الماغوط في الذكرى الرابعة لرحيله.. الشعر هو ما يجعل الحياة أكثر احتمالا
عبدالستار الكفيري
* الدستور الاردنيـة
في قرية السلمية ، وتحديداً في عام 1934 ، كانت الولادة الأولى للشاعر السوري الراحل محمد الماغوط ، الذي نشأ في وسطْ عائلي فقير ، لأبْ أفنى عمره مزارعاً وأجيراً عند الآخرين ، وكانت ظروف البؤس والحرمان ، التي صاحبت نشأة الماغوط ، السبب الذي أجبره على ترك دراسته مبكراً ، ليجترح في ما بعد عمّاً يعوّضه عن ذلك ، وليجد في الكتابة وفي الفضاء الشعري ، تحديداً ، ضالته.
في اواخر الخمسينيات من القرن المنصرم ، هرب الماغوط إلى بيروت ، بعد تجربة السجن القاسية التي مرّ بها ، ليتعرف في هذه المرحلة الهامة من حياته إلى أبرز الشعراء المقيمين هناك: فقد تعرّف إلى الشاعر العراقي بدر شاكر السيّاب ، وتوطدّت بينهما صداقة حميمة ، كما أتاحت له الظروف أن يلتقي هناك أدونيس ، ويتعرف إلى يوسف الخال ، وأنسي الحاج ، وشوقي أبو شقرا ، وكذلك إلى سنية صالح التي ستكون زوجته فيما بعد. وعلى صفحات مجلة شعر البيروتية ، نشر الماغوط باكورة إنتاجه الشعري ، بعدما قدمّه أدونيس إلى مجموعة من الشعراء في اجتماعهم الذي كانوا يعقدونه كل خميس. يقول الماغوط عن هذه التجربة:
"أدونيس هو الذي عرّفني إلى جماعة مجلة شعر ، كنا في سجن المزّة معاً ، وكنت مطارداً ، وهربت إلى بيروت ، وهناك كانت بدايتي الحقيقية. صراحةً ، أنا لم أذهب إلى مجلة شعر بل هي التي جاءت إليّ ، لا لأسباب ثقافيةْ ، بل لسببْ بسيط هو أنني لم أكن أملك أجرة التاكسي أو السرفيس لأذهب إلى رأس بيروت حيث يوجد هناك مقرّ المجلة،". لقد عرفه كثيرون كاتباً لنصوصْ مسرحية داعبت الجرح الغائر الذي خلفّته كارثة حزيران 67 في الوعي العربي المعاصر ، مثلما عرفه آخرون ناقداً للفحولة العربية الغاربة عند أعلى سقفْ ساخر يمكن أن تحتمله المفردة الشعرية والنثرية.
عرفته الجموع العربية شاعراً رائياً وحادًساً ، وأحد الآباء المؤسسين لتيار الحداثة الشعرية وفتوحاته العظيمة ، التي تمثلت في ولادة قصيدة النثر ، التي دفعت بالخيال إلى فضاءات أرحب من التحليق ، وانطلقت به إلى اللامألوف ، لتعلن القصيدة تحرّرها من أغلال الكبت والإلزام. في قصيدته §أيها السائح§ يقول: طفولتي بعيدةّ ، وكهولتي بعيدةّ ، وطني بعيدّ.. ومنفاي بعيدْ. أيها السائح: أعطني منظارك المقرّبَ علّني ألمح يداً ، أو محرمة ، في هذا الكون ، تومئ إليّ ، صوّرني وأنا أبكي ، وأنا أقعي بأسمالي أمام عتبة الفندق وأكتب على قفا الصورة:
هذا شاعرّ من الشرق.
....
لقد ضاعف الماغوط إحساس العربي بنفسه ، بمأزقه الوجودي ومصيره المفتوح على كل الاحتمالات ، وجعلنا نعيش كأننا لم نمت ، ونستيقظ رغماً عن إغفائتنا المديدة ، و نتيّقن" من دون أن نُعير حيرتنا المزمنة أدنى اكتراث.
لقد توغّل في تفاصيلنا المثقلة بالانكسارات والضجر ، وحلَّ فيها حدّ المماهاة ، ليثري انتسابنا إلى هذا العالم ، ويجعله أقلّ عناء: فقد جعلنا ، شعرياً ، نطمئن إلى أن هناك أكثر من مسوّغ يمكن أن يجعل من حياتنا أكثر احتمالاً: أخذوا سيفي كمحارب ، وقلمي كشاعر ، وريشتي كرسام ، وأعادوا لي كل شيء وأنا في الطريق إلى المقبرة ، ماذا أقول لهم أكثر مما يقوله الكمان للعاصفة؟ لقد تلقفّه الرحيل من دون أن يطوي نضارة حضوره أو يجفّف من أشعاره رحيقها المتجدّد ، ليخلّف لنا ما هو أكثر أهميةً من الغياب ، واستعصاءً عليه. لقد خلّف وراءه إبداعاً سيبقى خالداً في ذاكرتنا الجمعيّة مثل "حزنّ في ضوء القمر" ، و"الفرحُ ليس مهنتي" ، و"سأخون وطني وشرق عدن" ، وديوان "البدوي الأحمر": آخر أعماله التي أنجزها قبيل رحيله. وفي مجال المسرحية لن ينسى الناس "ضيعة تشرين" ، و"غربة" ، و "كاسك يا وطن" ، وغيرها من أعمال خلاّبة. حقاً لقد خلّف ما هو أكثر دهشةً وشجاعةً من الموت بعدما عاش الحياة كما ينبغي أن يعيشها الراؤون ، باختصار: لقد خلّف الحضور. يقول الماغوط: أقسى ما في الوجود
أن لا يكون هناك ما تنتظره أو تتذكره أو تحلم به،
كل ما هو وراء الأبواب المغلقة ، وتحت السماء الغائمة: الزهور ، الطيور ، الصخور ، الشعوب
هو إلى الفناء ، ما عدا الشعر.
إن أكثر ما يمكن أن ينطوي بؤس الشاعر عليه هو شعوره الجوَّاني أن الحياة لا تتسع ليقول كلَّ ما لديه قبل أن ينصرف ويقاطعه الموت ، تلك هي محنة الشاعر الذي لا يعدُّ أيامه بالساعات والثواني ، كما يفعل الآخرون ، ولكنه يعدّها بالقصائد والأبيات ، وبكلّ ما أنجز من معانْ وأحاسيس.
لقد كثفّت قصائد الماغوط الشعرية زمانها ، واتوعبت ما يلوح منه في الأفق ، إنها قصائد مفتوحةّ وراهنةّ ودائمة الانبثاق ، ووحدها القصائد الرديئة هي التي تعجز عن تكوين زمنها الخصوصي ، لتصبّ في الزمن العام ، وتضيع كما تضيع مياه النهر في البحر الكبير ، كما يقول الشاعر الراحل نزار قباني.