المصدر:
التاريخ: 14 يونيو 2010
«قلب مجنون» يربط بين حياة الترحال والغناء. آوت ناو
الفشل مغرٍ دائماً للدراما ومادة خصبة لها، خصوصاً إن كان فشلاً يأتي بعد نجاح، كون ذلك سيشكل بالتأكيد انعطافاً ما في حياة أحد ما، يقوده من الذروة إلى الحضيض، ومن الإقبال على الحياة إلى النفور منها، أو كما تقول كلمات هذه الأغنية «قد كنت شخصاً ما، لكني أصبحت شخصاً ما آخر»، وفي اتباع لترجمة كلمات أغنية كهذه، سنقول بأنها أيضاً صالحة لتكون معبرة عن حياة المغني نفسه الذي يصدح بها، ونحن نمضي خلف فيلم Crazy Heart (قلب مجنون) لسكوت كوبر في أولى تجاربه الإخراجية، وليكون الممثل جيف بريدجز نقطة ارتكاز الفيلم الرئيسة أو الشيء الذي يدفعنا لاستحضاره هنا، كونه نال عن دوره فيه أوسكار أفضل ممثل في دور رئيس لعام ،2009 وليكون هو بالذات دافعنا للتقديم السابق.
لم تتح لي مشاهدة الفيلم إلا منذ أيام قليلة، ولعلي كنت معداً سلفاً لمشاهدة شيء شبيه بفيلم The Wrestler «المصارع» 2008 لدارين أرونوفسكي، لكثرة ما قرأت هنا وهناك على نقاط التقاء بين الفيلمين، ولعلي كنت مجهزاً لرؤية شيء مثل شخصية راندي التي قدم من خلالها ميكي رورك دور العمر دون أن يتوج بالأوسكار الذي رشح إليه حينها.
سرعان ما يتبدد ذلك، وتبدو المقارنة بين الفيلمين أمراً لا طاقة لـ «قلب مجنون» احتماله دون أن تكون لمصلحته بالتأكيد، لا بل إن حديثنا عن الفشل لدى حضور فيلم «المصارع» سيكون بفوارق كبيرة عن تلك التي نقع عليه في «قلب مجنون»، ولعل استعادة «المصارع» هنا ستكون من باب عدم وضعه مجدداً بقرب فيلم سكوت كوبر.
فراندي انسان وحيد، لا يعرف إلا المصارعة وأخذ الإبر والهرمونات وتربية العضلات، يحب راقصة تعرٍ، التي بدورها تعامله كزبون، له ابنة لا يتذكرها إلا عند إصابته بالقلب، وينجح في استبدال كرهها له ببعض الحب، يخرب كل شيء، ولا ينجح بلعب دور الأب لأكثر من يومين. كما أن فشلاً آخر يطاله عندما يكتشف أنه لا يستطيع مواصلة عمل «تافه» في «سوبر ماركت»، دون أن ننسى تناوب الرقة عليه وشتى أنواع الهمجية.
ويبقى السؤال كيف قُدم كل ذلك؟ الإجابة تكمن بتقطيع مونتاج غاية في الإتقان، وبحوارات مقتضبة ومكثفة، وسرد يعتمد اللقطة بناء له. كل علاقات راندي مأزومة، ومن اللحظة التي يبدأ فيها الفيلم نكتشف أن حياته نفسها مأزومة، خياراته فيها والتي سيكون وفياً لها في النهاية، لا لشيء إلا لأنه لا يستطيع النجاح بشيء إلا المصارعة، فحياته وموته وما بينهما رهن بها وإن كانت هذه الرياضة لا تتجاوز مصدر رزق محاطاً باللعنات، لا منتصر ولا خاسر، بل تمثيل ذلك، وليكون جميع من يلعب فيها خاسرين.
هذه الاستعادة لفيلم «المصارع» لن تنسينا بأننا نتناول هنا فيلم «قلب مجنون»، ودواعي الحديث عن الفشل متأتية من حياة المغني باد بليك (جيف بريدغز) الذي سنقع عليه اثر أفول نجمه وقد تجاوز الـ،50 وهو يتنقل من بلدة إلى أخرى، ومن حانة إلى أخرى حاملاً أغانيه، وعلى شيء يجعل من الفيلم من ارتباط حياة الترحال بالأغاني والآفة الكبرى التي تعصف بحياة باد والمتمثلة في إدمانه على الكحول. لكن ستبدو هذه الحياة التي يعيشها باد على شيء من كل ما يطمح إليه، وإن كان ليس لديه ما يكفيه من المال، لكنه سرعان ما يحصله حين يظهر تومي (كولين فارل) الذي يكون لباد فضل كبير عليه في بداية مسيرته الفنية، وبشعور كبير بالوفاء لما قدمه له، فإن تومي يسأله تقديمه في إحدى حفلاته ومن ثم كتابة أغانٍ له، طبعاً تومي سيكون النجم الأشهر والأسطع بينما باد فإنه يعيش على ذكريات جيل نشأ على أغانيه. الانعطافة التي تطرأ على حياة باد تكون بوقوعه في حب صحافية اسمها جين (ماجي غلنهيل)، وبالتأكيد فإن هذا النوع من الحب سيضعه أمام خيارات جديدة، ومن اللحظة التي يقول لها فيها «مع مجيئك صرت أشعر كم هي بشعة الغرفة التي أقيم فيها»، هذا يمتد إلى حياته إن شئتم، هو ومن خلال اللقاء الذي تجريه معه ستتضح أمامنا ملامح من حياته الماضية، وقد تزوج أربع مرات ولديه ابن رآه آخر مرة حين كان في الرابعة من عمره وقد أصبح الآن في الـ28 من عمره. لا شيء خارج المألوف في ذلك الفيلم ، لا بل إن شعوراً أكيداً سيراودنا بأنه صالح لأن يكون فيلماً تلفزيونياً، وإن كان الحديث عن الأداء المميز الذي قدمه فيه جيف بريدجز ونال عليه الأوسكار، فإن ذلك سيكون من ضرورات الفيلم، فلو كان أداء جيف عادياً فإن الفيلم سيكون بمثابة كارثة، دون أن ننسى الأغاني، التي على ما يبدو كانت أيضاً عاملاً مساعداً لمرور الفيلم، خصوصاً أن الأغاني تمشي يداً بيد مع حياة باد، مثلما هو عنوان الفيلم الذي سيكون عنوان الأغنية التي يؤلفها باد عن هجران جين له.
|