العمق الرمادي: فصول من سيرة حياة
مقال: سمير الشريف،،
الدستور الاردنيــة،،














يعرف يفغيني يفتوشنكو بوصفه أحد أهم شعراء روسيا المعاصرين بجرأته على الجهر بما هو مسكوت عنه في المجتمع ، متفرداً ، متمرداً ، محافظاً على بصمته الخاصة ، معبراً عن المشترك بين الناس ، ناقلاً في شعره آهات الآخرين ، صاحب قدرة على صدم الرأي العام ، صوت ذو حدة وعناد ، تميز بجولاته النقدية ونضاله السياسي وتمثيله السينما.




سبقته شهرته إلينا بعد أن تخلفت الترجمة في لغتنا العربية حتى عام 1970 ، عندما فعلتها المستشرقة الروسية إيلينا استيفانوفا ، بمراجعة الشعراء: نزار قباني ، وأدونيس ، والحيدري ، مع مقدمة بقلم الشاعر.


كثير التجوال عبر العالم ، شعاره: "أجمل اللقاء ما يأتي دونما تخطيط".


زار الشاعر أوروبا في بداية الستينيات من القرن الفائت ، وأجواء الحرب الباردة ، واستقبل ـ يوم عودته إلى بلاده ـ استقبالاً يليق بالزعماء.


أشاد به خرتشوف في خطاب رسمي. لم يكن عضواً في دكان سياسي ، بل منحازّ إلى "حزب الحزبيين": هذا الحزب الذي قرر ، عام 1965 ـ في مؤتمره العشرين ـ كشف جرائم المرحلة الستالينية ، وكان مما قاله:


"أنا لم أحرك أي ركود ،

لكنني ، فقط ،

سخرت من الزيف والتهويل:

كتبت مقالات

ولم أكتب تقارير الوشاية ،

وحاولت ـ دائماً ـ

كل ما أفكر فيه.

نعم ،

لقد دافعت عن الموهوبين ،

ودفعت عديمي المواهب:

المتسللين إلى صفوف الأدباء ،

وذلك ـ على العموم ـ هو الواجب."


سيرة الشاعر شهادات حية من فضاء الواقع الثقافي العام ، الذي يختنق بهواء الواقع السياسي الكالح والكابح ، ومسيرة الشعر الروسي القديم والمعاصر: منذ فجر ثورة أكتوبر حتى بداية الستينيات.


الشعراء ، لدى شعب روسيا ، هم قادة روحيون ، وأمناء على الحقيقة. والشعب ، في عيون شعرائه ، ليس مجرد قراء ، بل بوصلة مرشدة للحقيقة.


كان يردد ، دوماً ، حكمة المرأة التي نصحته ، ذات يوم ، بقولها: "أكتب الحقيقة: فقط الحقيقة. ابحث عنها فيك ، وانقلها إلى الشعب ، وابحث عنها في الشعب ، وضعها فيك" ، وقد فعل ذلك مبكراً ، برقة الشاعر ودقة الناقد: بأناقة أسلوب القاص ورشاقة السينما: بحماسة المناضل وفراسة الإنسان البسيط: بذوق فني رفيع وإحساس مرهف نابض وحنان إنساني دافئ وحميم.


هذه الكتابة لم تكشف القناع عن خداع العهد الستاليني فحسب ، بل كشفت عن كثير من أسئلة تلك المرحلة القاسية ، حتى قيل إن الشاعر تنبأ ـ في تلك المرحلة ، وعن وعي أو من دون وعي ـ بذلك الانهيار قبل الأوان ، وفي هذا ما فيه من قدرة الشاعر على الاستبصار والاستشراف ، حسبما أبانَ ديوانا الشاعر: مستطلعو المستقبل ، وطريق المتحمسين.


في مقدمة ديوانه المترجم إلى العربية ، كتب الشاعر مقدمة لافتة: "من السخف والتملق أن يكتب المؤلف بنفسه مقدمة لكتابه: على الكاتب أن يقول كل شيء عن ذاته ، وأن يسير على الأرض من دون الارتكاز على عكاكيز المقدمات ، التي ـ وإن كانت تسند المؤلف ـ فإنها ، في الآن نفسه ، تثير لدى القارئ الشك في القيمة الحقيقية للكتاب".


"سيرة الشاعر الذاتية هي قصائده ، وما عدا ذلك فليس سوى تعليق. على الشاعر ـ كي يحظى بإمكانية التعبير عن حقيقة الآخرين ـ أن يدفع الثمن بالكشف عن حقيقته. ثمة شعراء يصرون على الكتابة ، حتى عندما لا تعود حياتهم تطابق شعرهم: فينتقم الشعر منهم بالتخلي عنهم. الشعر امرأة حقود لا تغفر الكذب. ليس الشكل الذي ترتديه طريقة التعبير هو ما يميز الأحياء ، بل وجدانية الفكر. لا توجد سيرة ذاتية لا تعكس ما بداخل كل إنسان من تميز وتفرد. إنتاج الشاعر الحقيقي هو الصورة الحية التي تتنفس وصورته الشخصية الدائمة والشاملة.


ينبغي أن تكون للشاعر شخصية خاصة لكي يتمكن من التعبير في إنتاجه عما هو مشترك بين كثير من الناس. أريد أن انقل ، عبر قصائدي ، أنفاس الآخرين من دون أن أنفي أناي. أنا مقتنع أنني ، يوم أفقد هذه الأنا ، سأفقد قدرتي على الكتابة.


ولدت من أصل أكراني. كان جدي جندياً بسيطاً خلال الحرب الكونية الأولى ، كان أحد أهم دعاة حركة الفلاحين ومنظميها. التحق بالأكاديمية العسكرية ، وتخرج برتبة لواء ، لكنه ظل فلاحاً مخلصاً لبساطته. آخر مرة رأيت جدي كنت في الخامسة ، وما زلت أذكر ، جيداً ، لقاءنا الأخير عندما ردد الحان السجناء الحزينة ، وأناشيد الاضطرابات. ومنذ تلك اللحظة لم أر جدي أبداً.


قالت لي أمي إنه رحل بعيداً. ظلت ، بعدها ، أمي تقف لياليَ عدة في الشارع ، وسط النساء يتسقطن الأخبار إن كان أزواجهن وأبناءهن لا يزالون على قيد الحياة.


في كل يوم كان يتعاظم الخطر الأكبر الذي يمكن أن يهدد شعباً: الطلاق بين السلوك والمعتقد. كان أبي وأمي شخصين متناقضين. كل متاعب أبي لم تمنعه من الارتباط بفتاة نحيلة متطرفة. لم تكن أمي تتمتع بثقافة والدي. أنا مدين لأبي بتعليمي وغرس حب الكتاب في داخلي ، كما أنني مدين لأمي بتربيتي على حب الأرض والعمل. لذلك ، فأنا أعتقد أنني نصف مثقف ونصف فلاح. ولذا ، كانت الصفة الأولى تعوقني ، إلا أن الصفة الثانية كانت تحميني من السقوط في العجرفة ـ كالكثير من المثقفين.


قرأ أبي كثيراً: كان متبحراً في التاريخ. أنا مدين لأبي بالجميل لأنه قرأ عليّ الكثير ، منذ طفولتي المبكرة. يمتاز أبي بذاكرة قوية ، ويحفظ ـ عن ظهر قلب ـ العديد من القصائد ، ويجيد إلقاءها. بمساعدة والدي ، تعلمت القراءة في السادسة ، وفي الثامنة قرأت كتب خزانته بانتظام. عشت في عالم من الأوهام: لا أرى شيئاً أو أحداً من حولي ، بل ولم انتبه إلى أن والديّ قد افترقا من قبل ، وهما يخفيان عني ذلك،.


في عام 1941 بدأ الهجوم الألماني على بلادي. كنت أتصور أن الناس لا يتألمون إلا في الكتب، بدت لي بداية الحرب زاهية الألوان. كنت أحب أن أتطلع للأنوار الكاشفة وهي تكنس سماء موسكو. لم توحً لي بغير المتعة والإعجاب. كنت أحب عويل صفارات الإنذار ، وأحسد الشباب الذين يتسلمون الخوذ والبنادق ويرحلون للجبهة.


في خريف 1941 نقلت مع أطفال كثيرين ، سافرت بالقطار المكتظ بالنساء والأطفال ، كانت ستون عربة من الأحلام والدموع تزحف ببطء ، وفي الاتجاه المعاكس كانت ناقلات محملة بالعتاد تسير نحو الجبهة.


في زيما ، عشت مشهداً من أروع المشاهد التي أثّرت فيّ وطبعتني مدى الحياة: حفلات زفاف ,1941 كانت عملية تعبئة الشباب تجري على قدم وساق: يومان للوداع ثم الرحيل للجبهة. كان هناك فتيات كثيرات يقبلن أن يصبحن أرامل بعد أن يتزوجن بمن أحببن مدة يوم واحد. شاركت في كثير من هذه الأعراس التي كانت فيها ليلة الزفاف هي الأولى والأخيرة. تلك الذكرى لها تأثير أقوى من أجمل الخطابات حول ضرورة النضال من أجل السلم. كلمة السلم ليس لها مدلول إلا لأولئك الذين يعرفون هول الحرب. كنت مديناً للحرب التي علمتني معنى كلمة سلم ، ولأنها جعلتني أدرك معنى الوطن. تعلمت أن الوطن ليس مجرد اصطلاح جغرافي ، بل صورة الناس الأحياء. أحتقر النزعة القومية. العالم ، بالنسبة لي ، لا يتكون إلا من أمتين فقط: أمة الناس الطيبين ، وأمة الناس الأشرار. أنا من الأمة العالمية للناس الطيبين ، لكن حب الإنسانية يمر عبر حب الوطن.


لقد كرسنا جهودنا ، جميعاً ، من أجل النصر. اشتغلت في الحصاد ، وجمعت أعشاباً طبية لمعالجة الجرحى ، وبدأت الكتابة نثراً في بداياتي. كان الحصول على الورق صعباً. كان التلاميذ يكتبون درس الإملاء بين سطور الصحف المليئة بالبلاغات العسكرية. لم أكن كتبت الشعر بعد. كنت أسجل ، بعناية ، بعض الأغاني الشعبية. كنت أجمعها بسبب خوف شعوريّْ أن تضيع هذه الكنوز ، ذات يوم ، من الذاكرة. وعبر الأغاني الطافحة بالأمثال والاستعارات ، اكتشفت جمال اللغة. اللغة كالثلج في المدينة: يتلوث ، دائماً ، بالغبار ودخان المصانع. أما في الحقول والغابة فيظل أبيض ناصعاً. بدأت ، من دون أن أشعر ، بكتابة الشعر الفلكلوري. كثيراً ما أسأل عن أستاذي في الشعر. كنت أفرح عندما أقرأ في بلاغات جيشنا كم كان يقتل من الأعداء: لأنني لم أكن أتخيل الألمان بشراً ، بل شيء آخر: أعداء.


في عام 1944 ، عدت ـ وأمي ـ إلى موسكو ، وأتيح لي أن أرى ـ لأول مرة ـ أولئك الأعداء. كان هناك خمسة وعشرون ألف أسير ألماني سيمرون ـ صفاً ـ عبر شوارع العاصمة المزدحمة بالناس ، والمطوقة بالجنود والميليشيا. كان حشد من النساء بأيد اخشوشنت من العمل ، وشفاه لم تعرف أحمر الشفاه ، وأكتاف هزيلة حملت العبء الأساسي للحب. أخذ الألمان من كل واحدة منهن زوجاً أو أباً أو أخاً. كانت عيونهن تتطلع ، بحقد ، نحو الشارع الذي سيقبل فيه صف الأسرى.


ظهر الموكب وفي طليعته الجنرالات وهم يكزون أسنانهم ويزمون شفاههم بصورة تنم عن الاحتقار ـ يريدون ، بذلك ، تأكيد استعلائهم على العوام الذين هزموهم ـ كان على الجنود أن يمنعوا النساء من اجتياز الحواجز ، وعندما رأى الجمهور جنود ألمان مقبلين بأجسادهم الهزيلة وأزيائهم المغبرة وذقونهم غير الحليقة ورؤوسهم المعصوبة بضمادات مشربة بالدم ، مطأطئي الرؤوس ، ران على الشارع صمت مطبق ، ولم يعد يسمع غير وقع الأحذية والعكاكيز ، وسيدة جليلة مسنة تحتذي جزمة ضخمة تربت على كتف أحد أعضاء الميليشيا قائلة: "دعني أمر". وجد الجندي في صوتها ما جعله يفسح لها الطريق. اقتربت من الصف وأخرجت من سترتها كسرة خبز كانت في منديل ، وقدمتها لأسير ألماني منهك ، واحتذت بها نساء أخريات أخذن يلقين الخبز والسجائر على الجنود المنهزمين: لقد أصبحوا ، الآن ، بشراً ، ولم يعودوا أعداء،.


عشت في موسكو وحيداً: في شقة فارغة. كان أبي بعيداً ، متزوجا من امرأة أخرى ، وله طفلان. وكانت رسائله نادرة. أما أمي ، فقد هجرت مهنتها جيولوجيةً ، واحترفت الغناء ، وأخذت تقوم بجولات فنية على الجبهة.


كان الشارع مدرستي الوحيدة: علمني أن أجدف وأن أبصق بين أسناني ببراعة وأن أجعل قبضتي في حالة استنفار دائمة: عادةّ ظلت تلازمني مدى الحياة. علمني الشارع أن الأساسي في الحياة أنْ أقهر بداخلي الخوف من الأقوياء وينبغي أن أكون أقوى منهم.


عادت أمي نحيلة من الجبهة: شعرها الأشقر يميل إلى السواد. اعتقدت أنها صبغته ، ولكنها أجابت عن سؤالي ببسمة حزينة ، ثم نزعت باروكتها ، فبدا رأسها عارياً شبيهاً برأس صبي صغير. كانت قد أصيبت بمرض التيفوس ، وقد حلقوا لها في المستشفى العسكري. لقد استطاعت أمي أن تتحمل كل شيء ، بيد أنّ صوتها خانها. ومع ذلك ، وجدت عملا بعد عودتها.


جشمت أمي الكثير من اًلمتاعب. كان حبي الفضول يقودني إلى أشد المغامرات غرابة ، وكان لي مزاج صعب. كان لي أصدقاء من اللصوص المحترفين ، وكان تدخل أمي ينقذني في الوقت المناسب. كانت دراستي رديئة ، وكنت غير موهوب ، وما زلت ـ حتى اليوم ـ غير قادر على فهم ما هي الكهرباء ، ومن أين تأتي. حتى في اللغة كنت أعتبر من الحماقة حفظ قواعد النحو المميتة. لم أكن أميل إلى أولئك الصغار الذين يزدردون كل ما تقدمه لهم الكتب ، وعندما كنت أخلو لنفسي في البيت بعيداً عن عيون أمي ، أتخلص من دفاتري لأكتب قصائد يعكس فيها خيالي صورة حياة أخرى. لم أكن أتوقف عن الكتابة إلا حين تتخدر يدي وأدفع كتاباتي إلى مكاتب التحرير التي يكون ردها رافضاً حتى فقدت كل أمل. حتى جاءني جواب من دار نشر تطلب حضوري لمناقشة أعمالي ، وكانت الرسالة تحمل توقيع شاعر ، كان مندهشاً وهو يراني أقدّم له الرسالة:

- آه... والدك مريض ولم يتمكن من الحضور بنفسه؟

- ليس والدي ، أنا صاحب تلك القصائد.

نظر إليّ مندهشاً ، ثم انفجر ضاحكاً:

- لقد خدعتني حقاً. في أشعارك الكثير من قصص الحرب والألم والحب.


واتجهت إليّ أنظار من كانوا في الحجرة يبتسمون وقد خيل إليّ أنهم يهزؤون بي ، ففاضت عيناي بالدموع. ولما أحسست باضطرابي ، ربت على كتفي بود وأجلسني ، وأصبحنا صديقين ، ونقل لي الآمال التي لم يستطع تحقيقها هو نفسه. ساعدني خلال حياتي الشعرية شعراء متواضعون ، وهؤلاء أكثر عناية وحناناً تجاه الشعراء المبتدئين من الشعراء الكبار.


لم تكن أمي تريد أن أصبح شاعراً: ليس عن قلة ذوق وميل للشعر ، بل لأنها كانت مقتنعة بأن الشاعر شخص متقلب ، قلق ومتألم. كانت تعرف أن مصير الشعراء فاجع في الغالب. كانت ترتعش خوفاً من فكرة أن أختار طريق الشعر ، وكانت تمزق دفاتر أشعاري ، وتتوسل إليّ ـ باستمرار ـ أن أهتم بشيء جديّ.


واظبت على الكتابة بإصرار مجنون صغير ، وفي الوقت الذي كنت أشعر فيه بتحسني في الكتابة ، كنت في المدرسة أحصد العلامات السيئة ، وظلت أمي تردد: "لن يعود عليك الشعر بحياة هادئة ولا مال."


مقتنع أنا أن الآلام العظيمة وحدها التي تنجب المثل العليا العظيمة. الأم تحب ، أكثر ، الطفل الذي أنجبته في الألم. كم هي كئيبة حياة الإنسان من دون مثل أعلى، الإنسان هو الحيوان الذي يعرف الحلم.


كنت أشاكس التلامذة المجتهدين والمدللين من الأساتذة. تخلص مني هؤلاء ، وأحلت على مدرسة خاصة بالأشقياء ، ولم أمكث هناك طويلاً. حاولت أن أخفي عن أمي خبر طردي من المدرسة ، وانتهى خصامي معها بالفرار من البيت. رحلت فوق سطح إحدى عربات القطار إلى كزاخستان بحثاً عن والدي ، وكنت في الخامسة عشرة ، وقررت الاستقلال بنفسي.


كان أبى رئيس بعثة للأبحاث الجيولوجية. عندما رآني أمامه هزيلاً ، رث الثياب ، تطلع إلي قائلا : "إذا أردت أن تكون رجلاً مستقلاً بحق ، فلا ينبغي أن يعرف أحد أنني والدك". وأصبحت عاملاً في البعثة: أحفر الأرض ، وأقتلع الحجارة ، وتعلمت ألا أكون مرهف الإحساس.


عدت إلى أمي بسحنة ملوَّحة بحرارة الشمس ، وهيئة طافحة بالفحولة. انطلقت أحكي لها عن مغامراتي. وحين وصلنا البيت ، فتقت أحد جيوبي سروالي الداخلية وأخرجت منه النقود التي كسبتها بعرق جبيني ، ووضعتها فوق المائدة. سألتني باستغراب:


- ماذا ستفعل بكل هذه النقود؟

- سأشتري آلة كاتبة والباقي لك..


بدأت أكتب بضراوة ، وأصف مكاتب التحرير بأشعاري. لكن الآلة الكاتبة لم تحدث معجزة. كانت لي هواية أخرى: كرة القدم. كنت أعود إلى البيت بحذاء مثقوب وسروال ممزق وركبتين داميتين. كنت أحسّ أن هناك شيئاً مشتركاً بين الشعر وكرة القدم: علمتني كرة القدم أشياء كثيرة في الحياة: تعلمت أن الأهم ليس أن يتقن اللاعب الهجوم ، ولكن أن يراقب ، مراقبةً يقظةً ، أية حركة من حركات الخصم ، ويحبط حيله ، ويتكهن بنياته. وقد ساعدني ذلك في معاركي الأدبية.


بعد ساعة ستصدر الجريدة بقصيدتي ، يا لها من فرحة غامرة، الأرض ترتج تحت قدميّ. شعرت نفسي عبقرياً. اشتريت خمسين نسخة ، وعدوت إلى البيت ، ملوحاً بها ، تحملني نشوة النصر. ولما علمت أمي ، لم تفه بغير هذه الكلمات: "مسكين أنت يا ولدي: لقد ضعت الآن نهائياً" ، وربما كانت على حق.


كان عليّ أن أستلم أولى مكافآتي الأدبية. اعترضتني بعض العراقيل لأنني لم أبلغ السادسة عشرة. أخيراً ، وافقت الفتاة في قسم الحسابات على دفع المبلغ بعد الاطلاع على شهادة الميلاد ، وقد تمالكت نفسها من الضحك ، وهي تنظر إلى قميصي وحذائي الرياضي شبه الممزق ، وأنفي المقشر من المباريات تحت شمس الملعب.


أثارتني روائع همنجواي لكثافتها الأدبية الشجاعة المنبعثة منها. آثرت لمن تقرع الأجراس ، خاصة لوحتي: المرأة العجوز ، والبنت الصغيرة ، بوصفهما أنجح لوحات الأدب العالمي.


أظهر همنجواي ، من خلال شخصية أندري مارتي ، كيف أن المتعصبين ـ برغم نزاهتهم الموضوعية ـ يمكن أن يتحولوا إلى مجرمين.


شغفت بالشعر وانتشيت بغزارة ويتمان ، وبفيض رامبو ، والسلخ المأساوي لبودلير ، وبجمالية ريلكة ، وبذكاء إليوت ، وبحكمة فروست القروية.


كلاسيكيات الأدب الروسي ، التي لم استسغها في المدرسة ، غدت قريبة إلى: جمل تولستوي الصعبة ، تأملات تشيخوف الطافحة رقة ، تحليقات دستوفسكي المتوترة.. كل ذلك جعلني أكتشف جمال اللغة الروسية وعمق تراثي.


كنت أواصل تكويني الأدبي برعاية أساتذة أرسلهم إلى القدر. إن اكتشافاتي الأدبية لم تنعكس في إنتاجي إلا قليلاً.