رحل عن 75 عاماً من المجاهدة الروحية
محمد عفيفي مطر المشدود إلى الطمي والطين

وجه أحد، ولم أختطف شيئا من يد أحد، ولم أكن عونا على كذب أو ظلم أو فساد” . بهذه الكلمات وصف الشاعر محمد عفيفي مطر تجربته الحياتية والإنسانية، وربما كانت البداية حين تفتح وعيه الشعري على قصائد محمود حسن إسماعيل عبر ديوانه “أين المفر؟” الذي نسخه بخط يده وحفظه، وكما اعتاد أيضا في هذه البدايات
أن ينسخ قصائد ودواوين كاملة لشعراء أحبهم وأحب أعمالهم، تأثر أيضا بكتاب ''نيتشه'' للدكتور عبد الرحمن بدوي، حيث يؤكد في أحد الحوارات التي أجريت معه: ''لقد عصفت بي كلمات القوة وأخلاق السادة والعبيد والتبشير بالإنسان الأعلى عصفا شديدا''، أيضا تأثر شاعرنا بالفارابي وابن سينا وإخوان الصفا حيث وصف كتبهم بأنها وطن آخر يدخل في نسيج الوطن الشعري للشاعر الناشئ .
لم يبتعد عفيفي مطر عن الفلسفة في عمله أو كتابته فقد درس الفلسفة مدة عشرين عاما، وحملت تجربته في جزء كبير منها ملامح فلسفات عدة، تلك التجربة التي امتدت لخمسة وسبعين عاما كان فيها عفيفي مطر أحد متصدري المشهد الشعري العربي، بل كان نموذجا كتابيا وأدبيا مختلفا أو ظاهرة قائمة بذاتها حيث لم يتأثر بفكرة المجايلة أو انتمائه لجيل الستينات، لكنه تجاوز هذه الفكرة وظل يناضل بالقلم والموقف رغم محاولات تهميشه الدؤوب .
إن حس المرارة الذي ينضح في تجربة الشاعر الراحل الكبير لم يكن بسبب تجاهله أو محاولات تهميشه بقدر ما كان لإحساسه بالسخط على واقعه المعيش .
كان مطر يؤمن بأن النثر ليس أقل مكانة أو إبداعا من الشعر شريطة أن يسمو في مراقي الإبداع إلى حدود النشوة الروحية والامتلاء بالحياة، وأن هناك إيقاعات داخلية تنتمي للغة وحرية الفكر لا للموسيقا بمعناها الصارم، كما رأى أن اتهامه بالغموض لا مرجع له، مبررا ذلك بأن التراكيب اللغوية التي يراها البعض صعبة وغامضة هي أحد الأساليب الشعرية الموجودة في تراثنا الأدبي .
ترك مطر قبل رحيله نتاجا شعريا غزيرا تمثل في أكثر من ثلاثة عشر ديوانا وسيرة ذاتية وترجمات وكتابات للطفل، ومن دواوينه “الجوع والقمر” و”رسوم على قشرة الليل” و”البكاء في زمن الضحك” و”رباعية الفرح” و”احتفالية المومياء المتوحشة” و”من دفتر الصمت” و”كتاب الأرض والدم” و”فاصلة إيقاعات النمل” و”النهر يلبس الأقنعة” و”من مجمرة البدايات”، وكذا له كتاب للأطفال “مسامرة الأطفال كي لا يناموا” وسيرته الذاتية “أوائل زيارات الدهشة” وكتاب “الشاعر الفارس” عن محمود سامي البارودي وكتاب “قصيدة الحرب في الشعر العربي” وترجمات للشاعر اليوناني إليتيس والشاعرة السويدية إديث سودرجران، وقد حصل على عدة جوائز أهمها جائزة سلطان العويس عام 1999 وجائزة الدولة التقديرية في مصر عام 2006 والتشجيعية عام 1989 وصدرت أعماله الكاملة عام 2000 عن دار الشروق في القاهرة .
يرى د . محمد عبد المطلب أن رحيل عفيفي مطر تمثل نازلة ثقافية، فهذا الرجل أحد رواد الحداثة، الذين انتقلوا بالشعرية العربية إلى مرحلة جديدة، لخصوصيته وتفرده، في أنه طوّع الشعر العربي بثقافته الفلسفية والأسطورية والشعبية، وأنجز في هذا السياق مجموعة دواوين، كل ديوان فيها يمثل صعودا بالشعرية العربية إلى آفاق جديدة، وكان لدى عفيفي مطر إحساس بقرب النهاية عندما بلغ سن الخمسين وكان يرى أنه يحمل جثة مهيأة للموت في أية لحظة .
ويشير د .عبدالمطلب إلى أنه لا نستطيع أن نغفل الدور التنويري والنضالي لهذا الشاعر وكيف أنه عاش ومات مظلوما في بيئته، فأهمية عفيفي مطر في أنه تمسك بفكره ومبادئه، ولم يتغير مع تغير السلطة والنظام، ولم يتراجع عما أنتجه في بداياته ونهاياته وهي بدايات ملتحمة بالأرض والشعب برغم إحساسه بالاغتراب .
بينما يشير د .صلاح فضل إلى أنه عند تأمل التجربة الشعرية لمحمد عفيفي مطر سنجد إجماعا واضحا على الإحساس بأنه مشدود إلى سرّة الأرض، إلى الطمي والطين، عند تلك اللحظة الساخنة الآنية التي يمتزج فيها التراب القديم في أديم الأرض بالماء المتجدد في مر السحاب لصناعة عجينة شعرية ذات نكهة نفاذة، لا تلبث أن تستحيل إلى أشكال خزفية مصقولة، ومفعمة بالمفردات والتراكيب التي تثير بصورها وتهاويلها مخيالنا الجماعي بما تبعثه من أخلاط وتبثه من عناصر، تستنفر فينا كل الموروث الأنثروبولوجي الذي يعمل في أعراقنا منذ القدم، هذا المعجون المؤلف من المعرفة والعرفان، من بقايا الفكر وأمشاج الوجدان، الممتزج بعشب الأرض وعطر الأحباب هو الذي تستنفره أشعار عفيفي مطر بما يضج فيها من شهوة الحياة الجديدة .
ويضيف د . فضل أن شعر مطر يقع في منطقة وسطى بين التعبير والتجريد، ويبني أسلوبه الشعري على نمط “الأرابيسك” مع اختلاف الألوان الفرعية ووحدة المصادر العربية الإسلامية من دون أن يكون رهن الغربتين: غربة الزمان والمكان التي نجدها عند أدونيس ومدرسته التجريدية .
× البعـــد الصوفـــي ×
يؤكد د . عبدالمنعم تليمة أن عفيفي مطر كان يحب التأويل ويعيش في رحابه، يعشق القراءة ويوظفها في قصائده، وهو يمد خيطا رقيقا للقارئ، يساجله ويناوشه، يحجب طرفا من المعنى ويظهر آخر، لكنه لا يذهب بعيداً في التعمية .
هذا النوع من الشعرية يتراوح بين العوالم القديمة والأساليب التي تتخلق في رحم المستقبل، وهو لا يصطنع عودة مفتعلة لشذرات من التراث، بل يصدر عنه تلقائيا في امتداد عضوي حي، لهذا يبرأ من التناقض عندما تنسجم عليه غلالته الشفيفة .
وكان البعد الصوفي يقول د .تليمة له حضوره القوي في إبداعه حيث يكشف عن نهجه الشعري وأسلوبه الفني ورؤيته الإشراقية، كما يكشف عن انتمائه المراوح لسلالة الثقافة الإسلامية المختمرة في صلبه، لا على سبيل مجرد “أسلبة التصوف” واتخاذه قناعا تعبيريا، وإنما من قبيل تهييج التذكر وتوظيف العناصر الحية في الميراث الأنثروبولوجي .
ويرى الشاعر حسن طلب أن الشعر كان غاية عند محمد عفيفي مطر، وظل مخلصا لهذا المبدأ حتى رحيله، قابضا على جوهر الشعر الذي لا يشير إلى غاية أبعد منه، لأنه أسمى من أن يعمل خادماً في ساحة السياسة أو الأخلاق أو غيرها من الساحات .
يقول طلب: تحضرني هنا، الحكاية التي رواها الناقد الأمريكي جون كرو رانسوم عن صائد السمك الذي ظل على شاطئ البحيرة طوال النهار ينهمك في الصيد، ويحسب حساب كل ما يتعلق به سوى نيل السمك نفسه، ولعل الدلالة في هذا المثل تشير إلى أن من يكون هدفه السمكة، يستطيع أن يذهب إلى السوق ويشتريها، أما الصيد فله شأن آخر .
لقد ظل عفيفي مطر مخلصا لهذا المبدأ في قصائده المهمة على طول مسيرته الشعرية، ولعل هذا هو ما أكسب تجربته خصوصية لا تخطئها العين، وأضفى عليها قراءة تميزه عن غيره من الرواد، فكان شعره كله عبارة عن ترجمة لرغبة حيوية عارمة يريد لنفسه ولنا أيضا أن يبقى دائما في حمياها، وهذا هو السر في كراهيته النهايات، والحفاوة باللحظات الحية الفاعلة المشحونة بطزاجة المفاجأة، بدلا من رتابة الألفة وبتوتر الخطر، بدلا من السكون الآمن .
ويشير د . الطاهر أحمد مكي أن مسيرة عفيفي مطر الشعرية أشبه ما تكون برواية تصف رحلة بكاملها، وهي رحلة داخلية وخارجية بمعنى أنها تجوب داخل الذات وتقدم تركيبا خصبا للثقافات المتداخلة في بنية الثقافة العربية، وكأننا نسير في عروق النيل لنستشعر نبض الأرض التي يمر من خلالها، ورحلة خارجية، فهو يحمل سماته الخاصة ويغترب عن المكان فلا يذوب، وإنما يقاوم اجتياح مفردات الخارج على روحه، كما كثر توظيفه للتراث في شعره عموما والمفارقة التي تبرز خطوط الرؤية المفعمة بالأسى الناتج عن تردي معطيات الواقع .
ويوضح الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة أنه عبر تجليات الحداثة الشعرية العربية التي نهضت عاتية ومدوية من الركام السياسي والثقافي والفلسفي لعقد الأربعينات، عقد التصدعات التاريخية في خريطة العالم عامة وجغرافية الوطن العربي خاصة، تتبدى تجربة محمد عفيفي مطر ممثلة لأفقين فسيحين تتناثر في جنباتهما عشرات الكواكب والنيازك والأقمار والمجرات والشموس، أفق الغروب اللامع الحزين للرومانسية، وأفق التوقعات المتفجرة للواقعية، ويتواصل الأفقان عبر معبر تاريخي يستند إلى كلاسيكية محتضرة، ويطلع الشاعر باعتباره الكائن الأول في مملكته التي حاول تأسيسها بحد القصيدة الباتر، وتوسعت هذه المملكة وترامت أطرافها بفتوحات جديدة، هيأ لها الوعي العميق النافذ وتراكم الخبرة وتقلب الأرض تحت الأقدام وامتداد الرؤى والأحلام في تحقيق العدل الاجتماعي والرؤية القومية المتمثلة في السعي إلى وحدة العرب .