نوبة حياة
مقال حبيب الصايغ
دار الخليج




لا ماء في المطر . لا أسرار في الماء، وللنبع القريب بعد ذلك أن يتنحى جانباً، ويبدي ندمه العميق على كل ما فات . كيف له أن يستمر في اصطناع المرح وقد ذهبت القوافل وأخذت معها ذاكرة الانتماء إلى كل شيء، وإلى أي شيء .




المطر عندما يغمر الوجوه يأخذ بيد الإنسان إلى عوام حميمية وأليفة، ورسائل المطر تقول وتتفنن إذ تقول . لها نثرها الخاص، ولها شعرها الخاص، ولها تاريخها الأكيد، الفريد، مع الكتابة .




والمطر يحترم جداً وهو شاعر، ويحترم حين يدخل في قصائد الآخرين ويطرزها بالجديد والمتألق والطازج، فيا له من كائن أسطوري يتدرج في الدنيا والزمان صعوداً وهبوطاً، ويأتي كل يوم وكل فصل في ثوب قشيب:



الظل مهرجان



والخطوة الأولى تؤسس الإيقاع ليلياً، وتستلقي على أسرّة المكان



معلنة تماسك السقف الذي كاد، وتستلقي على خصر الأحاجي وردتان



ولليدين ما تؤلف اليدان



من غدها المشغول بالغيتار والكمان



من غدها المكسو بالغموض والنيران



من غدها المنثور باللؤلؤ والجمان



من غدها اليقظان



وتنتقي من الأراجيح التي تدير رأس الكون ما لها رنيمها المزدان بالألوان



فلليدين ما تؤلف اليدان . .



إلى آخره . . إلى آخره، فالمطر لا يحيل إلى خاتمة، وإنما إلى بداية جديدة في كل مرة . هذا هو طبع المطر، وهو المسؤول الأول والأخير عن بداياته جميعاً، ويمتلك الشجاعة الأدبية لتحمل تلك المسؤولية:



الخطوة الأولى، وبعدها تناوب الأضواء والأقمار والفضة والمرجان .



وبعدها الخطوة والخطوة خطوتان



الخطوة الأولى وخطوتان



بعدهما ثمان



بعدهما افتنان



بينهما افتتان



بينهما تشقلب الليل على الأغصان



ففي الشفاه الآن



نضارة الغيم على الغدران



بعدهما الخطوة والخطوة خطوتان



رقص القلوب في دمائها، ورقصة الدماء في الإدمان