النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: مطــــــر قصة للكاتب موسى إبراهيم أبو رياش

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    مطــــــر قصة للكاتب موسى إبراهيم أبو رياش

     

    مطــــــــــر
    قصة قصيرة
    موسى إبراهيم أبو رياش
    الدستور الاردنيــة







    خطواته المتعبة تقوده إلى الوراء ، يكاد لا يستبين طريقه. تنوء أكتافه بكل أثقال الدنيا ، محبط حتى النخاع ، فقد كل أمل في تحسين أوضاعه ، يعيش على مبلغ بائس مقابل عمل بغيض. حمد الله أنه وحيد ، ليس مسؤولاً عن إعالة أحد: لا زوجة ، ولا ولد.

    التقطت أذناه صوت نهنهة طفلة تبكي ، بصوت خفيض ، انتبهت حواسه ، التفت حوله ، فوقعت عيناه على طفلة صغيرة تفترش عتبة أحد المنازل ، مشى نحوها ، بتساءل. أصابه الذهول من فرط براءتها ، وجمالها الطفولي الآسر ، الذي زادته دموعها روعة وفتنة: دموع كاللؤلؤ تزين خديها ، وتضفي عليهما بريقاً آخاذاً ، وتجعل من الطفلة ملاكاً اتخذ الأرض له مسكناً.

    شعر بخفة. انشرح صدره ، تبخرت كل أحزانه. فاض قلبه بالأمل ، امتلأت جوانجه بالحنان ، قرفص قبالتها يتأملها ، بشغف ، سألها بحنان عن سبب بكائها. صمتت ، ولم تجب ، أعاد السؤال ، أجابت ببراءة وكلمات متقطعة:

    ـ أأأررريييد شووكوولااتة كالأأأوولااااد... ما معععي مصاااررري.

    سألها عن أمها وأبيها. أخبرته أنها يتيمة ، وأن أمها ذهبت تبحث عن عمل. أنهضها من يدها ، برفق ، وترك حبات اللؤلؤ كما هي ، يتأملها بفرح طاغْ ، وسعادة غامرة. قادها إلى أقرب بقالة ، أخرج كل ما معه من دريهمات ، واشترى لها كل ما تحب ، وأرخى لها حبل الدلال ، ثم أوصلها إلى بيتها ، وهو يحدثها ، بخشوع ، ولولا خوفه من العيون المتلصصة ، والأسئلة التي تتراكم على الشفاه ، لمكث برفقتها إلى أن تعود أمها ، ولكنه آثر أن ينسحب ليحافظ على سعادته ، وكنزه الجميل ، وأن لا يضيع بسبب سوء فهم ، أو تأويل ظالم ، أو تفسير أعمى ، ثم أكمل طريقه إلى بيته ، وهو يشعر بخفة ، وقدرة على المسير ، بل الطيران ، من دون توقف.

    وصل إلى بيته بسرعة ، دخله بسعادة ، تخفف من ملابسه ، وارتمى في فراشه باسترخاء ، أخذ يتذكر لحظاته الجميلة مع الطفلة الباكية ، وشعر ـ لأول مرة ، منذ زمن طويل ـ أن في الحياة أشياء جميلة ، تستحق أن نحيا من أجلها ، وأن لمسات الجمال موجودةـ برغم سيطرة مساحات السواد ، وغلبتها.

    أصبح ينطلق إلى عمله بهمة ونشاط ، بذل جهداً مضاعفاً ، أتقن عمله ، لاحظ رئيسه مدى جديته وتغيره ، رفع أجره ، ونقله إلى عمل أفضل. تحسنت أحواله ، شعر بمذاق طيب. وثق صلاته ببعض زملاء العمل ، وتبادل معهم الزيارات ، وخرج مع بعضهم في سهرات خفيفة ، ورحلات قصيرة. تبدلت أحواله ، تفتحت في قلبه مسامات جديدة ، شعر بقلبه يخفق ، أخذ يمشي ، بثقة ، يأكل بتلذذ ، ينام بمتعة ، يحلم كالأطفال.

    أخذ يحلم أن تكون له حياة مختلفة ، يفكر في الزواج ، يفتح بيتاً أرحب وأوسع ، اشتاق للأطفال ، شعر بلهفة لأبوة تلوح ، في الأفق ، صار يخطط لمستقبله ، يقلب أفكاره ومخططاته ومشاريعه: يستبعد هذا ، ويعيد التفكير في ذاك ، حتى استقرت ـ في ذهنه ، ومخيلته ـ صورة جميلة لما يريد ، عاش معها ، وبها ، ليالي طويلة ، يشعر بالسعادة كلما استحضرها ، كأنه ملك الدنيا بأسرها ، حتى يتخيل ـ أحياناً ـ أنه يعيش واقعاً لا حلماً ، وأماني ما زالت معلقة في رحم الغيب.

    استلم منصباً يحسده عليه كثيرون ، وتحسنت أحواله المادية ، وأصبحت أحلامه قاب قوسين ، أو أدنى ، من أن تترجم على أرض الواقع ، فكل الظروف مهيأة ، ومعظم العقبات إلى زوال.

    في طريق عودته ، من بعد يوم عمل ، وكان ذلك في أواخر شهر أيلول ، أمطرت السماء ، فجأة ، في استهلال موسم مطري جديد. بزغ الأطفال من كل ناحية ، وخرجوا من كل بيت ، وتجمعوا ، كرف حمام ، يغنون فرحين بحبات المطر:



    شتي وزيدي بيتنا حديدي

    عمنا عبدالله

    رزقنا على الله

    أخذوا يركضون في الشارع ، يستمتعون بمعانقة المطر أجسادهم البريئة ، وبعضهم فتح فاه لتسقط فيه حبات المطر البكر ، وفاح من تراب الأرض شذى عناقها الولهان مع حبات المطر ، وتشربت الأرواح سيمفونية لقاء العاشق بالمعشوق ، وحلَّ في الأرض سلام ، وخرجت من الصدور تنهدات الراحة والأمل ، وتعالت أصوات الخلق: "الحمد لله".

    شعر بروحه تطير في الأعالي ، وقلبه يتفتح ، تعطشاً ، للمطر كما الأطفال ، وأحس أنه في حاجة إلى أن يغسل أدران جسده بهذا المطر الطاهر ، الذي يتنزل من السماء بروعة وسلاسة ورفق. خلع جاكيته وربطة عنقه ، وخلع حذاءه ، واختلط بالأطفال يغني كما يغنون ، ويركض كما يركضون ، ولم يعبأ بالعيون الساخرة ، التي استنكرت فعلته متمتمة نابزة لامزة ، أدرك أنها جبانة ، متمترسة خلف وقارها الكاذب ، فهي أعجز أن تحذو حذوه ، وتعود إلى براءتها وطهرها ـ وإن لحظات معدودة ـ وتصر أن تبقى حبيسة زيفها ، ومظهرها المخادع.

  2. #2
    مشرفة سابقة
    تاريخ التسجيل
    9 - 7 - 2009
    الدولة
    دار القواسم=
    المشاركات
    13,119
    معدل تقييم المستوى
    279

    رد: مطــــــر قصة للكاتب موسى إبراهيم أبو رياش

    قصه جميله تحمل معاني رائعه

    لكي كل الود والتقدير ...

    على ماتبذلينه من انتقاءالقصص ذات فائدهــ قيمه ,,,

    دمتـــي في حفظ المولى دائماً...
    التعديل الأخير تم بواسطة الأميرة الحسناء ; 20 - 10 - 2010 الساعة 02:22 PM
    لا تحاصر نفسك بالسلبيات ولا تحطم روحك بالحزن والاسى ..
    استفد من فشلك وعزز به تجربتك ..
    توقع دوما الخير ولو صادفت الفشل ..

  3. #3
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: مطــــــر قصة للكاتب موسى إبراهيم أبو رياش

    شاكــرة ارتشافاتك الادبية،،
    دمت بود،،

  4. #4
    عضو ذهبى الصورة الرمزية زماني كسرني
    تاريخ التسجيل
    24 - 4 - 2010
    المشاركات
    2,125
    معدل تقييم المستوى
    94

    رد: مطــــــر قصة للكاتب موسى إبراهيم أبو رياش

    عيشتنا جوها الصراحة ممكن تكمل
    جزاك الله خير

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •