أعرف تلك القصة التي أثيرت عن زعم سعدي يوسف كتابة رواية مستغانمي ، ثم تنكره لما قال ، ولا آخذ ذلك بعين الاعتبار ، لأنني لم أجد أثرا لسعدي في الرواية ، بينما وجدت رائحة نزار ، وكلماتًه وقصائدَه متناثرة بين الصفحات ، حتى عروبته وإحساسه القومي ، وبكاءه القومي ، وخيباته وتفجعاته القومية ، كلها موجدودة ، ولكن لنفترض أن الكاتبة تشربت كل أفكار نزار ، فكان ينبعي أن تختلف اللغة قليلا ، أو كثيرا ، تهبط قليلا ، أو تبتعد مسافة ما ، لكن من يقرأ نثر نزار ، وشعره طبعا ، ومن يقرأ "قصتي مع الشعر" يحس تماما بوجوده في الرواية.
ومع ذلك صارت الرواية جزءا من تاريخ السرد العربي ، بل صارت من كلاسيكيات الرواية العربية في القرن العشرين ، وهي رواية ممتعة حقا ، ومختلفة وجذابة.
وكنت أتساءل منذ سمعت أنه سيتم تحويل الرواية إلى مسلسل تلفزيوني: كيف سيتم تحويل الخواطر ، الشعر ، الأسئلة ، المقارنات والمونولوجات الداخلية إلى عمل درامي؟ وقد سمعت أن أكثر من كاتب سيناريو بدأ يكتب سيناريو الرواية ، ثم سرعان ما يتلاشى ذلك ، حتى وجدنا أن ريم حنا هي التي كتبت السيناريو ، وسبق للكاتبة نفسها أن قدمت عددا من الأعمال الدرامية الناجحة.
لا شك أن تحويل أي عمل روائي إلى السينما أو المسرح أو التلفزيون قد يكون واحدا من اثنين: إما أن يقتل العمل الدرامي روحَ العمل الأصلي ، ويصدر بشكل سيىء ، وإما أن يكون على مستوى العمل الأول من ناحية الجودة والتفوق ، فعلى صعيد المثال وجدت الفيلم الذي قدم عن عمارة يعقوبيان أفضل من الرواية ، بل تكاد الرواية تكون مجرد سيناريو للفيلم ، وهناك الكثير من الأعمال الروائية التي نجح مخرجو أفلامها في تحويلها إلى عمل درامي ناجح ، مثل: زوربا ، العجوز والبحر ، دكتور زيفاغو ، ذهب مع الريح ، وغيرها.
بينما هبطت كثير من الأعمال الدرامية والسينمائية عن مستوى الرواية الأصلية مثل: مرتفعات وذرينغ ، العطر ، الحب في زمن الكوليرا ، وغيرها.
وربما يتساءل المرء: ماذا استفادت "ذاكرة الجسد" رواية من العمل الدرامي؟ بكل صراحة أقول: لم يفاجئني العمل لمخرجه المبدع نجدت انزور وللممثل المتميز جمال سليمان ، فقد جاء العمل جيدا جدا ، لكنه لم يقدم جديدا على الإطلاق ، لم يعط إضاءة جديدة للعمل ، كان مجرد نقل حرفي للمشاهد والكلمات والعبارات ، وهذا قد يعني أن كاتبة السيناريو كتبت تحت ضغط نفسي شديد ، ولم تستطع خلق ملحمة درامية ، واكتفت بنقل الرواية حرفيا ، خشية أغضاب صاحبة العمل ، التي قيل أنها فرضت شخصية البطل بنفسها.
لن يجد من كان قرأ الرواية شغفا في متابعة العمل الدرامي ، ومن لم يقرأ العمل من قبل ، قد تشده أجواء التصوير والمشاهد السينمائية في فرنسا وقسنطينة ، وبعض المشاهد ، وبعض الممثلين ، ولكن لن يجد غموضا محببا ، أو فرقا ذا إضافة معينة ، أو تشويقا لقراءة العمل المكتوب ، خلافا لكثير من الأعمال السينمائية التي ساهمت في زيادة مبيعات الكتب الأصلية إلى أضعاف مضاعفة.
كما أن العمل الدرامي يجب أن يكون مبنيا على عدة عناصر فنية ، منها: الصراع الدرامي بين الخير والشر ، وتطور الشخصيات ، والحبكة ، وعنصر التشويق ، وكل ذلك لم يتوفر في المسلسل.
جاء العمل ، رغم جمالية التصوير والإخراج والآداء ، عبارة عن صفحات تتلو صفحات ، وكأنه تم نقل الكلمات عن الورق إلى شاشة التلفزيون ، وبذا صار أشبه بالعمل التسجيلي ، وليس بالعمل الدرامي.