|
|
حديث الذاكرة وحديث الثقافة
للكاتب المبدع: يوسف أبو لوز
الملحق الثقافي/ دار الخليج
للعام الثاني على التوالي يضيف صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة إلى المكتبة العربية مادة تاريخية بالأرقام والتواريخ والصور، تعتمد في بنائها المنهجي أولاً على معلومات ووثائق كان سموه قد جمعها وحافظ عليها بوصفها مرجعية موثوقة، وهو رجل تاريخ ورجل بحث يعرف جيداً القيمة العلمية لهذه المرجعيات التي تشكّل إطاراً حافظاً للتاريخ ومساراته وتحولاته في المنطقة . . وثانياً، تعتمد هذه المادة التاريخية التي تثري المكتبة العربية على ذاكرة حية عميقة الخصوبة ومفتوحة على التفاصيل والوقائع التي شهدها ويشهدها سموه، فإذا كانت الوثيقة في منهج البحث العلمي هي مرجع، فإن الذاكرة الصادقة الحية هي أيضاً مرجع آخر يعمل على تماسك المادة التي يقوم عليها أي كتاب .
في العام الماضي تلقى الوسط الثقافي المحلي والعربي والعالمي كتاب “سرد الذات” الذي كتبت حوله عشرات المقالات وما زال صداه السردي الممتع ماثلاً بين الكثير من النخب العربية القارئة بعمق وبتخصص . . هذا الكتاب كما تقول عنه عبارة موجزة على غلافه الأخير ولكنها بليغة الدلالة . . “ . . يروي قصة شاب تربّى على الوطنية، وترعرع على المبادئ القومية الوحدوية، حتى إذا ما دبّ الخلاف بين الطوائف، وتناثرت تلك المبادئ من صدور الرجال، تمسّك بالعقيدة التي لا تنتزع من القلوب . .” .
ولم يُنتزع التاريخ أيضاً من قلب ومن صدر صاحب السمو حاكم الشارقة وهو الذي قدّم قبل ذلك أكثر من كتاب في هذا السياق . بل، وتقوم أعماله المسرحية أيضاً بشكل أساسي على التاريخ الذي يصرّ سموه في مشروعه الإبداعي والثقافي على ضرورة قراءته والاستفادة منه وتوظيفه في كل مفردات الكتابة، وذلك ما فعله سموه في أعماله المسرحية، حيث ذهب إلى الوقائع التاريخية الكبرى ووظفها مسرحياً، ثم أسقط هذا التوظيف على الواقع .
هذا العام يكمل صاحب السمو حاكم الشارقة هذا السياق بكتابه الجديد “حديث الذاكرة - الجزء الأول”، وفي ما تتم ترجمة “سرد الذات” إلى الانجليزية، في الوقت ذاته، تستقبل الساحة المحلية الإماراتية في هذه الدورة الجديدة من معرض الشارقة الدولي للكتاب “حديث الذاكرة” وفق بناء مرجعي وثائقي متخصص، ووفق ذاكرة صادقة أمينة لكاتب وباحث ومؤرخ يمتلك ضمير المؤلف الحي الذي لا يعرف إلا ضرورة واحدة وهي البحث عن الحقيقة، ثم مراجعة هذه الحقيقة والتأكد منها، وبالتالي توثيقها وإخراجها إلى النور بأسلوب سردي غير معقّد وبعيد عن البلاغة الفخمة والكلمات الكبيرة التي أحياناً تغرق فيها المعلومة وتضيع .
سموه في الكتابين قريب جداً من روح الإنسان ومن بساطة القلب كما قريب من تفتح العقل وهي معاً ركائز مهمة للقارئ الذي يريد أن يستفيد، وبكلمة ثانية، من الملاحظ في الكتابين أن سموه يخاطب قارئاً يريد له أن يستفيد من المعلومة ومن الوثيقة ومن القصة التي يسردها له صاحب السمو في وضح النور وتحت الضوء بعيداً جداً عن أي غموض والتباس .
يتألف كتاب “حديث الذاكرة” من عشرة فصول أخذت العناوين الآتية: دولة الإمارات العربية المتحدة، بين أمريكا ومصر، تصدير النفط من الشارقة، زيارات عربية وأوروبية، القرارات التاريخية، بين مسلمي الصومال ومسلمي أمريكا، أيام الوحشة، من أيام حاكم الشارقة، اللجنة العليا للميزانية، زايد في طهران . . ثم خاتمة، وبعد ذلك، ينتهي الكتاب بفهرست الصور الفوتوغرافية، ويقدم “الخليج الثقافي” في هذا العدد قراءة أولية في هذا الكتاب الغني بالمعلومات، لكن إلى جانب هذه المعلومات هناك مواقف وقصص كثيرة يوردها سموه من مكان إلى آخر تدل على فطنة سموه وسرعة بديهته وتمسكه بجوهر ثقافته العربية وقضايا العرب المصيرية ومن هذه المواقف زيارته الرسمية إلى فرنسا ويظهر في هذا الموقف الذي نورده هنا من الكتاب بُعد نظر سموه وهدوئه السياسي وقوة إقناعه على مبدأ السياسة الحكيمة الذكية . .
يقول سموه في الكتاب: “بدعوة من رئيس الجمهورية الفرنسية “فاليري جيسكار ديستان” “Valery Giscard D'estaing”، زرت الجمهورية الفرنسية في يوم الخميس الثامن من ربيع الأول سنة 1395 ه، الموافق للعشرين من مارس/آذار سنة 1975م، قادماً إليها من روما، ولمدة أسبوع واحد .
قابلت خلال تلك الزيارة الرئيس الفرنسي “فاليري جيسكار ديستان” في قصر الإليزيه . وقدمت له هدية عبارة عن سيف من الذهب، وقد كتب على نصله، بالذهب، بيت من الشعر العربي .
طلب مني الرئيس الفرنسي أن أقوم بترجمة بيت الشعر، فقلت له:
“- لو قمت بترجمة ذاك الشعر لانقضى الوقت المحدد للمقابلة، ولكنني قد قمت بترجمة ذلك الشعر إلى اللغة الانجليزية على هذه الورقة” .
بعد أن قدمت له تلك الورقة، سألني:
- “ما رأيك في السياسة الفرنسية؟”/
قلت له:
- “بيضاء مثل هذا الثوب” .
وكنت ألبس لباساً عربياً، ثم قمت بتناول قلم حبر كان على مكتبه، ووضعت به نقطة على ثوبي ناحية الصدر، ثم قلت:
- “لكن هذا الثوب يبدو الآن ليس كما كان” .
قال الرئيس الفرنسي:
- “وما هذه النقطة السوداء؟” .
قلت: “هناك بعض الأشخاص من المحسوبين على فرنسا يقومون بتصرفات ضد وحدة الجزائر، وفي عالمنا العربي تُعرف تلك التصرفات بأنها أيادي فرنسا تعبث في الجزائر” .
تناول الرئيس الفرنسي قلماً ودوّن تلك الملاحظة .
وفي موقف آخر يقول سموه وهو يذكر تفاصيل زيارته الأولى إلى الولايات المتحدة الأمريكية:
“ . . سألتني السيدة العجوز مريكا Marika زوجة السيد إيلي، وكانت تجلس إلى جواري قائلة:
- “كيف استطيع أن أتعرّف إلى العربي، وهو بلباسه العربي، بالنظر إليه من الخلف؟” .
وقبل أن أجيبها، دعيت إلى المنصّة لإلقاء كلمتي . حييت الجمهور واعتذرت منهم قائلاً:
“قبل أن آتي إلى المنصّة، كانت السيدة “مريكا” قد سألتني عن كيف تستطيع أن تتعرف إلى العربي بلباسه العربي بالنظر إليه من الخلف، فأقول لها:
“مريكا، لن تتعرفي إلى العربي ما لم تنظري إلى وجهه” .
ويوم رفع علم الاتحاد بدلاً من علم الشارقة يقول سموه “كان بيدي علم الاتحاد وخاطبت تلك الآلاف من الناس قائلاً: “إن هذه الدولة لها رئيس واحد، وعلم واحد، فلنطبق القول بالفعل، فنستبدل علم الشارقة برفع العلم الاتحادي، ونرفع علم الاتحاد خفّاقاً عالياً فوق جميع المؤسسات والدوائر في الشارقة” .
وفي إطار جولات سموه على مدارس الشارقة في العام 1976 قال، كما يأتي في الكتاب، رداً على سؤال عن الموقف السلبي لبعض الفئات تجاه القضية الفلسطينية “إنه يمكن اعتبار القضية الفلسطينية نبراساً للصراع، وهي لا تخص الفلسطينيين وحدهم، بل هي قضية الشعب العربي بأسره، ولا بد لنا أن نرفع شعار ضريبة الدم وأن يتخذ ذلك كقرار وأكدت أن مطامع “إسرائيل” تتعدى حدود فلسطين، وأن هذه الجرثومة التي وجدت في منطقة قد تنتقل إلى المناطق الأخرى، ومن هذا المنطلق نحن نفكر في الوحدة العربية الشاملة وفي محاربة الاستعمار . .” .
أما الصور الواردة في الكتاب وبعضها أسود وأبيض وبعضها ملّون فهي تنطوي على قيمتين جمالية وتاريخية عاليتين . في إحدى الصور يظهر سموه وهو يرتدي لباساً عسكرياً ويلقي كلمة في القوات المسلحة المصرية في الجبهة المصرية، وفي صورة أخرى ينظر إلى “خط بارليف” أثناء زيارته إلى الجبهة المصرية في مدينة السويس، وفي صورة أخرى يتقلد سموه وشاح الشرف لجمهورية السودان الديمقراطية، ثم صورة أخرى يظهر فيها سموه وهو يفتح عملية الانتاج في حقل “مبارك” النفطي .
الكتاب يروي سيرة حاكم ولكنه أيضاً يروي سيرة إنسان، وكاتب وسياسي ومثقف، إنه صاحب السمو حاكم الشارقة الذي كما وصفه الكثير من المثقفين العرب قام بالغاء تلك الحساسية القائمة أحياناً في أوساط النخب الثقافية بين الحاكم والمثقف، أو بين السياسي والمثقف، فقد كان خياره أن يؤالف ويقارب بين هذين الاتجاهين ليصبحا اتجاهاً واحداً يقود إلى مشروع ثقافي بدأته الشارقة منذ تكوّن مؤسساتها ودوائرها وبنيتها الإدارية والتنظيمية مع قيام دولة الاتحاد . هو مرة ثانية وثالثة ورابعة مشروع الشارقة الثقافي الذي سوف نركز عليه في أعداد قادمة من الملحق الثقافي ونعاينه ونتتبع خطواته ومراحله ومحطاته منذ أوائل الثمانينات وحتى الآن حيث يدخل معرض الشارقة الدولي للكتاب في العام المقبل عقده الثالث، وفي كلمة سموه في افتتاح هذه الدورة من المعرض قال إنه سيقدم في العام المقبل أي في الدورة الثلاثين للمعرض كتاباً جديداً تحت عنوان “كشف الحساب في تنوير الألباب” . . قال ذلك صاحب السمو حاكم الشارقة وهو يؤكد مراراً على مشروع الشارقة الثقافي الذي نرى اليوم وبعد هذه السنوات من العمل والمثابرة قد أصبح مشروعاً عربياً وعالمياً يقدم الإمارات بحقيقتها الثقافية وتراثها العريق وعملها الدؤوب منذ قيام دولة الاتحاد وحتى الآن وكان العمل الثقافي على وجه الخصوص يلقى كل عناية واهتمام من القيادة ومن المسؤولين ورجالات الدولة بحيث تتحدث اليوم فعلاً عن مشروع ثقافي في الشارقة له ملامح وله مسارات ومؤثرات بالغة الايجابية داخل الإمارات وخارجها .
لنأخذ تفصيلة واحدة فقط في هذه العجالة تؤشر إلى مشروع الشارقة الثقافي وهي حركة النشر في الإمارات ونمو هذه الحركة سواءً في ضوء معطيات المعرض أو بعيداً عن هذه المعطيات، وعلى سبيل المثال يشارك في دورة المعرض لهذا العام 117 دار نشر محلية، و387 عربية، و285 أجنبية، وإذا قارنا هذه الأرقام أو نظرنا إليها بيانياً مقارنة مع مشاركة دور النشر العربية والأجنبية في المعرض خلال السنوات الماضية لوجدنا أنفسنا أمام حقيقة لا غبار عليها وهي أن حجم الإقبال العربي والعالمي على المعرض هو في حركة تصاعدية من عام إلى آخر، وبمعنى آخر أو كنتيجة لهذا التصاعد .
فإن هناك ارتفاعاً سنوياً في العناوين التي يطرحها المعرض “هذا العام على سبيل المثال هناك 200 ألف عنوان” .
ومن يقرأ هذا النمو على نحو تحليل واستنتاجي، فإنه يدرك بالمعطيات والبراهين الكيفية التي يتأكد بها مشروع الشارقة الثقافي، ومدى الالتفاف العربي حول هذا المشروع والنظر إليه بوصفه أملاً أو حلماً متحققاً جعل من الثقافة منصة أمينة لإطلاق الابداع العربي والفكر العربي إلى آفاقه الحيوية المتجددة .
وبالطبع، هناك تفاصيل ومفردات ووقفات كثيرة في الإطار العام لمشروع الشارقة الثقافي .