غنائية أكسبت قصائده سحرها الخاص
أحمد السقاف ومفهوم المثقف النهضوي
وجدوا أنفسهم في مواجهة الكثير من الأسئلة التي تتعلق بنهضة بلدانهم الثقافية، ولا سيما عندما كانت الكثير من البلدان العربية تحت نير الاحتلال، ما حدا بهم للاشتغال في مجالات متعددة، تبدأ من هاجس التعليم، وقد لا تنتهي عند الهاجس الإبداعي، وما يتطلبه كل ذلك من مفردات أخرى كالنشر، وتأسيس المنتديات والملتقيات، للعمل من أجل خلق حالة وعي، من شأنها إحلال المواطن العربي المكان اللائق به .
ومن هنا، فإن من يتتبع سيرة الشاعر والمبدع أحمد السقاف (1919-2010) يجد أنه من هؤلاء المثقفين الغيارى الذين حملوا -كما قيل عنه- جمر الثقافة، مؤكداً أن المثقف أحد الشهود الذين لا يمكن الاستغناء عنهم في حركة تطور بلدهم، بل إن دور مثل هذا المثقف ليكون حاسماً حين يتم تفعيله بالشكل اللازم، من أجل خدمة قضايا الإنسان والوطن .
لقد كرس الشاعر أحمد السقاف حياته من أجل مواطنه وبلده، فكان بذلك مثال المثقف الغيور على أهله ووطنه، لدرجة أنه كان الشاهد بحق، على التطورات التي تمت في الكويت-في شتى الميادين- منذ أربعينات القرن الماضي وحتى لحظة رحيله .
إن دارس حياة السقاف وإبداعه، ليحار عند أي محطة من محطات حياته الحافلة بالعطاء سيتوقف، فهو طالب العلم الذي أولع بالثقافة العربية الأصيلة منذ نشأته الأولى، ومن ثم هو المربي الذي تخرجت أجيال كثيرة من الشباب الكويتي على يديه، وهو من الأوائل الذين أسسوا المنتديات الثقافية، فكان منزله خلال عامي 1944-1946 عنواناً يلجأ إليه عشاق الثقافة، لإقامة ندوات حوارية حول قضايا ثقافية مهمة، بل إنه قد أنشأ مع عدد من المثقفين الكويتيين (النادي الثقافي القومي 1952) بعيد النكبة الفلسطينية، وهو أول من أسس مجلة ثقافية في الكويت هي (كاظمة 1948)، وتم تكليفه من قبل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح في عام 1957 للسفر إلى مصر من أجل اختيار أسرة تحرير مجلة العربي المعروفة، حيث قام بتشكيل أول أسرة تحرير لهذه المجلة، مكونة من أحمد زكي وآخرين، لتنطلق في عام 1958 حتى الآن، كإحدى المجلات العربية العريقة، وعندما تظهر الحاجة إلى تقنيي الطباعة، فإنه يسافر على رأس وفد من الشباب الكويتي إلى ألمانيا، للاطلاع على فنون الطباعة، ويعود ليتولى مهمة إدارة الطباعة والنشر .
كان السقاف من أوائل المتداعين من أجل تأسيس رابطة الأدباء الكويتيين، وعمل أميناً عاماً لها ما بين عامي (1973-1984)، وشارك في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب خلال الفترة من عام 1972 إلى ،1976 ناهيك عن تكليفه بمهام رفيعة كوكيل لوزارة الإعلام، وغير ذلك الكثير مما يسجل له .
وقدم السقاف للمكتبة الكويتية، والعربية نتاجات وأعمالاً كثيرة في مجال الإبداع والتأليف والدراسة، ومن كتبه: “المقتضب في معرفة لغة العرب”، “أنا عائد من جنوب الجزيرة العربية”، “الأوراق في شعراء الديارات النصرانية”، “حكايات من الوطن العربي الكبير”، “تطور الوعي في الكويت”، “العنصرية الصهيونية في التوراة”، “شعر أحمد السقاف”، “قطوف دانية . . عشرون شاعراً أموياً ومخضرماً”، “الطرف في الملح والنوادر”، “الأخبار والأشعار”، “أحاديث في العروبة والقومية”، “أغلى القطوف”، “عشرون شاعراً عباسياً” .
توزعت أعمال السقاف المطبوعة في مجالات عدة، منها ما يدخل ضمن حقل دراسة اللغة العربية، ومنها ما كان فكرياً تناول فيها قضايا قومية ووطنية، ومنها ما يدخل في مجال الدراسة الأدبية، وبخاصة في ما يتعلق بتناوله للشعر الجاهلي وبدايات الإسلام، والعصرين الأموي والعباسي، بالإضافة إلى ما تركه من إبداع شعري، جدير بالقراءة والدراسة، لما فيه من مقومات فنية جمالية خاصة، إضافة إلى المضامين المميزة في هذا الإبداع، فهي وثيقة حية عن واقع الإنسان العربي، وحلمه، وتوقانه للتحرر، بما في ذلك الكثير عن قضية فلسطين، التي أفرد لها قصائد خاصة من إبداعه وروحه .
إن قراءة إبداعات السقاف الشعرية، تبين أنه -بالرغم من نشأته الثقافية الأولى- على التراث الإبداعي القديم، إلا أنه كتب قصيدة التفعيلة إلى جانب قصيدة العمود، وهذا ما يدل على انفتاحه الثقافي، وعدم انغلاقه ضمن إطار محدد دون سواه، ولذلك فقد جمع في قصيدته كل ما هو أصيل لا يمكن تجاوزه والتخلي عنه، إلى جانب كل ما هو جمالي، من شأنه أن يضفي ألقاً وسحراً على قصيدته، وهو ما حدا بقصيدته أن تكون غنائية، تمتلك سحرها الخاص، كي تستقطب بعض أعلام الغناء المعاصر كنجاة الصغيرة التي غنت قصيدته “أعد الحقيبة” ونور الهدى التي غنت قصيدته “يا ظالمي” ومحمد مرشد ناجي الذي غنى قصيدته “اللقاء العظيم” وغيرها الكثير .






رد مع اقتباس