|
|
في الماضي كان الشخص، خصوصاً الرجل، يمتلك القدرة على الحديث والقص لفترات طويلة، وبأساليب متنوعة تشد انتباه جُلاسه مهما بلغ عددهم في «ديوانه» المنزلي، العابق برائحة القهوة والشاي ودخان التبغ والسعال.
في الحاضر، بالكاد يستطيع الشخص القيام بذلك، ليس فقط لأنه لا يمتلك قدرة معقولة على الحديث لفترات طويلة إلى جلاسه وبأساليب متنوعة شيقة، هذا إذا كان لديه «ديوان» وجلاّس، بل لأن جعبته «جافة» ليس فيها وقائع وأحداث ليرويها.. لا يمتلك خزينا ينهلُ منه ساعة يشاء ويحتاج، كما كان حال جده من خمسين عاما على الأقل.
سيقول البعض إن الحياة تغيّرت وغيّرت معها الناس، رجالا ونساء؛ فإيقاعها سريع وانشغالاتها كثيرة ومتشعبة ولا تنتهي، وبالتالي كان على الشخص «المُعاصر» منا أن يتكيَّف معها ويواكب سرعتها لئلا يتخلف فيفوته ما قد يُعكّر عليه مَعيشه اليومي.
وسيقول بعض ثان إن الماضي شيء والحاضر الراهن شيء آخر؛ إنهما مختلفان ولا يمكن مقارنة طبيعة الحياة ولا البشر فيهما مع بعضهما بعضا. وقد يأتي ثالث بقصة أُخرى مختلفة كليةً.
ربما يكون ما ذكر عاملا صحيحا لكنه واحد من مجموعة عوامل قد تأتي كاشفة عن نفسها تباعا.
في الماضي، كانت رحلة البحث عن الرزق تصحبها أحداث ووقائع كثيرة ومتنوعة، بعضها ترقى إلى مستوى الأهوال الخطيرة، ثم إن المرئيات التي تحيط بالإنسان في البيئة القديمة، كانت تُشكل بالنسبة له المصدر الوحيد للوعي والمعرفة؛ كان يتثّقف من تلك المرئيات بما فيها سلوك الحيوانات الزاحفة والطائرة والسائرة على أقدام.
هذا في البر على اليابسة، كما كانت الأحياء المائية في البحر تشكل هي الأخرى مصدر وعي ومعرفة لمن كانوا يعتاشون على أسماكه وما يستخرجونه من قاعه.
شخصٌ من تلك البيئة، الصانعة للشجاعة والمحفزة باستمرار على الاستعداد والمفتوحة دوما على مجهول الغد بكل ملامحه، كان لا بد له من أن يكون ثريا في الحديث والروي وتصدير الوعي والمعرفة التي اكتسبها من الطبيعة القاسية وتعامله معها، ليس فقط حماية لاستمراره في البقاء حيا، بل لأن ترويضها يسمح له بأخذ ما يحتاجه منها له ولأهله بأقل الخسائر.
شخص كهذا، إذا ما جلست إليه، فستجد نفسك جالسا مع التاريخ وجرعة من الوعي والمعرفة إضافة إلى الكثير من القصص الممتعة والمشوقة التي تندرج في إطار الأدب بامتياز.
يخرج الشخص في الصباح ولا يعود إلى أسرته إلا في الليل. بل إن البعض لا يأتي إلا قبل منتصف الليل بقليل، ليس فقط بسبب عمله في أكثر من مكان، إنما لسبب آخر هو ازدحام المرور في المدن الحديثة، تلك المشكلة العصرية التي ستتحول بمرور الوقت إلى قاتل صامت.
شخص كهذا ليس لديه ما يقوله ويرويه سوى متاعب العمل والمشاكل اليومية مع رؤسائه وزملائه، إضافة إلى مرئيات بسيطة وساذجة وجامدة يراها يوميا ولا يحس أنها تتبدل أو تتغير. شخص بالتأكيد ستكون جعبته فقيرة و«جافة» ليس فيها قصة أو حادثة أو شيء ذو قيمة قد يشد سمعا عند روايته.
إنسان فترتنا التاريخية هذه، يتبدى لك أنه ذو ذاكرة فقيرة، وبنية هشة، «يغرق بشبر ماء» كما يقال بالشعبي المتداول، وفقير همه لا يحب الحديث عن الآفاق الممكنة.
شخص الحاضر ليس له سوى القراءة، لكن من أين سيجد الوقت؟؛ إنها الملخصات التي ستفيده تلك التي يمكن الحصول عليها عن طريق التقنية الحديثة أو الاشتراك بالمراكز المتخصصة لذلك. لكن حتى الملخصات تحتاج إلى وقت ومناخ للقراءة والتصفّح السريع الهادئ. هنالك فكرة لشخص أتعبه العصر وهي أن يجهز مجموعة من الملخصات لقراءتها في عطلة نهاية الأسبوع.
حقيقة.. لا يمكن تصوّر شخص لا يقرأ في فترتنا المُعاصرة هذه، فهو إذا لم يفعل ذلك، فإنه لن يكون قادرا على التواصل السهل مع البشر بضمنهم أفراد أسرته.
ما بال بعض الناس صاروا أبحرًا
يخفون تحت الحب حقد الحاقدين
يتقابلون بأذرع مفتوحة
والكره فيهم قد أطل من العيون
يا ليت بين يدي مرآة ترى
ما في قلوب الناس من أمر دفين
يا رب إن ضاقت الناس عما فيا من خير
فـ عفوك لا يضيق
(((( راشد ))))