
يالها من أيام وذكريات لا نمل من استرجاعها؛ أيام كان التعليم بالسجية والفطرة، ولا حاجة لدروس خصوصية، وميزانيات تعليمية خرافية، ومدارس خاصة وغيرها، حيث اندثر التعليم الشعبي واختفت الكتاتيب وحل محلها المدارس والمواد الأكاديمية المختصة.
[IMG]http://www.albayan.ae/servlet/Satellite?blobcol=urllowres&blobheader=image%2Fjpeg&blobkey= id&blobtable=CImage&blobwhere=1288543245459&cachecontrol=0%2 C4%2C12%2C16%2C20%3A00%3A00+*%2F*%2F*&ssbinary=true[/IMG]
وكل ما تبقى من ماضي التعليم ذكريات ننقلها لهذه الجيل ليعرف ماضيه وتراثنا التعليمي، هكذا تحدث للحواس الخمس مجموعة من »الشواب« حول الكتاتيب والمطوع الذي كان يشرف عليها. بداية يقول الوالد أبو عبدالله، متقاعد: اندثرت »مجالس الأدب« أو ما يطلق عليها بالكتاتيب مع تطور العلم والتقنيات المستخدمة بالتعليم العام المكان الذي يجتمع فيه من يريد أن يتعلم الكتابة والقراءة من (المطوع) أو الشيخ حيث كان الطلاب ينضمون إلى معلمهم بشكل دائري. حيث يجعل الطلاب على مرأى من المعلم آن ذاك، ويبدأ المطوع بقراءة آية قرآنية أو حديث أو بيت شعر، ثم يردد الطلاب ما يقوله المطوع، وكان دور المطوع لا يقتصر على التعليم فقط بل يمتد إلى التربية حيث إن المطوع سابقاً هو المسؤول الأول والأخير عن أدب وخلق الطالب.
ويضيف الوالد راشد سالم: في الماضي كنا نعتمد على »المطوعة« في التعليم وحفظ القرآن، واليوم وبفضل الاتحاد انتشرت المدارس والكليات والجامعات في أنحاء الدولة وتطور التعليم بشكل كبير جدا. يضيف: أصبح التعليم حقا للشباب والإناث والبعض الآخر يكمل مسيرته الدراسية حتى ينال أعلى الشهادات العلمية.
»لا يستطيع احد أن ينكر دور المطوعة في التربية والتعلم«، هكذا بدأ درويش محمد، موظف، الحديث عن تطور التعليم قائلا: كانت أمي ترسلني إلى المطوعة لحفظ القرآن مع بقية أصدقائي آن ذاك؛ فكانت أياما جميلة جدا، وأحن إليها كثيرا، وانتشر العلم وتسهلت الأمور كلها، حيث كنا في السابق نتعلم، ونحن جلوس على الأرض. أما اليوم فالدولة وفرت للطلاب كل سبل الراحة والرفاهية من مكيفات وكتب.
الفسحة
ويقول الحاج ابو سلطان، 49 عاما: ان طلاب الكتاتيب في تعلمهم للكتابة كانوا يعتمدون على ألواح وتستخدم من أخشاب الصناديق وأخشاب السفن التي ترسو في الموانئ القريبة من المنطقة، ومنهم من يستخدم الخرق والجلود للكتابة عليها، أما القلم المستخدم فهو من أعواد العشر جلب الذرة، القصيباء (شجر ينبت عند موارد المياه) والحبر المستخدم فهو عبارة عن السق وهو ناتج عن وسيلة الإنارة (السراج) أو الفحم وكان يستخدم المداد من السرج القديمة. ويضاف اليه صمغ من شجر الطلح وبعد مزجها يطبخان معاً فترة من الزمن وبهذه الطريقة يستخلص المداد.
يضيف: ولم يكن هناك نظام يومي للدراسة بل كانت ساعة المواظبة اليومية سبع ساعات تتخللها بعض الفسح بحيث يبدأ الحضور بعد طلوع الشمس ثم يستمر إلى حوالى الساعة الثالثة عصراً والفسحة نصف ساعة يتناول الدارسون خلالها وجباتهم التي احضروها معهم من منازلهم ثم يخرجون الى الاماكن القريبة من مركز المدرسة للترويح عن أنفسهم لمدة ربع ساعة أما وقت الغداء فيذهبون إلى بيوتهم.
ويعودون إلى الكتاب بعد صلاة العصر وعند مغادرة المطوع يصطفون بعد صلاة العصر عدة صفوف يقرأ أكبرهم كلمة الانصراف وتسمى (التغفيرة) وهي عبارة عن أدعية للمدرس ولوالديه والمسلمين بالرحمة والمغفرة وللطلاب بتعلم ما جهلوا والدارسين يرددون كلمة آمين ثم ينصرفون إلى بيوتهم.
.........................................................
الكتاتيب تخرج فيها عباقرة وحكماء

»غرشة مياه« ومجموعة من الكتب مع مصاحف و»جزور ومرافع« حولها يتحلق الصبية في انتباه وترقب لما يصدر من »المطوع«، هكذا كان حال التعليم قديما في الدولة، ويتم بأسلوب عفوي مبسط، حيث تقوم الأسر بتسليم أبنائهم لدى المطوع دون رسوم تسجيل، أو اشتراطات مسبقة.
وفور وصول الطالب تبدأ الدراسة مقابل ما تجود به الأسر عشية الخميس »الخميسية«، وعلى الرغم من بساطة التعليم آنذاك الذي كان يطلق عليه »الكتاتيب«، إلا انه أسهم في تخريج عباقرة في مختلف التخصصات واصلوا تعليمهم إلى ما بعد الجامعة »الحواس الخمس« رصد مسيرة ورحلة المطوع والكتاتيب في السطور التالية®.
نظرا إلى انشغال الآباء في البحث عن لقمة العيش أثناء موسم الغوص، أو الأسفار في البر والبحر سعيا وراء الرزق؛ فقد كانت المرأة هي التي تتولى مهمة تسجيل الابن للدراسة على يد أحد المطوعين في الفريج، وتخطره برغبة الأسرة في تعليم ابنها عنده، وتقول له:
»هذا ولديه ابغيكم اتعلمونه« ويرد المطوع »ان شاء الله«، أو تقول للمطوع »هذا ولدنا يايبينه الكم سلموا عينه وعظامه واللحم الكم« وهذا يعني بأن يتولى المطوع تربية الولد وتهذيبه أو تأديبه، ومن ثم تعليمه.
وإذا اخل الولد بواجباته، أو تأخر في الدراسة، أو بدرت من خطيئة؛ فإن هذا يعرضه للضرب المبرح والحبس على يد المطوع. وكان الأهالي في السابق يؤيدون طريقة المطوع في تأديب الولد، وعدم تركه لأهوائه ونزواته، ويولي المطوع الولد الذي حضر لتوه للتعليم اهتماما خاصا، وعناية فائقة حتى يلحق بباقي زملائه في الدرس، كما يسترعي الولد الجديد انتباه الدارسين فيعملون على مساعدته وتدريبه على حفظ الآيات.
وعند حضور الأولاد إلى المطوع يحمل كل واحد منهم »غرشة« بها ماء للشرب تحتوي على علامات حمراء او صفراء او زرقاء، وذلك لتميزها عن بعضها بعضا، ويدفن كل واحد »غرشته« في الطين حتى يظل الماء باردا، ولا يتعرض لحرارة الشمس.
ونلاحظ من أمام كل ولد أداة تسمى (المرفع)؛ خشبتان على شكل حرف إكس يوضع عليها القرآن الكريم، تستعمل في حمل المصحف او (الجزور)، الجزء الذي يحتوي على سورتين أو سورة من القرآن الكريم. والمرفع نوعان؛ النوع الأول من خشب الساي، وهذا النوع يستعمله أولاد الشيوخ، وأبناء التجار والنوع الثاني عبارة عن (بيب من الصفيح الذي يجلب فيه الكيروسين (الكاز)، وهذا النوع من المرافع كان يستعمله أبناء الأسر المتوسطة والفقيرة.
الخميسية
وفي يوم الأربعاء من كل أسبوع ينادي المطوع على تلاميذه ويذكرهم بإحضار (الخميسية)، وهي الأجرة الأسبوعية التي يتقاضاها المطوع ويقول: »باجر الخميس اللي ما يغيب يخيس«، وفي يوم الخميس يجري المطوع اختبارا للتلاميذ يستمع فيه الى حفظ الدروس السابقة؛ فإذا اجتاز التلميذ هذا الاختبار يقولون »افلان غيب« وهي كلمة تطلق على الابن أو الولد الذي نجح في حفظ القرآن الكريم أو جزء أو جزأين.
فعندما يجتاز التلميذ حفظ الآيات من الحمد إلى الفجر أو جزء عم، يقولون »افلان غيب«، وهذا يعني على هذا الولد »هدة«، وهي سماح المطوع للصبيان بالخروج على أن يدفع هذا الولد أجرة المطوع وهي روبية أو روبيتين. وعند العصر يسمح المطوع للتلاميذ بالذهاب الى منازلهم قبل موعد الدوام العادي الذي عادة لا يكون قبل المغرب.
ويحدد المطوع مواعيد الدراسة عن طريق »ظل الشمس«؛ فإذا وصلت الظلال عند الخط المرسوم في الأرض او عند حدود المنزل يعرف المطوع ان الوقت للانصراف قد حان، فيطرق بعصا على أداة من الصفيح معلنا انتهاء الدرس.
كما استعمل »المنحاز« وهو أداة تستعمل لدق البهارات في الإعلان عن بداية ونهاية الدراسة في الكتاتيب. وعند سماع الأولاد لقرعات المطوع معلنا نهاية فترة الدراسة يندفعون خارج منزل المطوع مسرعين حاملين معهم أدواتهم ومصاحفهم وأثناء خروجهم يرددون بعض الأناشيد أو الكلمات وهي أناشيد جميلة تعبر عن فرحتهم بإنهاء الدرس.
وإذا تغيب احد الأولاد عن الدرس دون عذر معروف يختار المطوع ثلاثة من الأولاد أكبرهم سنا، ويرسلهم في البحث عن الولد لإحضاره إلى منزل المطوع ويذهبون للبحث على البحر أو في أماكن صيد الطيور في البر.
وعندما يشاهدونه ينقضون عليه ويحملونه من يديه ورجليه ويذهبون به إلى المطوع، وأثناء ذلك ترتفع أصوات الأولاد ويقولون »يبناه يبناه«، أي أحضرنا الولد الهارب ثم يدخلون به على المطوع، ويقوم المطوع بضربه بالعصا وربطه بالفلقة وحبسه في السدرة حتى يعلن توبته.