المثقفون والمقهى

فواز حداد
الملحق الثقافي
الثورة السورية





طالما كان المقهى موضوعاً ممتعاً، ما جعل الكتابة عنه لا تخلو من المبالغة المقصودة وغير المقصودة، فلم ينجُ من التأويلات الفخمة والتافهة، وهو الجدير بها على الوجهين.


فالمثقفون يحلو لهم النظر إليه من زاوية كاشفة وعميقة حسبما يدعون. فيبدو المقهى كأسطورة يحاول بعضهم الوثوب إليها، ما يصور لهم أنهم يدخلون تاريخ الأدب من أوسع أبوابه، وبأبسط الطرق وأسهلها، بالجلوس على كرسي حول طاولة وطلب فنجان قهوة سادة، وقراءة العناوين العريضة من جريدة يومية، وتدخين نصف باكيت جيتان.‏


لا يقصد بذلك أن المقاهي وأشباهها من الأماكن تليق بالمثقفين ولا تليق بغيرهم، بالعكس لكن يخشى استغلالها لمآرب أخرى، ظاهرها الأدب وباطنها بلا أدب. بالرغم من ذلك كان المقهى مقراً للقادة الملهمين لأشد الحركات انقلابية في الشعر والرواية. وكثيراً ما أُطلق من رحابه الدخانية مانيفستو تقدمي أو مستقبلي، أو الإعلان عن حركة شعرية أو اتجاه حداثي في الرواية، أو تيار جاحد في الفن التشكيلي. وكثيراً أيضاً ما انطلقت منه دعوات باطلة في الأدب والفن، خولت لنفسها الإقدام على استباحة الوسط الثقافي بترهات مدعومة بأوهام الريادة والتجديد، نكّلت بالأجيال السابقة بحقد ودون وجه حق، ما بدا للكثيرين انحطاطاً في سمعة المقاهي.‏


في الواقع لم تنحط سمعة المقاهي، لكن نفر منها البعض، بدعوى أنها أصبحت ساحة رخيصة لتبادل النمائم، وإرسال الرسائل المؤذية، وتمرير الصفقات، وهي صفقات تجارية بحتة، لئلا تختلط بالأدب. ولا يكفي للدفاع عن هذه الساحة الجميلة القول إن شبان الأحزاب بعد الاستقلال كانوا يعقدون جلساتهم الصاخبة في «الهافانا»، أو أن بعض حركات المعارضة البرلمانية حاكت خططها للإيقاع بالحكومة في «البرازيل»، ولا أن مقهى الشام أصبح ملتقى الفنانين، أو أن هاني الراهب لعب الشطرنج في مقهى «الروضة»، ولا تخندق مثقفي لبنان في مقهى الـ»سيتي كافه»، أو أن جان بول سارتر كتب كتابه الضخم «الوجود والعدم» في المقهى!!‏
فالمقاهي بروادها المتنوعين، شهدت دورات صعود، مثلما شهدت دورات هبوط، يرتادها المثقفون الجادون والانتهازيون وأشباه المثقفين، والمتقاعدون الأبرياء محترفو الاسترخاء وتبادل النوادر والذكريات، وتضييع الوقت بألعاب الورق والأركيلة. وإذا كان المقهى الآن يستقبل النساء، فهذا لا يسمه ولا يسمهم بالتحرر، ولا يضفي عليهن صفة الأديبات والفنانات. الأمر ليس بهذه البساطة، لابد من جهد يوازي هذا الاستعراض المنتحل من الذكور. فتاريخ المقهى يسجل أنه مثلما كان ملجأ للفيف من الأدباء الكبار، كان مأوى لأنواع من المخبرين التافهين، ومضطهدي النساء، ومدمني الكحول، ومحترفي الاحتيال والاستدانة والتجليط الثقافي.‏


يمتلك المقهى الكثير من المقومات لاحتضان فعل لافت، قد يساء استخدام سمعته، كما يحصل أحياناً، فطاولة صغيرة، يتحلق حولها حفنة من المثقفين، لا تختزل الثقافة السورية، منها تصدر الأحكام وتنطلق الغزوات وتجري التلفيقات وتختلق الأكاذيب وتبتدع المعارك، تحت ذريعة حداثة تأخذ مجراها إلى آفاق ما بعد بعد الحداثة، ومنها الانطلاق إلى العالمية.‏


المقهى وببساطة شديدة، مكان نضفي عليه نحن الأهمية أو عدم الأهمية، ويمنحه مرتادوه نوعيته وقيمته وقدرته على التفاعل. وقد يكون مجرد مكان، لا يعيب من يدخله ولا الذي لا يقربه. لكن يبقى هذا المكان الرائع والحميم، أن تشعر أنك وحدك بين الناس، وبامكانك الاتصال معهم أو الاكتفاء بعزلتك، وأيضاً فسحة للادعاء، والثرثرة، والشرود، والتأمل، ولقاء الأصدقاء، وتصيد الأعداء.‏