بقلم :نورة السويدي حين نتحدث عن دبي فإننا نتحدث عن معلم حضاري باسق يعرفه القاصي والداني، وحين نستذكر بعدها الحضاري فإنه يأتي متلازماً قريناً لبعدها الإنساني الراسخ، فلم تكن نهضة دبي في بناها الإسمنتية المترامية الأطراف والتي بلغت شأناً عظيماً لا تخطئه العين، وقد حطمت به رقماً قياسياً عالمياً بل إن أساس حضارتها ونهضتها ارتكز على جملة المعاني الإنسانية السامية والتعايش والتواصل بين الأمم، ومن ذلك كانت جائزة دبي للقرآن الكريم متربعة على ذروة سنام الرقي الإنساني الذي تفخر به دبي، ومظهراً إنسانياً يملأ بصر الدنيا وسمعها.

ولا شك أن الانطلاق في فضاء الحضارة والنهل من ثمراتها ومعينها لا يكون لأي أمة من الأمم إلا إذا كان طائراً بجناحين؛ أحدهما يبحث في كنوز الأمم وثمرات رقيها الحضاري فيقتنصه وينميه ويطوره، والجناح الآخر يغوص في عمق الجذور والأصالة فيحمل من مناراته ما يكون هادياً لمسيرته التنموية حارساً لمكتسباته الحضارية. ولا يمكن أن تستقيم نهضة أمة من الأمم إلا بهذا التناغم البديع بين الأصالة والمعاصرة، والتمازج المبدع بين التراث والحضارة، بل التواصل الأصيل بين الجذور والأغصان بحيث يسري من الجذور نسغ الحياة الكريم لتستطيع الأغصان حمل ثمار التطور.

هذه المعادلة المنطقية الحضارية استطاعت دبي تحقيقها بإبداع الحريص على المستقبل، الفخور بالمبادئ، الغيور على إرث لا تكون الحياة إلا به ولا يكون المجد إلا بالتمسك بأهدابه. فمنذ أربعة عشر عاماً من النور حملت دبي ولا تزال تحمل مشعل الاعتزاز بالجذور الأصيلة عبر جائزة دبي للقرآن الكريم التي أمر بها وأسسها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، لتجعل منها نبراساً مضيئاً يقدم للأمم رسالة مطلقة في عمق الزمان وامتداد المكان في أن حرص دبي على آخر مستجدات الحضارة والنهوض والتطور ومواكبة العصر لا يعني تجاهلها للأسس التي قامت عليها.

بل أكثر من ذلك فإنها تقدم للعالم رسالة في الوسطية والاعتدال تتلخص كلماتها في مزج العلم بالإيمان من غير إفراط ولا تفريط، في مسعى متواصل إلى إبراز الوجه الإسلامي المشرق للدولة، وتأكيد دورها في خدمة أبناء العالم الإسلامي، وتأكيد القيم الإسلامية، وأهمية دورها في الحياة.

وإذا كنا نفخر بكل شبر من أرضنا يشهد على رقي وطننا ومواكبته لآخر مستجدات الحياة على جميع الأصعدة، فإننا أكثر فخراً بأصالتنا وهويتنا العربية الإسلامية التي تظهر اعتزاز حكامنا بتراثنا وإسلامنا جنباً إلى جنب اعتدادهم بمفاتيح النهضة ومنطلقات الرقي الإنساني والحضاري.

والراصد لمسيرة الجائزة منذ نشأتها حتى اليوم يلحظ حرصها على أن تكون سباقة على مستوى العالم الإسلامي في خدمة القرآن الكريم وإعطاء هذا الجانب ما يستحقه من الخدمة والرعاية بشؤونه وفروعه حتى امتد خيرها أقطاب العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه.

بل شمل كل مسلم على وجه البسيطة عبر مسابقة مفتوحة أمام حفاظ كتاب الله لإظهار العناية بهذا الكتاب الكريم، من خلال وفود يمثلون سنوياً أكثر من ثمانين دولة وجالية إسلامية في العالم يفدون خلال شهر رمضان إلى دبي، فضلاً عن تكريم الشخصية الإسلامية في كل عام كأفراد أو مؤسسات ممن كان لهم بصمات في خدمة الإسلام والدعوة والمسلمين.

ليس ذلك فقط بل كانت الجائزة حريصة على إلقاء ثمارها في أرض الوطن وبين أبنائه عبر المسابقة المحلية للقرآن الكريم، فقد تفرعت أغصانها للعناية بالنشء وتوفير البيئة الصالحة لرعاية مواطني الدولة والمقيمين على أرضها لزرع الاهتمام بحفظ القرآن الكريم في نفوس أبناء الدولة. بل إن الخير العميم لهذه المكرمة المستمرة المتواصلة لم ينس فئة من أبناء المجتمع ساقتهم أقدارهم إلى المنشآت العقابية لتمد لهم يد الخير والأمل عبر التواصل مع القرآن الكريم وحفظه لتخفف عنهم مدة إقامتهم في السجون، بل تصل إلى الإفراج الكامل عمن حفظ كتاب الله كاملاً.

وهذا يترجم الفلسفة التي تقوم عليها المنشآت العقابية في الدولة في أنها لا تريد تحطيم المخطئين بل تطمح إلى تقويمهم وتنمية بذور الخير في نفوسهم ومساعدتهم على العودة مرة أخرى لممارسة دورهم الاجتماعي الذي غابوا عنه لظروف معينة.

واستمراراً لمسيرة الخير وتأكيداً على تواصل الاعتزاز بجائزة دبي للقرآن الكريم كان حضور سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي، وسمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي حفل ختام الجائزة، وتكريم سمو الشيخ حمدان بن محمد المتسابقين والفائزين وشخصية العام الإسلامية.

ولا شك أن هذا يؤكد استمرار مسيرة الاعتداد بالأصالة والجذور ماضياً تليداً وحاضراً أثيراً والنظر من خلالها إلى رحاب المستقبل. نبارك لأنفسنا استمرار هذا المنهل الفياض من حسنة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي أطلق هذا الخير ولا يزال مشرفاً عليه حريصاً على استمراره ليكون منارة الوسطية الإسلامية الجامعة لأبنائه على الأصول الراسخة.