حرب رمزية
مقال خيري منصـور
دار الخليج



لم يشهد البحر المتوسط حرباً رمزية كالتي يشهدها الآن منذ الإغريق، فالأوديسة الجديدة بطبعتها العربية تبدأ من المطلع ذاته، والمتكرر على امتداد العصور وهو أن البحر لمن غلب واللؤلؤ المكنون فيه لمن غلب، لكن الحرب التي تدور الآن بين سفن عزلاء إلا من ضمائر من تقلّهم من معظم جنسيات هذا الكوكب هي من طراز فريد، فهي تتاخم الأسطورة من حيث الدلالات الرمزية، حيث تتصدى أسراب عصافير لطائرات مقاتلة، ويشهر الأطفال السّنابل الذهبية مقابل صواريخ معدّة لحصاد أعناقهم .



وما الخيام والحافلات المخصصة للسجون التي أعدتها دولة الاستيطان لهؤلاء القادمين من كل فجٍ عميق إلا التعبير الأدق عن هزيمة المنتصر، ونقطة الضعف الأشبه بعقب أخيل التي يعاني منها القوي الأعمى الذي أخطأ الطريق إلى الانتصار فوجد نفسه في قاع الهزيمة، بمقياس أخلاقي وإنساني أولاً .



إن المشهد الذي يقدمه الآن البحر المتوسط يندر أن يتكرر في الحروب الكلاسيكية، لأن تلك الحروب تشارك فيها أساطيل وغواصات مدججة بالأسلحة، ومتكافئة أو شبه متكافئة على الأقل، هذه الحرب لا تكافؤ فيها بمقياس الأسلحة، وأجهزة الرّصد، والسّجون التي فتحت أبوابها وزنازينها ولو كان المعيار الرصيد هو السّلاح لعاد أسطول الحرية إلى حيث جاء تماماً كما يعود نهر إلى منبعه لأنه ضلّ الطريق إلى المصبّ .



حرب طرفاها ثور هائج وضرير، مقابل طائر سنونو يبشر بالربيع، في زمن تحول بكل فصوله إلى خريف مزمن .



هنا في هذه المعادلة الرّمزية يقف الحقّ مقابل الباطل، ويواصل العصفور غناءه أمام الثعبان، لأن الحياة يجب أن تستمر بهذا الجدل الخالد بين القوي الأحمق والضعيف الذكي .



ومن يبادرون إلى أفعال إنسانية ذات مغزى تاريخي لا يبالون بالنتائج القريبة لأنهم ليسوا برغماتيين، بل هم من سلالة التراجيديا التي تشكل منها نصف ثالث وغير مشهود للتاريخ، إنه النصف الفائض الذي يكون فيه المنتصر مهزوماً، والمهزوم منتصراً بحيث تسقط النقطة الفاصلة بين الغار والعار .



إن الإنسانية بحاجة إلى إجراء اختبارات لما تبقى من منسوبها في أزمنة الاستبداد والخنوع الوبائي الذي تنتقل عدوى جرثومته من قارة إلى قارة، وما يشهده البحر المتوسط الآن واحد من أعسر الاختبارات لأن هناك بشراً يدافعون عن بشريتهم وقباطنة يقترحون على القراصنة أسلوباً آخر في التفكير ونمطاً جديداً من الممارسة .



ليس مهماً لأصحاب الأهداف النبيلة السّاعية إلى الدفاع عما تبقى من شرف وكرامة إنسانية أن يحققوا أهدافهم بمقياس مادي وواقعي، لأن مجرد الشّروع في العصيان على قانون الغاب الجديد هو خطوة باسلة باتجاه مُستقبل حرّ وأقل ارتهاناً للقوة الغاشمة .



إننا نعيش زمناً رغم ما يعج به من ضجيج الآلات ومكبرات التكنولوجيا يستعيد وهج الأسطورة، لكن في بعدها العقلاني الفاعل .