|
|
"المادة ثلاثون من الدستور"![]()
مقال للكاتبة/ عائشة المري
جريدة الاتحاد 08/09/2008م
"المادة ثلاثون من الدستور"، حلقة اتسمت بالجرأة في الطرح ممزوجة بالفكاهة، استمتعنا بمشاهدتها ضمن حلقات المسلسل الاجتماعي "حاير طاير". الحلقة تحدثت في بدايتها عن مواقف إنسانية مختلفة تحمل معاناة نسبة كبيرة من شعب الإمارات مع المسكن والعمل وتدني الرواتب والقروض. مشكلات أفرزت رغبة في التعبير اتخذت شكل التظاهر السلمي أمام المؤسسات الحكومية، فكان الاستناد إلى المادة ثلاثين من دستور دولة الإمارات، والتي تنص على أن "حرية الرأي والتعبير بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير مكفولة في حدود القانون". هذه المادة استُخدمت أساساً استند إليه- الممثلون- المتظاهرون ضد مؤسسات الدولة للتعبير عن آرائهم ومعاناتهم، واتخذ مسار الأحداث منحى صدامياً مع هذه المؤسسات المعنية مثيراً في الوقت ذاته علامات الاستعجاب والاستنكار أحياناً لانتهاج أسلوب التظاهر السلمي طريقاً للتعبير عن الرأي، في ظل نظرة تعتمد على تسييس المطالبة بالحقوق لتحشرها في زاوية الممنوع والمحرم في محاولة لتشويه الصورة. القضية التي تناولتها هذه الحلقة ببساطة، هي حق الفرد في التعبير عن رأيه في قضايا وهموم وطنية تمسه بالدرجة الأولى.
لقد اتسمت السنوات العشر الماضية بتسارع وتيرة النمو الاقتصادي في دولة الإمارات محدثة طفرات مادية، وسط تسارع الخطوات نحو بناء الدولة الحديثة متجاوزة مرحلة التأسيس التي تميزت بنمو معتدل الوتيرة عبر إنشاء بنية أساسية من مدارس ومستشفيات وطرق حديثة ومساكن للمواطنين ونظام تكافل اجتماعي وتوزيع عادل للثروات، إلا أنه وخلال السنوات الماضية، أصبح التباين الاجتماعي واضحاً للعيان بين الإمارات وبعضها وبين سكان هذه الإمارات. وبدا واضحاً تقلص الطبقة الوسطى، وأصبح التباين واضحاً للعيان بين مواطني دولة الإمارات حيث نشأت طبقة مترفة حديثة من محدثي النعمة، وطبقة تتسع يوماً بعد يوم من مواطنين يعانون في توفير متطلبات الحياة اليومية.
طبقتان لم توجدا تقليدياً بهذا الاتساع في مجتمع الإمارات، والذي كان يقوم بشكل أساسي على التضامن الاجتماعي. وهذا الواقع المعاش أفرز عدداً من المظاهر والمشكلات المجتمعية لم يعرفها مجتمع الإمارات في السابق كمشكلة الغلاء وعدم توفر المسكن الملائم للمواطنين والبطالة إضافة إلى التمييز الاجتماعي، فأصبح حال المواطن شبيهاً بقصص المسلسلات المصرية التي كانت تتحفنا بها القنوات التلفزيونية حول "البحث عن شقة والغلاء ومصاريف الزواج والإنسان المطحون"، فكنا نتفرج عليها كقصص نتفاعل معها من مقعد المشاهد لا المشارك في الهم، ولم يخطر ببالنا حينها أن معاناة الفرد المصري لم تكن إلا مقدمة لمعاناة المواطن الإماراتي اليوم، وتلك حقيقة يجب التوقف عندها طويلاً، فلم يحدث حتى في فترات القحط السابقة لاكتشاف البترول- وكما حكت لنا جداتنا- أن عَجَزَ المواطن عن الوفاء بمتطلبات الحياة الأساسية، كالمسكن أو القدرة على الزواج، أو حتى الحصول على عمل مناسب... هذه المشكلات أصبحت حقائق معاشة بشكل يومي في دولة نفطية تعتبر الأكثر استقطاباً للعمالة الوافدة، حتى أصبح الحديث عن هذه القضايا خبزاً يومياً للمواطنين وحتى المقيمين. هذه المشكلات حاضرة في المجالس وبرامج البث المباشر وأعمدة كتاب الرأي اليومية وفي التحقيقات الصحافية، التي تفرد الصفحات للحديث عن غلاء أسعار السلع الاستهلاكية في الجمعيات التعاونية. أما الحديث عن زيادات الرواتب، فتُفرد له المساحات للإشادة بانعكاساته، فحديث الدراهم أصبح اليوم حديث الساعة بلا منازع.
أحدثت الطفرة المادية غير المتوازنة حالة غير طبيعية تستشعرها في أحاديث الناس قلقاً من المستقبل، وتلاشت حالة الرضا على مؤسسات الدولة وهيئاتها، فالطلبات تتعدى الميزانيات والحاجة لتقليص الطلب على الخدمات الحكومية المجانية تحدث رداً عكسياً سريعاً؛ فارتفاع الرواتب في الوزارات والهيئات الحكومية والمحلية لم يحدث حالة رفاه اجتماعية، والمشكلات الاجتماعية إلى تفاقم، والدليل على ذلك متابعة ما يُنشر في صحفنا وما يتردد على ألسنة العامة من قلق مشروع على مستقبل أجيالنا.
وعودة على محور حلقة "حاير طاير"، فإنه يحق لكل مواطن التعبير عن رأيه بالطريقة التي يراها سليمة، بما فيها الحق في التظاهر والإضراب دون الإخلال بالنظام العام، ودون الإساءة لمؤسسات الدولة، وهو حق بالطبع لا يعطي المبرر لأي أحد بتعطيل الحياة والاعتداء على المواطنين والمؤسسات العامة وبث حالة من الفوضى. كما أن الحق في التظاهر والإضراب هو حق شرعي تكفله كافة الأعراف والمواثيق المعنية بحقوق الإنسان. ليس في الاعتصامات أو المظاهرات السلمية أي مظهر من مظاهر الإساءة للوطن، بل هي وسيلة للتعبير عن الرأي بأسلوب حضاري يطبق في كل الديمقراطيات العريقة دون أن يعتبر إساءة للدولة أو إهانة لحكومتها، وهي الفكرة التي حاولت أن تبرزها هذه الحلقة المتميزة، فالمتظاهرون حاولوا الحصول على إذن من السلطات المختصة رغبة في المحافظة على النظام، لكن قوبلت هذه الرغبة بالاستهجان والاستنكار، وهو موقف غير مستغرب، لكن الغريب أن يلاقي هذا الطرح تجاوباً كبيراً حتى من كُتاب الأعمدة اليومية والمفكرين. والمثال الأقرب للذهن هنا، هو موقف بعض كُتاب الصحف والأعمدة من التظاهرة السلمية التي قام بها عدد من التربويين وأسرهم أمام مبنى وزارة التربية والتعليم الذين ووجهوا بحملة هوجاء من عدد من كُتاب الأعمدة وكُتاب مشهود لغالبيتهم بالانفتاح الفكري على المتظاهرين والمظاهرات السلمية معتبرين أنها تشويه لسمعة الدولة وجريمة لا تغتفر.
إن انتقاد كُتاب الأعمدة والرأي، لأي قرارات أو ممارسات لا تعني بأي حال من الأحوال أن هولاء الكتاب يسعون لتشويه سمعة الوطن، أو النيل منه، كما أن كيل المدائح ونسج المعلقات في مدح المسؤولين الحكوميين والقرارات الحكومية، لا يعني بالضرورة حباً خالصاً للوطن، وما ينطبق على الحق في التعبير في الصحف ووسائل الإعلام، ينطبق على المتظاهرين ومظاهراتهم التي تمثل وسيلة من وسائل التعبير عن الرأي. حرية التعبير لا تتجزأ، ولا تُمنح للبعض وتحجب عن البعض الآخر، وإيماننا وأيضاً قناعاتنا بحرية التعبير لا تتجزأ حتى لو انتمى الطرف الآخر لتيار فكري نختلف معه جملة وتفصيلاً.
http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=39470