|
|
الطريق إلى أعمارنا
مقال حبيب الصايغ
دار الخليج
تمتلك الطفولة قوة تفيض عن الحاجة، لتصل إلى حد الرفاهية . ضحكها مؤثر، وبكاؤها، وللطفولة عيون تتجاوز الظاهر، فتتعامل مع الآخر وكأنها تختبره، والمفارقة أنه “الكبير” والمجرب الخبير لا يعود قادراً على الحدس أو التفكير .
كلما حضرت الطفولة تصبح السماء صافية كالبذور، وتصبح الأرض أقدر على اختزال صوت السنين: في الركن الأقصى شمس طفولتنا، وسماء الدفتر بيضاء، وأيدينا بيضاء، وحبر الساحة أبيض، والأشجار .
قد تكبر الطفولة وقد لا تكبر . تترك صاحبها يذهب في عمره وحيداً، ناحتاً لياليه من دمعه وألمه ولحظات توهجه وحبوره، وتتركه يكبر وحده، لكنها تلازمه وتظل معه، فيقال مثلاً إن في ملامح وجهه طفولة .
وقد يوصف القلب بالطفولة، ففلان يملك قلب طفل، تقال العبارة، وهي تحمل على المديح غالباً، وقد تشتمل على إيحاء مناقض لدى بعض اللؤماء .
لكن الطفولة، على إطلاقها، تظل إشارة إلى الوداعة والبراءة والرضا ودعاء الوالدين، فهل تغيرت طفولة هذا الزمان عن طفولتنا الغابرة؟
بالتأكيد، فنحن في عالم الأرقام والمعلومات والتقنية الحديثة، وتأثير كل ذلك على حياة أطفالنا مهمل لا يعطى، على النطاق المحلي والعربي، حظه من الدرس والاهتمام .
التكنولوجيا ضرورية، لكن أطفالنا يتعاملون معها بمبالغة غير محبذة، ونحن نتفرج عليهم، ونضحك، وننسى، وكأن الأمر لا يعنينا، وفي كل مبالغة ضرر وخطر .
مرة، قال حكيم معاصر: يكبر الطفل وتبقى طفولة الجدران، فهل جرب أحدكم زيارة أماكن طفولته بعد فراق طويل؟
مثل هذا الموقف كفيل بإعادة الإنسان إلى عمره وإلى نفسه، وإلى تضاريس روحه الحقيقية: كيف يشيل البناء العتيق على ظهره حزن سكانه؟
قد يسهم الشعر، والشعر وحده، في تحقيق التوازن بين أعمارنا السابقة واللاحقة:
مقطع رقم واحد: طفلة تقول الحقولا
وتؤسس في دمعنا فرحاً هائلاً، وترجّ الأصولا
طفلة تذهب، الآن، في عمرها، لتؤصل جيل الخيول، وتسبق جيلاً فجيلاً .
مقطع رقم اثنان: طفلة ترسم في دفترها وجهاً من الرؤيا وتمضي نحوه . تبتنيه دفعة واحدة: ملمحاً أو جدولاً أو رمش عين
أو دم الروح إذا ما استيقظت روح أبيها بين عامين، ومرت نسمة باردة بين يدين .