعادة تتيح لمن يمارسها دوراً لم يقيّض له أن يمارسه من قبل، ومنذ عقدين من الزمن، ونحن نقرأ ونسمع شهادات بأثر رجعي عن العقود الستة الماضية التي شهدت حراكاً سياسياً عربياً أعقب الاستقلال، بدءاً من ثورة يوليو المصرية، مروراً بثورة العراق عام 1958 وليس انتهاء بعشرات الانقلابات العسكرية والحركات التصحيحية والانشقاقات في معظم العواصم العربية .
إنها فلسفة عودة الوعي، لكن على طريقة الراحل توفيق الحكيم الذي حاكم ثورة يوليو ورموزها بعد فترة من الانحياز والحماس والتبشير بشعارات تلك الثورة، لماذا لا يعود الوعي إلى الساسة والجنرالات إلا بعد رحيل الزعيم الذي كان في حياته وليّ النّعم، والمعصوم من الخطأ؟
إن معظم من مارسوا مثل هذا النقد لم تكن لديهم الصدقية الكافية التي تدفع الناس إلى التعامل مع ما يقولون بجدية، لأنهم فوّتوا على أنفسهم فرصة الشهادة في أوانها، خصوصاً أن هذا النقد المتأخر عن أوانه يوظف على الفور لصالح من تولوا السلطة بعدما غربت شموسهم . وتحول هذا النمط من النقد الاستثماري إلى عرفٍ سائد في أدبياتنا حرمنا وسيظل يحرمنا من فوائد المراجعة والنقد، ما دام الأشخاص الذين يجري تشريحهم قد رحلوا ولم يعودوا قادرين على الدفاع عن أنفسهم، ونحن نعيش زمناً تراجعت فيه الكوابح وأصبح الخجل كامتياز آدمي في خطر، فمن تبادل مع زعيم بضع جمل في مناسبة عامة، قد يكتب مجلداً عن مذكراته وفي العمق منها صلته بالزعيم، وثمة مثل شعبي يقول ما من أحد أكذب ممن تغرّب أو مات جيله، لأنه سيكون في حلٍّ من أي احتراز أو خشية من المواجهة . ويقتضي الحد الأدنى من الفروسية أو المناقبية الفكرية ألا يبقى الراحلون المعتدى عليهم في غيابهم من دون محامين أو مدافعين عنهم، لأنهم لم يكونوا أبالسة أو شراً خالصاً، بالتأكيد لهم أخطاؤهم ومنها ما هو جسيم، لكنهم اجتهدوا ولم يجدوا بجوارهم من يهمس في آذانهم ناصحاً، لأن الجميع في هذه الحالات يتحولون إلى كومبارس، ويصفقون لكل ما يصدر عن الزعيم حتى لو كان سعالاً أو عطسة .
إن النقد الذي يرتجى منه أن يفحص خطاباً ما ويفرز قمحه من زؤانه، يجب أن يكون في أوانه تماماً، وبغير ذلك يتحول إلى تصفية حسابات لا ينتفع بها إلا من احتقن قلبه وكظم غيظه في حياة الزعيم .
ولا ندري لماذا انهمر النقد غزيراً خلال هذه الفترة لكل ما أنجز خلال نصف قرن؟ بالطبع لم يشرب الذين ينقدون “حليب السباع” لأن المهمة يسيرة ولا تتطلب أي قدر من الشجاعة ما دام المنقودون قد غابوا إلى الأبد ولم يجدوا من الندماء القدامى ومن زينوا لهم حتى الخطايا، من يتولى إنصافهم، لأننا نعيش زمناً يصدق عليه المثل السقيم القائل “فأر ميت خير من أسد حيّ”، والحقيقة ليست كذلك على الإطلاق، لأن هناك موتى يسهرون في قبورهم على الأحياء، ويواصلون الإشعاع والنفوذ برغم غيابهم .
إن هذا الذي يسمى نقداً ليس سوى نميمةٍ أو تسديد ديون بعد إضافة نسبة من الربا الثأري .